..ورحلت كوليت خوري: ما مصير رسائلها مع نزار قباني؟
قالت مرة: "كان نزار قباني شاعر المرأة، أما أنا فكنت المرأة الوحيدة التي أحبّها". برحيل كوليت خوري، ما مصير الرسائل المتبادلة بينها وبين نزار قباني؟
انطفأت أمس الجمعة في دمشق كوليت خوري (1931- 2026)، بعد صراع طويل مع المرض، وبذلك فقدت الساحة الأدبية العربية كاتبة متمرّدة تركت وشماً عميقاً في الكتابة النسوية، خصوصاً بعد صدور روايتها الأولى "أيام معه" (1959)، الرواية التي خلخلت حينها المياه الراكدة للأعراف المحليّة بخروجها نحو فضاء مفتوح على بسالة التجربة وهتك المحرمات، فها هي امرأة تعيد الاعتبار لضمير المتكلّم، بنبش الصندوق الأسود لمشاعرها الداخلية وتقلباتها العاطفية بجرأة غير مسبوقة، فنحن إزاء قصة حب حقيقية تكشف عن علاقة الكاتبة بشاعر متمرّد هو نزار قباني، ما وضع الرواية في مقام آخر يشبه إنجيل عشق لجيل الستينيات، وإذا بها تثير عاصفة من حولها بسبب ما ينطوي عليه النصّ من جرأة في التعبير والمكاشفة.
ها نحن أخيراً إزاء كاتبة سورية تدير ظهرها للحارة الدمشقية المغلقة على أعرافها التقليدية. الأعراف التي وثقتها كتابات ألفة الأدلبي وسواها، لتخرج إلى فضاء شوارع دمشق الجديدة بمصابيحها المشعة، تختبر حياة أخرى عنوانها المغامرة والجسارة والافتتان برجل وسيم قبل أن يفترقا في نهاية المطاف.
بدت تلك الرواية كما لو أنها نسخة محليّة من رواية الروائية الفرنسية، فرانسواز ساغان، "مرحباً أيها الحزن"، لجهة تصدير المشاعر الأنثوية بلا قيود.
الرواية التي كانت أول نسمة حرية نسوية في الكتابة السورية، جوبهت بعنف على مستوى النقد، لكنّ نقاداً كباراً أنصفوها وفي مقدمتهم عباس محمود العقاد، وغالي شكري.
وستتجاوز هذه العتبة نحو مكاشفات أكثر شجاعة وتهوّراً بروايتها الثانية "ليلة واحدة" عن اعترافات امرأة تعجب برجل تعرفت عليه أثناء رحلة بالقطار، فتعلن أن تلك الليلة تساوي كل عمرها السابق.
لا تنكر كوليت خوري أنّها كانت على علاقة بشاعر المرأة، لكنّ الكتابة مسألة معقّدة، وتالياً هي مزيج من بطلاتها: (أنا ريم في" أيام معه"، ورشا في "ليلة واحدة"، وسهير في "ومرّ صيف"، وأسمى في "أيام مع الأيام"). بفشل قصة حبها مع صاحب "قالت لي السمراء" سافرت كوليت خوري إلى أميركا، وسافر الشاعر إلى الصين للعمل في السلك الدبلوماسي.
نشأت كوليت خوري في بيت وطني عريق وتعلّمت بين جدرانه المزدحمة برفوف الكتب، أنّ الكلمة مقدسة، وأنّ الحرف هو حليفها الأوّل في التعبير عن ذاتها.
الرسائل المتبادلة بينهما كانت وسيلتهما لاختزال المسافة وعذابات الفراق. رسائل الشاعر الراحل في تلك الفترة، تفصح عن "إنسان عاطفي ينضح بالحزن، سطوره معرّشة ببخور الكلام، ولم يكن يفهمه أحد سواي".
اعترف نزار قباني في أكثر من مناسبة، بأنّ كوليت خوري كانت بالنسبة إليه هي دمشق. أما كوليت، فتقول: "كان نزار شاعر المرأة. أما أنا، فكنت المرأة الوحيدة التي أحبّها". وحين نسألها عن مصير هذه الرسائل، وهل تفكر في نشرها قريباً؟ تجيب "في حوزتي 35 رسالة من نزار قباني، كما تمكنت من استعادة 13 رسالة من رسائلي إليه عن طريق ابنته هدباء. أما البقية، فلا أعرف مصيرها".
