نظم بيت الشعر في الشارقة أمسية شعرية يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، شارك فيها كل من الشعراء الدكتور عبد الرزاق الدرباس من سوريا ولينا فيصل المفلح من سوريا والدكتور مازن صلاح الدين من السودان، بحضور الشاعر محمد عبد الله البريكي مدير البيت، إضافة إلى جمهور واسع من النقاد والشعراء ومحبي القصيدة.
قدم الأمسية الأستاذ مؤمن النحاس، الذي رحب بالحضور ورفع أسمى آيات الشكر والعرفان إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، وإلى دائرة الثقافة وبيت الشعر، ومما جاء في تقديمه:
" مِنْ هُنَا، مِنْ إِمَارَةِ الشَّارِقَةِ، عَاصِمَةِ الجَمَالِ وَالفِكْرِ وَالإِبْدَاعِ، وَقِبْلَةِ الأُدَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ مِنْ كُلِّ أَنْحَاءِ العَالَمِ، وَمِنْ بَيْتِ الشِّعْرِ بِالشَّارِقَةِ، هَذَا الصَّرْحِ الَّذِي جَعَلَ لِلْكَلِمَةِ مَكَانًا، وَلِلشِّعْرِ حُضُورًا، وَلِلْمُبْدِعِينَ مِنْبَرًا، نَلْتَقِي اليَوْمَ فِي أُمْسِيَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ عُنْوَانُهَا الإِبْدَاعُ، وَرَفِيقُهَا الشِّعْرُ، وَجَمَالُهَا حُضُورُكُمْ."
استهل القراءات الشاعر الدكتور عبد الرزاق الدرباس، حيث قدم مجموعة من القصائد المفعمة بالحنين والشوق إلى الوطن والموشاة بلغة جزلة وإيقاع عذب، يقول في قصيدة بعنوان "مبتدأ مؤخر":
أَجيئُـكِ اليَـومَ مثلَ الخَيـلِ ضابِحَـــةً
ما قَصدُها في المَسيرِ المَاءُ وَالكَلأُ
فَالكاتِبـون سُــطـورَ العَــدلِ ما كَـتَبـــوا
والقـــارِئــونَ حَـكـايــا الحُــبِّ مــا قَــرؤوا
وَالنّاصِبـون خِيـامـاً فـي عُـروقِ دَمي
مــا فَـــلَّ عَـــزمَـهُـــــمُ بُـعْـــدٌ وَمَـا هَـــــــدؤوا
على الصَّحيحَينِ حُـبّـــي لا شكوكَ بــــهِ
فَـتَـضحِـياتُ الــهـوى ما شــابَهـا الخَـطَــأُ
وفي قصيدة ثانية بعنوان "بارد هذا الخريف" يمتزج مع الطبيعة ناهلا منها رموزه وصوره في مناجاته مع الشام، إذ يقول:
مِن فراغِ الرُّوحِ تأتيني فَراشاتُ المَـدى..
وَيُغنّي (الوَروَرُ) الأزرقُ للمِسطاحِ ألحانَ الغَجَـرْ.
هكذا ننسجُ ضِـدَّ البَردِ كَنزة..
ومن الشّامِ نعلّي غُصنَ أرزة..
في انكساراتِ النَّـظَـرْ.
ليسَ لي في بئرِ أسرارِكِ دَلْــوٌ..
أو حِبالٌ للنَّـجـاةْ..
فأنا في ظامئِ الكُثبانِ واحاتُ نخيلٍ..
وَمصَبّاتُ نَهَـرْ.
تلته الشاعرة لينا فيصل المفلح التي امتاز أسلوبها بلغة انسيابية وإيقاع ملائم لما قدمته من وجدانيات تترجم المشاعر التي تموج في ذاتها، تقول في قصيدة بعنوان "تاج بلا جسد":
خلعتُ عن آخرِ الأسفارِ عزلتَها
وصرختي اليومَ يا أشواقي اندفعي
لا صوتَ يكسرُ في معناي أغنيةً
كسرتُ كلّ قيودٍ آلفَت وجعي
وبايعتْني رؤى الأنواءِ مذعنةً
حتى رميتُ بكفّي آخرَ الوَدعِ
لن أغضبَ الآن والمعنى يؤوّلني
من أوّلِ الصمت حتى آخرِ السمَعِ
وفي قصيدة ثانية بعنوان "الساعة الرابعة" تصور لنا مشهدا سينمائيا للقاء متخيل في المقهى مع نهر دجلة، لتبث مشاعرها من خلاله، حيث تقول:
عبثية لغتي تغير شكلها
لكن إذا نطقت تقول وتفعل
لم نقترب فالأغنيات ببالنا
لمح من المعنى وباب مقفل
كانت مسافة شوقنا أزلية
والليل آخره الظلام المسدل
وأمام مقهانا القديم تناوشت
أحزاننا وبنا الأسى متأصل
اختتم القراءات الشاعر الدكتور مازن صلاح الدين، وقدم باقة من القصائد المليئة بالمجاز الشفيف والتأمل العميق، استقت موضوعاتها من الذات والواقع عبر لغة يطرزها الخيال الخصب، يقول في إحداها:
جاءت لتُبصرَ طيراً شقّ لوحتهُ
وصارَ نقشاً على الأيّامِ قد طُبِعَا
إذ يرتدي الجمرَ أثواباً مُطرَّزةً
يظنَّ ظنَّ الورى أنَّ اللهيبَ وعى
يُبعثرُ الريشَ حتى لا يُقيِّدَهُ
فلا يرى غيرَ رسمٍ للمدى اتَّسَعَا
كأنَّهُ كلَّما أودى الزمانُ بهِ
أعادَ من موتهِ المعنى الذي جمعا
وفي قصيدة ثانية يقدم لنا وصفا لمؤنثة غائبة وهي في أقصى حالات الشك والحذر في إحالة إلى النفس حين يساورها القلق والتردد، يقول فيها:
تمشي، كأنَّ خُطاها فوقَ هاويةٍ
وكلُّ ما حولها قد زادَها رِيَبَا
تُؤوِّلُ الضوءَ، حتى الضوءُ يُرهقُهُ
أن يُثبتَ الأمرَ أو ينفي الذي ارتقبا
تخافُ من وضحِ الأشياءِ أجمعِها
كأنَّ في النور أفخاخاً لمن وثبا
وترتدي من ظنونِ الأرضِ أجنحةً
فلا تُحَلِّقُ، لا، بل تُثقِلُ السُّحُبا
في الختام كرّم الشاعر محمد البريكي الشعراء المشاركين ومقدم الأمسية.
