فاطمة وابنها وأبوها

فاطمة وابنها وأبوها

سيدي محمد

تزوجت الفتاة الأديبة فاطمة منت السالك ولد الإمام الحاجي، رحم الله الجميع، بابن عمها، سيد قومه، سيدي ولد محمد الراظي ولد لمرابط سيدي محمود، فارتحلت معه من مضارب أهلها في وادان بآدرار، إلى مضارب أهله في آفلة وأرگيبة بولاية لعصابه. 

وهناك، وإن أحاطها أهل زوجها بألوان الحفاوة والإكرام، وأغدقوا عليها من التبجيل وحسن الوفادة ما يطيب به المقام، ظل قلبها معلقًا بديار أهلها، لا تصرفه عن مرابع آدرار أنسُ الغربة، ولا تطفئ جذوة الحنين إليه كرامة المقام؛ فقد بقيت تلك الأرض تسكن وجدانها، بما تختزنه من مرابع الطفولة، ومدارج الصبا، وأعز ذكريات العمر.

وحين استفحل بها الشوق، وضاق صدرها بكتمان الحنين، فاضت قريحتها شعرًا، وأنشأت تقول:

بادبگانه وام امغيريف :: واكريسَل واحسي أقرقار

ألفاني  يالحي اللطيف :: هذو دلالي منهم طار

بدلهم لي بكحال إژيف :: والژرگه واگرارت لگطار

واشيشي واكدَ بالديزوك :: واگدَ ظهر افلَ من فوگ

يعمل تعكبهم شوفت ژوك :: واشغَل ؤمساگَ واطار

تسدار  با لوكر المحروگ :: فيّ لا عگبُ حر النار 

كانت السيدة فاطمة منت السالك ولد الإمام، أديبة شاعرة مشاركة في العلم صالحة عابدة، قيل إنه لم يجتمع في مجلسها أجانب قط، وكانت مجابة الدعوة، دعت لابنها  بناهي ولد سيد ولد محمد الراظي بأنه لا يراه رجل بداهة إلا هابه مهما كانت قوته وعظمته

.

وعُرف ابنها بناهي بالشجاعة وجميع خصال المجد والشرف، وكان شاعرا مثلها، قاوم الاستعمار الفرنسي، وشارك بقوة في معركة النيملان الشهيرة يوم 25 اكتوبر 1906، وذهب شمالا يبحث عن العتاد لتسليح المقاومة، فزار رفقة ابن أخته سيد المختار ولد محمد محمود، حضرة الشيخ ماء العينين في اسماره، فيما يعرف محليا بعام "اتسوحيلة".

ولما عاد من رحلة الشمال اعتقلته السلطات الفرنسية في تگانت يوم 15 يوليو عام 1907، ونفته إلى كوت ديفوار، وظل رهن الإقامة الجبرية في  مدينة "دابو" حتى استشهادة  سنة 1915.

تمامُ الحجِّ أن تقفَ المطايا :: على خرقاءَ واضعةِ اللثام

أما والد فاطمة فهو العلامة السالك بن الإمام بن محمد بن الحسن الحاجي الوداني، من قبيلة إدولحاج، وهم "أولاد إبراهيم بن الحاج".

ويعد العلامة السالك بن الإمام، أحد أعلام العلم والصلاح في وادان، وإمامها الذي لم ينازعه في الإمامة منازع، جمع بين الفقه والتصوف، واشتهر بسعة العلم وقوة الحافظة وشدة العناية بالمطالعة.

نشأ في بيت علم معروف، فأخذ عن أبيه الإمام بن محمد الحاجي، وعن غيره من علماء أسرته، شأن أبناء بيوتات العلم، حتى تهيأ له من العلوم ما جعله من أئمة عصره ومقدمي علماء وادان.

رحل السالك بن الإمام عن بلاده متوجهًا إلى الحج، صحبة أخيه أحمد سالم بن الإمام. وفي أثناء رحلته قدم إلى فاس، فلقي الشيخ أحمد التجاني، وأخذ عنه الطريقة التجانية مباشرة من غير واسطة، فكان بذلك واحدًا من أربعة من أعلام بلاد شنقيط ثبت أخذهم الطريقة عن الشيخ أحمد التجاني مشافهة وبلا واسطة.

ومن هؤلاء، إلى جانب السالك بن الإمام 

-الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن حبيب العلوي.

-والفقيه الطالب جدو بن الشيخ العلوي، قاضي شنقيط ومدرسها وأحد أعلامها الذين ثبت أخذهم عن الشيخ التجاني مباشرة.

