د. محمدّ أحظانا
لقد كنت على يقين دائم في كل تحليلاتي الاستشرافية التي اطلعتم عليها، قبل وقوع الحرب وبعد نشوئها: أنها شتفشل في تحقيق جميع أهدافها. وقد كان. فالأهداف إن كان منكم من لا يذكر، هي:
1- تغيير النظام. ولم يتغير؛ بل توطد، دعما جماهيريا وتماسكا في السلطات.
2- مصادرة المواد النووية الإيرانية المخصبة. ولم ينل المعتدون اغراما واحدا منها رغم المحاولات الآميركية الهوليودية الفاشلة قبل ليلتين في أصفهان.
3- قطع أذرع المقاومة المدعومة من إيران في المنطقة. وهاهي تلك الأذرع تضرب بقوة رأس اترا/هو حيثما رفعه.
4- القضاء النهائي على البرنامج الصاروخي الإيراني. ولا تزال الصواريخ الإيرانية المدهشة تصول و تجول في سماء تل آبيب إلى هذه اللحظة، يرعب صهيلُها الأسدَ الإسر..ائيلي الجريح ليصبح زئيره أنينا، وتُجهز رؤوسها السليطة على "سورة الغضب" الآميركية المقهورة.
فما الهزيمة إن لم تكن هزيمة الأهداف؟
- هل انتهت الحرب فعلا؟
- نعم أرى أنها انتهت ولن تعود قريبا. حتى ولو طالت المفاوضات والمراوغات بين الأطراف.
فماذا حققت الحرب غير التدمير في المنطقة، حتى نعرف من انتصر؟ ومن انهزم؟
أولا: بالنسبة لآميركا:
1- حققت آميركا فتح مضيق هرمز. وكان مفتوحا قبل الحرب، مما يعني الاستغناء عن الحرب أصلا.
2- خسرت ثقتها في الحماية لدى دول الخليج العربي.
3- خسرت سمعتها الحربية وسمعة سلاحها عالميا.
4- خسر رئيسها رأيه العام، وعاد إليه بالاحتقار.
5- خسرت الحكومة الآميركية أموالا هائلة، وانهارت سمعتها باعتبارها ملاذا عالميا آمنا لثروات العالم.
6- ذابت هيبة أساطيلها البحرية في مياه الخليج المالحة، ونسف عصْف الصواريخ والمسيرات الإيرانية سيادتها البرية ومس الجوية في الشرق الأوسط.
7- خسر اترامب الثقة العالمية في رؤيته وشفى صدور أعدائه، الوتورين من غطرسته..
8- خسر -حسب رأيي- مستقبل أغلبيته التي يحكم بها. ولو كنت ناطقا بلغة تقليدية لقلت إن: "مادورو أعثره". بهذه الهزيمة المنكرة في كل شيء. حتى لم يبق له غير استخدام القنابل الذرية، التي هي نهاية عالم لو تمت.
9- خسر سوْرة الإحساس العارم بسمعة القوة الأولى عالميا.
10- خسر اترامب نسيج سيطرته على العراق فنشأت ضده حرب تحرير جديدة في العراق. وخسر حربه البحرية مع الحوثيين..
11- ربح الهزيمة المنكرة والعجز، أمام دولة من دول العالم الثالث، و أضاف جرأة الآخرين عليه لو همّ بالاعتداء عليهم مستقبلا: أعداء وأصدقاء.. سيان.
12- خسر أوربا الغربية حتى تحدته جهارا. وخسر مجلس السلم الترامبي وراء ذلك.
ثانيا: بالنسبة لإس..رائيل:
1- حقق النتن.. ياهو رؤيته و تماهيه الفكري والروحي والإجرامي مع اترامب، بتطويعه له والتحكم فيه، حتى انضمت إليه آمريكا وتورطت مباشرة وعلانية في حرب مشتركة مع أس..رائيل لأول مرة في تاريخها.
2- ربح النتن.. القضاءَ على زعماء خصومه التقليديين بالاغتيال، وسمعة المهارة في ذلك باعتباره وكالة مافيا أوعصابة ماهرة، لا دولة.
3- خسر ثقة آميركا ونخبها الحاكمة، وربح كراهية شعبها.
4- خسر النتن.. سوْرة احتكار صفة القوة الإقليمية الأولى، إذ أعيته دولة من العالم الثالث هي ودولة عظمى تحارب معه.