وتضيف: "لكن أين الناشر الذي يضمن حقوقي؟ أخشى أن يسرقني الناشرون بإعادة طبع الكتاب من دون علمي، مثلما يحصل في كتبي الأخرى".
ما مصير رسائلها المتبادلة مع نزار قباني؟
هل كانت كوليت خوري تخشى أن تثير هذه الرسائل ضجة بعد نشرها؟ تسارع إلى القول: "أبداً، لأنني سأنشر الرسائل مصوّرة كما هي إلى جانب النسخة المطبوعة. لن أزوّر الحقائق".
على الأرجح تراجعت صاحبة "طويلة قصصي القصيرة" عن نشر هذه الرسائل بعد أن انخرطت في الحياة السياسية السورية، وتالياً، لا يليق بمستشارة رئاسية أن تميط اللثام عن صورتها كعاشقة، ولا نظن بعد رحيلها من سيميط اللثام عن هذه الرسائل الملتهبة، خصوصاً بعد اعترافها المتأخر بقولها "لست مع وجود أدب مكشوف، ولست ضده، أنا مع الادب الذي يشبهني".
لا أحب الصراخ بحنجرتي، فصرخت بأصابعي
نشأت كوليت خوري في بيت وطني عريق وتعلّمت بين جدرانه المزدحمة برفوف الكتب، أنّ الكلمة مقدسة، وأنّ الحرف هو حليفها الأوّل في التعبير عن ذاتها.
الصبية العشرينية التي درست الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، واطّلعت على بلاغة اللغة العربية في القرآن، نشرت ديوانها الأول "عشرون عاماً" بالفرنسية.
رواية "أيام معه" كانت أول نسمة حرية نسوية في الكتابة السورية، جوبهت بعنف على مستوى النقد، لكنّ نقاداً كباراً أنصفوها.
آنذاك نبّهها جدها فارس الخوري، أحد رجالات الاستقلال، أنّ الكتابة ستوقعها في ورطة ومشكلات لا تحصى، وقال لها إنّ الإشاعات ستطاردها، وسيحاول الآخرون تحطيمها. لكنها اتخذت قرارها "لا أحب الصراخ بحنجرتي، فصرخت بأصابعي وأصبحت كاتبة".
في سماء فترة الستينيات كانت كوليت خوري الغيمة الماطرة في الأرض القاحلة، إذ كتبت مدينة دمشق بحبرٍ آخر، وتفتحت مثل بذرة هجينة في معنى الأنوثة. تقول: "أرفض المساومة على أنوثتي، وأرغب أن أكون في الحب حرّة كالرجل تماماً".
تلاشي الصرخة الأولى
هكذا راكمت خوري نحو 30 عنواناً في الرواية والقصة والشعر والمقالات الوجدانية والوطنية، مثل "صفحات من الذاكرة"، و"ستلمس أصابعي الشمس"، و"دعوة إلى القنيطرة"، و"دمشق بيتي الكبير"، ثم تفرّغت لاحقاً لجمع أوراق جدّها في 3 مجلدات بعنوان "من أوراق فارس الخوري"، وهي وثائق مهمة تضئ جوانب من الحياة السياسية السورية في خمسينيات القرن المنصرم.
هذا النهم في الكتابة أتى من موقع النجاة والخوف من العزلة. تقول خوري إن: "الحياة لا تعاش مرتين، والكتابة تجربة عيش أولاً وأخيراً. أنا أخاف شبح الموت فأتحداه بحروفي. أتوهّم أنّ الكتابة ستطيل حياتي، وإذا انقطعت عنها، فهذا يعني نهايتي".
تقول كوليت خوري: كان نزار قباني شاعر المرأة، أما أنا فكنت المرأة الوحيدة التي أحبّها.
الآن، تبدو المسافة طويلة بين الرعشة الأولى المحمّلة بالرفض والاحتجاج، وما آلت إليه نصوص كوليت خوري الأخيرة، كأن الصرخة تلاشت باكراً بالذهاب إلى الأماكن الآمنة، فلا قنابل موقوتة أو حقول ألغام في الأرض المحروثة جيداً.
حسبها أنها مهّدت وعورة الطريق أمام الأجيال اللاحقة، ربما علينا أن نتذكّر هنا إسهام مواطنتها غادة السمان في الكتابة الطليعية. إذ سلكت الطريق نفسه في مواجهة الصمت والعمل بدأب على تحطيم قضبان القفص.


