شيخنا عمر
شاعر موريتاني
ليس كل من غادر قلاع التكييف الباردة هاربا من وجه الحياة ولا كل من اختار لظى الرمال عاجزا عن حياكة الظل..
هنا رجال نفضوا عن أرواحهم حرير المكاتب وألقوا بأجسادهم في حضن الرمال العارية حيث لا سقف إلا هيبة السماء ولا مروحة سوى أنفاس ريح إيگيدي ولا موعد سوى ذلك البريق الشحيح المخبأ في سراديب الأرض منذ آلاف السنين..
جاؤوا يغوصون في جوف الصحراء لا بحثا عن وميض الذهب وحده بل عن معنى فريد للعيش وعن رزق طاهر يرتضع من ثدي الصخر وعن لذة عذبة لا يذوق طعمها إلا من صافح التحدي بيمينه واعتنق الأمل بيساره..
إنها متعة الحر..
ذلك اللهيب الذي يحسبه العابر عقوبة سماوية ويراه المنقب مرآة يومية تختبر صلابة الإرادة ويهتز لها الجليد،
وهي متعة "إريفي" حين تتبدل ملامح الصحراء فيتنفس الرمل شيئا من رحمته ويغدو الهواء ذاته بشارة رطبة تنساب في العروق نشوة لا تشبهها رفاهية الأرائك ولا راحة المبردات..
ثم إن للصحراء في هذا الميدان ميزانا آخر للمساواة فكما يذيب المسجد فوارق الغنى والفقر في صف متراص لا يعلو فيه مال على تقوى، وكما يجرع رمضان الجميع كأس الجوع والعطش بمرارة واحدة فإن للميدان محرابا من نوع آخر لا تحده الجدران..
هنا تتشابه الهيئة حتى يكاد الثوب الواحد يبتلع الفوارق.. مدير وعامل.. صاحب مال وأجير.. رجل ألف وثير المكاتب ورجل عصرته البادية.. كلهم يخرجون بوجوه أكلتها شمس القائض وثياب غطاها رهج الطريق وأيد صافحت خشن الحديد وصامت الصخر..
لا تفصل بينهم إلا مسافة العزائم حين تنطق الأرض..
في الميدان تتساقط الألقاب كأوراق الشجر اليابسة قبل أن تتساقط طبقات الغبار، فالأرض لا تسأل الطارق عن وسامه ولا تستجدي جيبه ولا تمنحه صكا تفضيليا لأنه اعتاد الوثيرة.. تجمعهم الوهاد والكدى وتؤاخي بينهم غلالات العروق ويقيسهم الصخر بمقياس لا يعرف المجاملة..
ومن ذاق غزارة الإنتاج ولامس بيده يسر الرزق تتبدل في عينه مقاييس الدنيا، فذاك المنقب الذي انتصر في معركته مع الصخر وكسب رهانها لم يعد يستهويه ذلك الفتات المتمثل في الرواتب المحدودة والأرباح البائسة التي يلهث وراءها الجميع، فقد اعتادت كفاه أن تغترف من ينبوع العطاء الوافر وتطبعت نفسه على سعة الغنى الذي لا يشبهه غنى..
وما أيسر أن يحكموا عليك من وراء زجاج بارد..
يراك مغطى بغبار المعركة فيقول هذا رجل هزمته الحياة، وهو لا يدري أنك ربما كنت أنجح منه في ترويض نفسك الأمارة بالكسل..
فأنت لم تصارع صخرة صلدة فحسب بل حاربت الخمول الذي يساومك والهوى الذي يدعوك إلى الدعة والخوف الذي يهمس في أذنك بالعودة..
تركت رتابة الأيام لتتخذ من الصحراء مختبرا لصهر الإرادة ومن كل قطرة عرق شهادة ومن كل ذرة تراب أفقا لا ينتهي..
قد تخسر في التنقيب معدنا وقد ترجع ويداك لا تحسنان سوى حمل الغبار لكنك تعود بغنائم لا تقاس بموازين السوق
أن تعرف أين تنتهي طاقة صبرك وأن تكتشف أن جسدك شجرة أصلب عودا مما ظننت وأن تترك تحت أطباق الثرى شيئا من أوهامك ودلالك..
فلن يكون النجاح دائما في أن تحصي ما تملك وأنت مستلق في الظل، أحيانا يكون النجاح الحقيقي هو أن تختار وعورة الدرب وأنت قادر على غيره..
ثم انظر إلى لطف الله الخفي في هذه الفلوات، فمهما اشتعل حر النهار وأرعب الوجود.. فإذا جن الليل تنفس الصبح عن برد وسلام، وأقبل المناخ يغسل تعب النهار برذاذ الراحة فترتد على الجفون سنة من النوم الصافي العذب.. تكفي الساعة منها وكأنك نمت دهرا كاملا، تستيقظ معها لنفحات قيام الليل وثبة أشوق ما تكون، أحرى بصلاة الفجر التي تضاء بها الوجوه..
ومن أعظم آيات اللطف هنا أن الأجسام تسترد عافيتها الفطرية وتبرأ من علل المدنية.. فكم ممن أدمنوا المهدئات والعقاقير في ظلال المدن، وجدوا في صفاء هذه البقعة شفاءهم المفقود.. يروي لي أحدهم بصدق اليقين كلما عدت إلى هذه الأرض رميت وراء ظهري كيسا من الأدوية كان يلازمني كظلي.. كأن رمال الصحراء تطهر الدم وتنسي الأجساد أوجاعها..
هؤلاء الذين تطردهم الصحراء وتستقبلهم كل يوم، ليسوا مجرد طامعين في تبر تائه بين عروق الحجارة.. إنهم أبناء امتحان عتيق..
من لم يخض غمار التنقيب لن يدرك أبدا أن أعظم كنز قد تعثر عليه في قاع الحفرة هو نفسك ذاتها حين تعود أشد بأسا وأقل جزعا وأصفى تصالحا مع الحياة..
فيا من تحكم بالغدفشل دوما على هؤلاء تمهل..
فربما كان الرجل الغارق في الرمل قد انتصر في حرب نفسية لم تطأها قدمك قط..
وربما كان النائم على حصير خشن في العراء أغنى منك بغنى لا تشتريه المصانع ولا تدركه الطرق المعبدة..
إنه لا يعيش الحياة من ثقب نافذة باهتة بل يشربها كما تنبض في عروق الأرض..
يغوص.. يصبر.. يفتش..
ثم يرفع بصره إلى السماء كأن كل صباح صحراوي وعد جديد بأن الرزق كامن لا محالة بين عناد الحجر واتساع الرجاء.
