لافتة تشير إلى وجود حقل ألغام في منطقة عسكرية، بينما تحلق مروحية تابعة لبعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) (أ ف ب)
لندن ـ “القدس العربي”: أكد موقع وكالة “بلومبيرغ” في تقرير له أن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) دخلت في فراغ قانوني وسياسي غير مسبوق بعد أن كان من “المفترض أن تنتهي ولايتها الرسمية اليوم 31 أكتوبر 2026” دون التوصل إلى اتفاق بشأن تمديدها، وهو سيناريو يحدث لأول مرة منذ تأسيس البعثة قبل أكثر من ثلاثة عقود. وقد جاء هذا المأزق نتيجة صدام دبلوماسي مباشر بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن الدولي بشأن صيغة القرار ومستقبل النزاع في المنطقة.
بدأت الأزمة عندما قدمت الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها الدولة حاملة القلم لمشاريع القرارات المتعلقة بالصحراء الغربية، مشروع قرار يهدف إلى تمديد ولاية البعثة، مع تجديد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقدمها المغرب تحت سيادته كحل جاد وذي مصداقية. غير أن هذا المشروع اصطدم بمعارضة روسية شديدة أفضت إلى استخدام موسكو لحق النقض (الفيتو) ضده، معتبرة أن الصياغة لم تكن متوازنة.
تكلفة البعثة، التي تضم 155 فردا عسكريا ومكلفة بتنظيم استفتاء في إطار وقف لإطلاق النار من المقرر أن تبلغ 62 مليون دولار في السنة المالية التي بدأت في يونيو من العام الجاري.
وقالت روسيا إن مشروع القرار الأمريكي تمادى في تأييد موقف المغرب من الإقليم المتنازع عليه. وقال مبعوث روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا “نشدد على حقيقة أن مجلس الأمن لا يمكنه أن يحسم تلقائيا مسائل تتعلق بالسيادة”.
وأضاف “يجب ألا يمنح مجلس الأمن مباركة لمثل هذا النهج أحادي الجانب، ولذلك اضطررنا إلى منع اعتماد مشروع القرار”.
ويشير تقرير للأمين العام للأمم المتحدة إلى أن تكلفة البعثة، التي تضم 155 فردا عسكريا ومكلفة بتنظيم استفتاء في إطار وقف لإطلاق النار توسطت فيه المنظمة، من المقرر أن تبلغ 62 مليون دولار في السنة المالية التي بدأت في يونيو/ حزيران من العام الجاري.
وقالت منظمة “أوكسفام” ردا على التصويت إن “فقدان مينورسو لوظائفها في المراقبة وخفض التصعيد يهدد بتقويض الأمن والاستقرار، مع عواقب خطيرة على المدنيين وآفاق التوصل إلى حل سلمي”.
وفي حين يعيش معظم الصحراويين في الصحراء الغربية الخاضعة لحكم المغرب، تشير تقديرات إلى أن نحو 165 ألفا منهم يقيمون في مخيمات للاجئين تديرها البوليساريو في الجزائر.
المشروع الأمريكي
وكان مشروع القرار الأمريكي يدعو إلى إجراء إحصاء للاجئين.
كان القرار من شأنه تمديد مهمة البعثة لعام آخر مع ترسيخ خطة المغرب للحكم الذاتي أساسا وحيدا للمحادثات الرامية إلى تسوية النزاع المستمر منذ نصف قرن، وتقليص مكونها العسكري.
ثم رفض المجلس قرارا روسيا منافسا يقترح تمديد البعثة لعام. وحصل مشروع القرار هذا على ثلاثة أصوات مؤيدة وصوت واحد معارض، مع امتناع 11 عضوا عن التصويت، مما حال دون نيله الأصوات التسعة المؤيدة اللازمة لتمريره.
وتهدد هذه المواجهة غير المعتادة مستقبل بعثة دأب المجلس على تجديد التفويض لها لعقود، وتوسع الخلاف بشأن الإقليم الذي يسيطر المغرب على معظمه، بينما تطالب به جبهة البوليساريو التي تسعى إلى إقامة دولة مستقلة.
ورحب الديوان الملكي المغربي بعدم تجديد مهمة البعثة، قائلا إنه ينبغي أن يغادر أفرادها ومعداتها الصحراء الغربية في الأيام المقبلة. وقال المغرب إنه لا يزال ملتزما بوقف إطلاق النار هناك.
ووجه سيدي محمد عمار ممثل جبهة البوليساريو الشكر لروسيا على استخدام حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، والذي قال إن من شأنه “أن ينسف أسس عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة” و”يهدد السلام الإقليمي والدولي”.
