اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فِي مُورِيتَانِيَا: لِسَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي يَجْمَعُ الْقُلُوبَ وَيُوَحِّدُ الْهُوِيَّةَ

اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فِي مُورِيتَانِيَا: لِسَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي يَجْمَعُ الْقُلُوبَ وَيُوَحِّدُ الْهُوِيَّةَ

 

تَتَبَوَّأُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فِي الْجُمْهُورِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُورِيتَانِيَّةِ مَكَانَةً سَامِيَةً تَتَجَاوَزُ أَبْعَادَ السِّيَاسَةِ وَالْجُغْرَافِيَا؛ فَهِيَ لَيْسَتْ لِسَانَ مُكَوِّنٍ اجْتِمَاعِيٍّ دُونَ آخَرَ، بَلْ تُمَثِّلُ رَافِدًا أَسَاسِيًّا مِنْ رَوَافِدِ الْهُوِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَيَنْبَعُ مَكَانُهَا الْمَرْمُوقُ مِنَ ارْتِبَاطِهَا بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ رَصِيدٍ دِينِيٍّ وَثَقَافِيٍّ وَحَضَارِيٍّ أَسْهَمَ فِي تَشْكِيلِ وِجْدَانِ الْمُجْتَمَعِ الْمُورِيتَانِيِّ، وَتَعْزِيزِ رَوَابِطِهِ التَّارِيخِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

لُغَةُ الْوَحْيِ.. قَاسِمٌ مُشْتَرَكٌ

يَحْظَى الْإِسْلَامُ بِمَكَانَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ فِي حَيَاةِ الْمُورِيتَانِيِّينَ، وَبِمَا أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَقَدْ أَصْبَحَتِ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ لُغَةَ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ لَدَى الْمُسْلِمِينَ، وَجُزْءًا أَصِيلًا مِنَ التُّرَاثِ الدِّينِيِّ وَالثَّقَافِيِّ لِلْبِلَادِ. وَيُشَكِّلُ هَذَا الِارْتِبَاطُ الرُّوحِيُّ أَحَدَ الْعَوَامِلِ الَّتِي تُعَزِّزُ حُضُورَ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَجَالِ الْعَامِّ، وَتَدْعُو إِلَى جَعْلِهَا جِسْرًا لِلتَّوَاصُلِ وَالتَّفَاهُمِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ مُكَوِّنَاتِ الْمُجْتَمَعِ، مَعَ احْتِرَامِ التَّنَوُّعِ اللُّغَوِيِّ وَالثَّقَافِيِّ الَّذِي يُثْرِي الْهُوِيَّةَ الْوَطَنِيَّةَ.

وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى لُغَةَ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.

الْمَحْظَرَةُ.. مَصْنَعُ الْوَحْدَةِ وَمَدْرَسَةُ الْعِلْمِ

تُمَثِّلُ الْمَحْظَرَةُ الْمُورِيتَانِيَّةُ أَحَدَ أَبْرَزِ مَعَالِمِ التُّرَاثِ الْعِلْمِيِّ وَالثَّقَافِيِّ فِي الْبِلَادِ؛ فَقَدْ أَدَّتْ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَسْهَمَتْ فِي نَقْلِ الْمَعْرِفَةِ عَبْرَ الْأَجْيَالِ.

وَفِي هَذِهِ الْمَحَاظِرِ، تَلَاقَى طُلَّابُ الْعِلْمِ مِنْ بِيئَاتٍ وَمُجْتَمَعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَهُمُ الطَّلَبُ وَالْحِفْظُ وَالْمُذَاكَرَةُ، وَتَعَلَّمُوا مِنْ مَصْدَرٍ عِلْمِيٍّ وَاحِدٍ. وَهَكَذَا أَسْهَمَتِ الْمَحْظَرَةُ فِي تَعْزِيزِ التَّوَاصُلِ الثَّقَافِيِّ، وَتَرْسِيخِ قِيمِ التَّعَاوُنِ وَتَبَادُلِ الْمَعْرِفَةِ، وَجَعْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَسِيلَةً لِلتَّعَلُّمِ وَالْحِوَارِ وَالتَّقَارُبِ.

اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ وَالِانْسِجَامُ الْوَطَنِيُّ

فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، تَتَأَكَّدُ أَهَمِّيَّةُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي التَّعْلِيمِ وَالْإِدَارَةِ وَالْحَيَاةِ الْعَامَّةِ، بِاعْتِبَارِهَا لُغَةً رَسْمِيَّةً لِلْبِلَادِ وَأَحَدَ عَنَاصِرِ هُوِيَّتِهَا الْوَطَنِيَّةِ. وَإِنَّ تَعْزِيزَ مَكَانَتِهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّهُ انْتِقَاصٌ مِنْ قِيمَةِ الْوَطَنِيَّةِ الْأُخْرَى، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَسِيرَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِهَا، وَالْعِنَايَةِ بِتَعْلِيمِهَا وَتَطْوِيرِهَا، بِمَا يُحَقِّقُ الْعَدَالَةَ اللُّغَوِيَّةَ وَيُعَزِّزُ الِانْدِمَاجَ الْوَطَنِيَّ.

فَالْوَحْدَةُ الْوَطَنِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى إِلْغَاءِ التَّنَوُّعِ، وَإِنَّمَا عَلَى إِدَارَتِهِ بِحِكْمَةٍ، وَتَحْوِيلِهِ إِلَى مَصْدَرِ ثَرَاءٍ وَتَكَامُلٍ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَجَلَّى الْحَاجَةُ إِلَى سِيَاسَاتٍ لُغَوِيَّةٍ وَتَعْلِيمِيَّةٍ مُتَوَازِنَةٍ تَضْمَنُ تَمَكُّنَ الْمُوَاطِنِينَ مِنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَحْفَظُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ حَقَّ الْمُجْتَمَعَاتِ فِي صَوْنِ لُغَاتِهَا وَثَقَافَاتِهَا.

وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى حِكْمَةِ التَّنَوُّعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾.

خَاتِمَةٌ

سَتَظَلُّ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ رَكِيزَةً أَسَاسِيَّةً مِنْ رَكَائِزِ الْهُوِيَّةِ الْمُورِيتَانِيَّةِ، وَجُزْءًا أَصِيلًا مِنْ تَارِيخِ الْبِلَادِ وَتُرَاثِهَا الدِّينِيِّ وَالْعِلْمِيِّ. وَإِنَّ صَوْنَ مَكَانَتِهَا وَتَعْزِيزَ حُضُورِهَا يَتَكَامَلَانِ مَعَ احْتِرَامِ سَائِرِ اللُّغَاتِ الْوَطَنِيَّةِ، وَتَرْسِيخِ مَبْدَإِ الْمُوَاطَنَةِ الْجَامِعَةِ، بِمَا يَجْعَلُ التَّنَوُّعَ مَصْدَرَ قُوَّةٍ، وَالِاخْتِلَافَ سَبِيلًا إِلَى التَّعَارُفِ وَالتَّكَامُلِ.

وَمِنْ هُنَا، تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الْعَمَلِ عَلَى تَطْبِيقِ الْمَادَّةِ السَّادِسَةِ مِنَ الدُّسْتُورِ الْمُورِيتَانِيِّ، الَّتِي تُقَرِّرُ أَنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ هِيَ اللُّغَةُ الرَّسْمِيَّةُ، وَذَلِكَ فِي إِطَارِ احْتِرَامِ الدُّسْتُورِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ، وَبِمَا يَخْدِمُ الْوَحْدَةَ الْوَطَنِيَّةَ وَيَصُونُ تَعَدُّدَ الْهُوِيَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ فِي الْبِلَادِ.

مَعًا لِتَفْعِيلِ الْمَادَّةِ السَّادِسَةِ مِنَ الدُّسْتُورِ، وَتَعْزِيزِ مَكَانَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَرْسِيخِ الْوَحْدَةِ الْوَطَنِيَّةِ فِي ظِلِّ التَّنَوُّعِ وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادل .

الدكتور : محمد كوريرا .