-وأبو زيد سيدي عبد الرحمن الشنقيطي، نزيل فاس، الذي استقر بها ودرّس علوم المعقول والمنقول، ويذكر في المصادر أنه كان أول من أخذ عن الشيخ التجاني من أهل بلاد شنقيط، وقد توفي في حياة الشيخ التجاني سنة 1224هـ.

وقد عدّ الشيخ محمد المامي السالك وأخيه أحمد سالم في نونيته الوافرية، ممن يصلحون لإمامة البلاد، فقال:

وآل الحاج أنصار كرام :: إلى أبناء جفنة ينسبونا

وأحمد سالم منهم ومنهم :: أخوه سالك في السالكينا

وقال العلامة التجاني بن بابَ العلوي:

وكم إمام عالم علامهْ :: نقادة دراكة فهامهْ

من ورد شيخنا الإمام قد وردْ :: حتى تضلع وفاز بالمدد

كترجمان العلم والقرآن :: السالك العلامة الواداني

وكان السالك بن الإمام على صلة بعلماء الأمصار الذين لقيهم في رحلته، ومن أبرز من أخذ عنهم العلامة الشيخ محمد الأمير الكبير المالكي، شيخ المالكية بالديار المصرية، وكان يطلق عليه في فتاواه لفظ «شيخنا»، وقد زاره السالك وأخوه أحمد سالم سنة 1225هـ، عند رجوعهما من الحج.

وجرت بينهما مباحثات علمية، استدرك فيها السالك وأخوه على الشيخ محمد الأمير مسائل في حاشيته على شرح عبد الباقي للمختصر، وفي شرحه للمختصر المعروف بـ«الإكليل»، فسلّم لهما ما استدركاه عليه، وأجازهما إجازة عامة مطلقة، جاء فيها:

««أجزت الفاضل المذكور أحمد سالم وأخاه السالك بكل ما صح لي وعني إجازة مطلقة عامة بشروطها المعتبرة عند أهل هذا الفن، وأجزتهما أن يجيزا من طلب منهما ذلك».»

اشتهر السالك بن الإمام بتبحره في العلوم الشرعية، وبخاصة الفقه والتصوف والبيان، كما عُرف بقوة الحافظة وشدة التعلق بالمطالعة.

ومن أشهر مؤلفاته كتاب «قرة العين وإزالة الشك والرين»، وهو كتاب جمع فيه بين علوم الشريعة والحقيقة، فجعل أوله في التوحيد، ووسطه في الفقه، وآخره في التصوف، فجاء جامعًا لجوانب متعددة من المعرفة الدينية التي كان السالك بن الإمام مشتغلًا بها.

وقد شرح هذا الكتاب تلميذه وابن أخته محمد بن حمّ ختار شرحًا وافيًا سماه «قلائد اللجين على نحور ألفاظ قرة العين».

وله كذلك مجموعة من الأسئلة والأجوبة، ومنظومة في محرمات الجوارح، كما أن له كراسًا صغير الحجم عظيم الفائدة سماه «السعي المشكور للذنب المغفور»، ضمنه مسائل وفوائد في أعمال البر ومكفرات الذنوب.

ومن شواهد قوة حفظه وشدة عنايته بالمطالعة ما ذكره ابن حامد من أن أخاه أحمد سالم سأله عن مسألة، فقال السالك: «ليست في كتب وادان». فبحثوا عنها فلم يجدوها إلا في كتب تيشيت.

كان السالك بن الإمام من كبار شيوخ عصره، وأخذ عنه عدد من مشاهير العلماء، منهم محمد بن حمّ ختار، وأخوه بانمُّ، وابن عمه سيدي الأمين الواداني، وسيدي محمد المختار، وابن عمه سيدي أحمد الواداني، والمصطفى بن اطوير الجنة، إلى جانب أبنائه وغيرهم.

وتكشف مكانته العلمية عن طبيعة حضوره في الحياة العلمية بوادان وخارجها، فقد نقل الشيخ محمد المامي في كتابه «الجمان» أن السالك بن الإمام نقد نحو ثلاثمائة مسألة من تأليف العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في كتابه «فيض الفتاح على نور الأقاح»، وأن العلوي سلّم له ذلك النقد.

ومع ذلك، روى الشيخ محمد المامي عن بعض تلامذة السالك أنه «لا يدرس في البيان إلا بذلك التأليف»، إعجابًا بكتاب العلوي من بين كتب البيان الكثيرة الموجودة في وادان.