5- خسر هيبة إس..رائيل في محيطها البشري، و خسر ثقة رأيه العام الذي جلب له الدمار والخوف، وعجز عن حمايته حربيا بجميع قببه المعدنية.
6- خسر افتتان اترامب ومساعديه بسداد رأية وجودة تحليله، و الذين تحولا إلى شؤم ماحق عليهم وعليه ك "آدرصْ لعجيله" الذي قتلها وقتل غسالتها.
7- خسر النتن.. سمعة تدمير حزب الله، وأمل تطويع مقاومة لبنان وفلسطين، رغم كل التدمير والإبادة. وربح الهزيمة المنكرة.
8- خسر رأس ماله من التطبيع عند بوحه بمشاريعه التوسعية ضد جيرانه في نشوة طمع زائد.
ثالثا: بالنسبة لإيران:
1- خسرت إيران زعاماتها التاريخية وصفها الأمامي في السلطة.
2- خسرت الكثير من منشآتها الحيوية وأسلحتها ومواطنيها.
3- خسرت صداقة أغلب الأنظمة العربية وجزءا من الرأي العام.
4- ربحت إيران الانتصار وهزيمة العدو، وكيل الصاع صاعين له بشجاعة وجرأة لم يتوقعها أحد.
5- ربحت استراتيجيا، شريكا موثوقا أمام الصين وروسيا ودول أخرى ناهضة.
6- ربحت وسام استحقاق الشجاعة والتحدي دوليا.
7- ربحت خروجها من الحرب قوة إقليمية من الدرجة الأولى في الشرق الأوسط.
8- ربحت نشوة الانتصار على إرادة عدوها.
9- ربحت إيران كذلك: تحقيق وحدة الساحات المقاوِمة.
10- ربحت رأيا عاما عريضا عالميا وعربيا وإسلاميا، خاصة بين السنة.. قد يتحول مستقبلا إلى مد سياسي معتبر، بخلق نموذج القدوة.
11- ربحت صداقة قسرية مع الغرب لأنها أخافته وآلمته، وهو لا يحترم إلا من أراه النجوم هاجرة الزوال.
12- ربحت إيران إعجاب اترامب الذي لا يعجبه إلا الأقوياء حتى ولو كانوا أعداءه؛ ولا يحتقر إلا الأقوياء حتى ولو كانوا أصدقاءه.
رابعا: بالنسبة للدول العربية:
1- ربحت أن الحرب الجنونية توقفت عنها.
2- ربحت قناعة: أن دفاعها عن نفسها ممكن، وأفضل ألف مرة من دفاع القواعد الأميركية عنها.
3- اليأس من حماية آميركا التي كانت تدافع عن إس..رائيل بما ملكت يمينها ولم تدافع عن العرب أبدا.
4- خسر العرب أموالا طائلة لو كانوا قد صرفوها أصلا على تنشئة جيوش جرارة قوية لما تجرأ عليهم أحد.
5- خسر العرب بنيات تحتية هامة لا لشيء إلا لأن القواعد الآميركية منتشرة في أرضهم.
6- ربحوا خلاصة مفادها ضرورة التعايش السلمي مع جيرانهم من المسلمين والعرب لأنه أمر حتمي.
7- ربحوا استنتاجا مفاده أن إس..رائيل لم تستطع أن تحمي نفسها فكيف يخافونها.
8- أن الشرق الأوسط ضروري ضرورة وجودية للعالم كله.. بدليل الآثر المدمر لقطعه عن العالم.
هذا بالنسبة للنتائج المباشرة للحرب الجنونية. أما بعد المفاوضات فسنرى.
خلاصتان:
الأولى: أن إيران انتصرت على آميركا وإس..رائيل رغم فداحة الخسائر المادية والبشرية. و بالتالي فهما مهزومتان شر هزيمة مهما كانت ادعاءاتهما، إن استقرت النتائج على ما هي عليه الآن. ولا أراها إلا مستقرة عليه.
الخلاصة الثانية:
تتعلق بكاتب هذه السطور، وهي أنه يهنئ نفسه نيابة عنكم سادتي القراء، على مطابقة أغلب توقعاته واستنتاجاته لنتائج ومسارات هذه الحرب القاسية على نحو استباقي أحيانا. وعليه فإنه قرر أن يفتح مركزا للدراسات الاستشرافية الاستراتيجية
إن شاء الله، بعد أن أوفى بعهده لكم حول مواكبة هذه الحرب الجنونية حتى تنتهي.
د. محمد ولد أحظانا
