هل فتَح ولد الأدهم جرحَنا القضائي النازف؟

هل فتَح ولد الأدهم جرحَنا القضائي النازف؟

محمد فال ولد سيدي ميله

 

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سنة 1945، حتى سنة 2026، اعترفت فرنسا بأن قضاءها ارتكب 12 خطأ قضائيا فادحاً زُجّ بموجبه أبرياء في السجون، ثم تبيّن، بعد سنوات من المعاناة، أن التحقيقات غير المنصفة ظلمتهم، فأعيدت محاكتهم، وتمت تبرئتهم، كما تم التعويض لهم عن "سنوات الجمر".

أما الأخطاء القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية، فهي بالآلاف، فلربما قضى أحدهم أربعين سنة في السجن، ثم ظهرت معطيات ملموسة تؤكد براءته، بل إن بعض ضحايا الأحكام القضائية الجائرة في أمريكا ماتوا داخل السجون، وتمت تبرئتهم بعد موتهم بعقود..

والحقيقة أن القضاء يصيب ويخطئ، ويبقى الفرق الوحيد بين القضاء عندنا، والقضاء في العديد من بلدان العالم، أن قضاءنا لا يعترف أبدا بأخطائه، إذ لم نجد، منذ الاستقلال، أي محضر أو تقرير أو بيان صادر عن وزارة العدل الموريتانية، تعترف فيه، علنًا ورسمياً، بارتكاب القضاء لأخطاء قضائية، والاعتذار عنها، والتعويض لضحاياها المساكين، الفقراء في الغالب الأعم.

لا شك أن الخطأ عمل بشري، وأن البشر خطّاؤون بطبيعتهم.. وليس القضاء، إلا كالطب والكهرباء، يشهد، بدوره، وفي العديد من المرات، أخطاءً منها تجريم الأبرياء، كما أن منها تبرئة المجرمين.. وإن أكثر أخطاء قضائنا يكمن في تبرئة المجرمين لأسباب تتعلق بالوساطة، والرشوة، والمحسوبية، والقبلية، والجهوية، وتأثير رجالات الدين والدولة والسياسة، بالإضافة إلى ضعف وسائل التحقيق، والاعتماد على محاضر الشرطة المزيفة تارة، وتارة بسبب سوءٍ في الفهم أو غلطة في التقييم.. غير أن تبرئة المجرمين، وإن كانت جريمة شنيعة جدا، تظل دون تجريم الأبرياء، فهؤلاء يخسرون سمعتهم ووقتهم وطاقاتهم ومستقبلهم لا لشيء غير أن القاضي "نسي أن يشرب الشاي" قبل المحاكمة أو بعد مشادة مع "سيدته الأولى"، أو أن المفوض قريب -قبليا أو عرقيا- من القتيل، أو أن شخصا قدم شهادة زور لتصفية حساباته مع المتهم، أو بسبب ضعف حجج المحامين غير المهتمين، عادة، بملفات ذوي الدخل المحدود، أو لأن الرأي العام ضغط على السلطة التنفيذية، والسلطة التنفيذية ضغطت على الشرطة، والشرطة كانت مرغمة على "صناعة" ضحية "يحسن السكوت عليها"، لطمْأنة المواطنين، والقاضي متعود على "الفهم السليم" لتخوفات السلطة التنفيذية.. هكذا يخسر العشرات حريتهم في سوق من "النخاسة السلطوية والقضائية والبوليسية"، فيقبعون داخل زنزانات غير رحيمة إلى أجل غير مسمى.

لست أسعى إلى ترك المرحوم محمدو ولد برُّو دون حقوق، فهو شاب طيّب فقَدَ حياته ظلما، وكان من اللازم البحث عن قتلته وتقديمهم للمحاكمة ولو بعد عشرات السنين.. لكنني أتفهم الشاب إبراهيم ولد الأدهم، ليس لأنه بدا واثقا مما يقول، فحسب، بل لأن كلامه فتح جرحا غائرا نازفا في جسد الإجراءات القضائية الموريتانية منذ فجر الاستقلال. في هذا الصدد، لم أزل أتذكر مالك شاحنة صهريجية، يكاد يبكي، وهو يقول بأنه أخذ ابن أخته، وأسكنه معه منذ فترة، وأنه يوقظه فجر كل يوم، ويذهب معه في شاحنته لتعبئتها عند الحنفيات وبيع الماء في أطراف المدينة، وأنهما يعودان ليلا فينامان، متعبيْن، إلى فجر اليوم التالي، وهلمَّ جَرّا، وأنه يستحيل أن يكون شارك في عملية قتل تم تدبيرها في توجنين لأن المراهق كان معه في الوقت الذي وقعت فيه الحادثة، وأن الشرطة إنما اعتقلته واتهمته لأنه "صاحب سوابق"، وأن القضاء أدانه على فعلة لم يفعلها فقط "لأنه صاحب سوابق".

لم أكن أتصور، قبل هذه الشهادة التي تقطر دمْعًا وصدقا، أن عبارة "صاحب سوابق" يمكن أن تبرر، لوحدها، جرّ بريء إلى التحقيق "القاسي"، فالمحاكمة، ثم الإدانة الثقيلة.

لقد آنَ الأوانُ لقضائنا أن يفهم أن الاعتراف بالأخطاء القضائية أمر بالغ الأهمية، وأنه دليل على الشفافية والإنصاف، وأنه سيفتح عهدا جديدا من الثقة في هذه المؤسسة المهمة والحساسة، كما آنَ له أن يفهم أن بعض الجرائم يمكن تسجيلها ضد "مجهول" في انتظار حل شفرة قد يطول ويطول انتظارها. وآنَ لشرطتنا أن تفهم أنها ليست مرغمة، قانونيا، على "صناعة" المتّهمين، وليس عيبا أن تفشل في العثور على القتلة، وأن الشرطة في أكثر الدول تقدما، على المستوى اللوجستي، تفشل، تارات، في فك رموز بعض الجرائم، وتبقي التحقيقات مفتوحة لعقود، وآنَ لها أن تفهم، كذلك، أنها، بتجريم الأبرياء، تقضي على مستقبلهم، وتترك ذويهم يعيشون كابوسا لا يمكن تصور انعكاساته النفسية. 

وبالتالي، وانطلاقا مما تقدم، فإن على القضاء الموريتاني أن يأمر بإعادة التحقيق في مقتل المرحوم محمدو ولد برُّو، لعلّ وعسى. فإذا تأكد أن فحص الحمض النووي أثبت، حسب مختبر فرنسي، أن الدماء الموجودة على أداة الجريمة وعلى لباس المتهم، إبراهيم ولد الأدهم، لا تتطابق مع دماء الضحية، يكون التسريع بإعادة فتح التحقيق من جديد ضروريا لإحقاق الحق، وضروريا لإنصاف ضحايا الأخطاء القضائية والبوليسية.

وإنه لمن الأهمية بمكان، بغية تصالح الرأي العام مع شرطته وقضائه، أن يعاد التحقيق في ملفات كل السجناء الذين يدّعون أنهم راحوا ضحية أخطاء في الإجراءات أو الأحكام، فـ"الحرية هي الحياة" كما أنْشَدَ فيكتور هيغو، وبالتالي فمنعها، لسبب غير وجيه، ليس إلا نوعا آخر من القتل.