ويعد السالك بن الإمام واحدًا من أربعة من أعلام وادان الذين كان لهم أثر بارز في نقل العلم وتوطيد أصوله في بلاد شنقيط، وهم:

- العلامة محمد بن أبي بكر الحاجي الوداني، الذي يعد أول من شرح مختصر الشيخ خليل في هذه البلاد، في كتابه «موهوب الجليل في شرح مختصر خليل»، وكان حيًا في القرن العاشر الهجري.

- سيدي أحمد الفزاز بن محمد بن يعقوب الحاجي الوداني، الذي أدخل شرح الحطاب إلى وادان، وأخذه بسند متسلسل إلى الحطاب عن أحمد المسكة، والد الشيخ أحمدو بابَ التنبكتي.

- سيدي أحمد بولوتاد الحنشي التيشيتي، الذي أدخل مختصر خليل إلى تيشيت ودرّسه فيها، وقيل إنه لقي في طريقه إلى الحج العلامة الخرشي، شارح مختصر خليل، واستدرك عليه مسائل في شرحه.

وبذلك جاء السالك بن الإمام في سلسلة علمية طويلة أسهمت في وصل مدارس وادان العلمية بغيرها من مراكز العلم في بلاد المغرب والمشرق، وفي ترسيخ العلوم الفقهية والصوفية واللغوية في المحاظر الموريتانية.

زار السالك بن الإمام منطقة الگبلة سنة 1240هـ، والتقى خلالها بعلمائها وصلحائها، وكانت الزيارة في أيام الشمس المختار بن الشمس محمذن أغربظ الحاجي.

وحمل معه في تلك الرحلة نسخة من كتابه «قرة العين وإزالة الشك والرين»، وأهداها إلى الشمس المختار، فانتشر الكتاب في المنطقة، وتلقاه أهل العلم بالقبول، وأقبلوا على نسخه ودراسته.

وكان من أبرز من اعتنى به العلامة الرباني لمرابط محمذن فال بن متالي، غير أن نسخته تعرضت لتلف شديد، حتى غابت حقيقة أكثر نصها، فنظر فيها، وفتح الله عليه بجمع ما بقي منها وإضافة بعضه إلى بعض، وسماه «فتح الحق»، وقيل له أيضًا «فقه النفس»، وإن كان الاسم الذي جرى عليه عمل التلامذة هو «فتح الحق».

وقد تلقف التلامذة والأعيان هذه النسخة المختصرة، ولازمتها شهرة واسعة، حتى انتشرت في المحاظر، وقيل إنه لم يخل منها بيت في مناطق واسعة من الگبلة وتيرس، ومع مرور الزمن غلب تداول نسخة «فتح الحق» على تداول الأصل، حتى نُسي الكتاب الأصلي «قرة العين وإزالة الشك والرين» للسالك بن الإمام الوداني في بعض تلك الجهات.

توفي العلامة السالك بن الإمام سنة 1246هـ، الموافق 1830م، وقد ذكر سيدي عبد الله بن انبوجه العلوي في كتابه «فتح الرب الغفور في تواريخ الدهور»، في حوادث سنة 1246هـ:

««وفيه توفي السالك بن الإمام، حين قدم من عند أحياء عثمان سقط من ظهر بعير تحت القصر، فبنيت له خيمة ثم توفي عن قريب».»

ودُفن في المقبرة القديمة بمدينة وادان، فكان رحيله خاتمة حياة حافلة بالعلم والتعليم والرحلة والعبادة، ترك خلالها أثرًا ظاهرًا في مدرسة وادان العلمية، وفي عدد من علماء شنقيط ومحاظرها.

وقد رثاه العلامة الشيخ أحمد بن محمد الحاجي بقوله:

ألا إن داء الموت لا بد طارق :: وكل امرئ ما عاش يومًا مفارق

وهكذا بقي السالك بن الإمام الحاجي الوداني في ذاكرة المدرسة العلمية الشنقيطية بوصفه عالمًا وادانيًا بارزًا، جمع بين الفقه والتصوف، ورحل في طلب العلم، وأخذ عن أعلام عصره، وأخذ عنه علماء كثر، وخلّف مؤلفات كان لها أثر في الحياة العلمية والمحظرية، ولا سيما كتابه «قرة العين وإزالة الشك والرين»، الذي تجاوز أثره حدود وادان إلى مناطق واسعة من بلاد شنقيط.

كامل الود