وجه ممثل “البوليساريو” الشكر لروسيا على استخدام حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي والذي قال إن من شأنه “أن ينسف أسس عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة” و”يهدد السلام الإقليمي والدولي”.
وما لم يتفق مجلس الأمن على تمديد المهمة بأي صيغة، سينتهي تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة باسم مينورسو، في 31 أكتوبر تشرين الأول.
وفي العام الماضي، وجه مجلس الأمن ضربة لطموحات جبهة البوليساريو عندما أيد مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس لتسوية النزاع، وطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تقديم مراجعة لمهمة بعثة حفظ السلام.
وكان مشروع القرار الأمريكي سيذهب إلى أبعد من ذلك بحذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم البعثة ليصبح بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (مينورسو).
وبعد التصويت، قال السفير الأمريكي مايكل والتس إن الاستفتاء لم يجر قط بسبب خلافات طويلة الأمد حول أهلية الناخبين.
وأضاف “مسؤولو الأمم المتحدة يخبروننا بهذه الحقيقة منذ 30 عاما”.
وتابع “للأسف، استخدم بعض أعضاء هذا المجلس حق النقض للإبقاء على الحرف آر (في إشارة إلى كلمة استفتاء بالإنجليزية) في اسم البعثة، رغم أن الأمم المتحدة لم تكن تستعد لإجراء مثل هذا التصويت على مدى عقود”.
وأيدت فرنسا وبريطانيا، البلدان دائما العضوية في مجلس الأمن، مشروع القرار الأمريكي وخطة الحكم الذاتي المغربية إلى جانب تسع دول غير دائمة العضوية.
المقترح الروسي… وتحذيرات
وفي المقابل، حاولت روسيا تمرير مشروع قرار بديل يوصي بتمديد تقني لولاية البعثة لمدة عام دون التطرق إلى الأطر السياسية المثيرة للجدل، إلا أن هذا المشروع فشل بدوره في جمع الأصوات المطلوبة، إذ لم يحصل سوى على 3 أصوات مؤيدة، بينما امتنعت 11 دولة عن التصويت.
وبحسب “بلومبيرغ” حذر مراقبون ودبلوماسيون من التداعيات الخطيرة لهذا الشلل، حيث إن غياب الغطاء القانوني لعمل بعثة “المينورسو” يهدد بانهيار آلية المراقبة الميدانية لوقف إطلاق النار، مما يزيد بشكل ملحوظ من احتمالية حدوث تصعيد عسكري وتوتر في المنطقة. كما أن هذا الوضع يعرض أفراد البعثة والمدنيين لمخاطر إدارية وأمنية جسيمة، في ظل عمل البعثة داخل منطقة النزاع دون ولاية رسمية سارية.
وفي ظل هذه المعطيات، تكثف الدبلوماسية الأممية جهودها خلف الأبواب المغلقة للتوصل إلى مخرج عاجل، متمثل في صياغة تمديد تقني مؤقت وقصير الأجل لمنح الأطراف وقتاً إضافياً للتفاوض على صيغة توافقية، وتفادي الإغلاق المفاجئ للبعثة والحفاظ على ما تبقى من استقرار في الإقليم.
الموقف المغربي
من جهته قال الديوان الملكي المغربي إن عدم تجديد مهمة البعثة يمثل “تطورا هاما وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة”.
وأضاف في بيان “عدم تمديد مهمة المينورسو يعني بوضوح أن تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة”.
الديوان الملكي المغربي: عدم تجديد مهمة البعثة يمثل “تطورا هاما وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء داخل أروقة الأمم المتحدة”.
وفي العيون، كبرى مدن الصحراء الغربية، زُينت الشوارع بالأعلام المغربية والأضواء استعدادا للاحتفال “بعيد الوحدة”، وهو عطلة أعلنتها الحكومة العام الماضي لإحياء ذكرى تصويت مجلس الأمن في 31 أكتوبر تشرين الأول قبل عام.
موقف البوليساريو
وفي المقابل نظمت جبهة البوليساريو يوم الأربعاء تجمعا في مخيم السمارة قرب مدينة تندوف في جنوب الجزائر.
وتجمع بضع مئات من الرجال والنساء، يلوحون بأعلام “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” التي أعلنتها البوليساريو من جانب واحد، قرب مقاتلين من البوليساريو يرتدون زيا عسكريا ويرفعون لافتات تحمل شعارات رافضة للخطة المغربية وتطالب بالحق في تقرير المصير.
