مرحى.. عدتُ من شنقيط بزوجةٍ وأَمَةٍ وعبدٍ رقيق!

مرحى.. عدتُ من شنقيط بزوجةٍ وأَمَةٍ وعبدٍ رقيق!

 عبدالعزيز قاسم

‏إعلامي وكاتب سعودي

 

 

‏1= وصايا على الطريق

‏.

‏عشرُ ساعاتٍ على الطريق بين شنقيط ونواكشوط، أتوقف في بُليدةٍ وأمضي، والرمل عن يميني وشمالي، والجوّال في حِجري لا يهدأ.. ثم يصمت فجأةً إذا انقطعت الشبكة، وتلك أرحمُ ساعاتي!

‏.

‏ولم تكن الرسائل التي تلاحقني من الزملاء والأصدقاء تسألني عمّا رأيتُ في أقدم مدائن هذه الصحراء، ولا عمّا في خزائنها من مخطوطٍ نفيس؛ كانت تسألني عن السوق: «بشّر.. هل تزوّجت؟ لا تفوتك فرصة الزواج هناك، رخيصٌ وستستمتع»، «خذ معك أَمَةً أو اثنتين وتسرَّ بهنّ»، «واشترِ — يا أبا أسامة — عبدًا يخدمك».

‏.

‏ولم يبقَ إلا أن يسألني أحدهم عن خصم الكمية، فتكتمل الوصايا!

‏.

‏كنتُ ذاهبًا إلى مكتبةٍ ومدينةِ تاريخ، وكانوا يحسبونني ذاهبًا إلى سوق نَخّاسة.

‏.

‏-------

‏2= نعرفهم ولا نعرفهم

‏.

‏ولستُ أزعم أنّ هذه البلاد غائبةٌ عنّا؛ فنحن نعرف الشناقطة علماءَ قبل أن نعرفهم جغرافيا: حفَظةً للمتون، وأئمةً في التفسير واللغة، جلس بعضهم في مسجد رسول الله ﷺ يُدرّس أجيالًا من طلبتنا، وما زال في بلادنا من ذريّتهم وتلاميذهم عددٌ كريم.

‏.

‏وكلُّ من جاءنا من هذه الأنحاء فهو عندنا «شنقيطي»، نسبةً إلى مدينةٍ صغيرة في قلب «آدرار» اتّسع اسمها حتى صار اسمًا لبلادٍ بأسرها.

‏.

‏بيد أنّ الذي عبَر إلينا هو العلم وحده؛ أمّا معيشة القوم وحاضرهم فبقيا في مجالسنا صورةً مستلّةً من حواشي الكتب القديمة: رقيقٌ يُشترى، وكفّارةٌ تُقضى بثمنٍ زهيد، وزواجٌ بمهرٍ بخس.

‏.

‏أخذنا منهم العلم الغزير، وأعطيناهم التهمة الرخيصة.

‏.

‏-------

‏3= بضاعتنا عند المفتي

‏.

‏ولأعد بكم إلى أوّل يومٍ في نواكشوط. كان أوّل من لقيتُ في هذه البلاد المباركة سماحةَ المفتي العام للجمهورية الإسلامية الموريتانية الشيخ أحمد ولد المرابط. جاء من سفرٍ بعيد، وما إن بلغه أنّ صحفيًا سعوديًا يطلب لقاءه حتى استقبلني في بيته على تعبه، وتربّع أمامي، فجلسنا نتحاور.

‏.

‏وشاكستُه بما لا يُشاكَس به المفتون عادة، فعرضتُ عليه بضاعتنا كما هي: يا شيخ، حيال ما يتداوله الناس عندنا في الخليج عن الرقّ في بلادكم..

‏.

‏هذا رجلٌ وقع في المحظور مع زوجته الجديدة في نهار رمضان، فتُتلى عليه الكفّارة وترتيبُها. فيقلب كفَّيه مذعورًا: شهران؟! ستون يومًا بلا فطرٍ ولا انقطاع؟! لا طاقة لي بهذا ولا صبر! ثم يُفتّش في هاتفه — لا في نفسه — فيجد الفرَج في سطرٍ واحد: رقبةٌ في موريتانيا بعشرة آلاف، وتذكرةُ سفر، وعودةٌ في الليلة نفسها. صكُّ غفرانٍ بدرجةٍ سياحية، يتولّى عنك السمسارُ فيه البحث والعتق، ويوشك أن يتولّى عنك النيّة!

‏.

‏وهذا آخر دهس إنسانًا بسيارته خطأً، فتلحقه الكفّارة، فيسلك الطريق ذاته. لم يُطق شهرين، فأطاق عشر ساعاتِ طيرانٍ وسمسارًا ينتظره عند بوابة المطار بابتسامةٍ عريضة.

‏.

‏فأجابني سماحته بصوتٍ واضحٍ لا لبس فيه: لا يوجد في موريتانيا هذا الأمر، وأنا أؤكد لكم هذا؛ لا يجوز شرعًا ولا نظامًا، وأردف: إنّ الدولة تجرّم هذا وترفعه إلى مرتبة الجريمة في حقّ الإنسانية.

‏.

‏نفيٌ قاطع، لم يستأذن فيه ولم يستدرك عليه.

‏.

‏ولم أكتفِ بشهادةٍ واحدة، فهذه صنعتي منذ أربعين عامًا. سألتُ عددًا من أهل البلد وشخصياته، فما اختلف منهم اثنان، أن سماسرة يضحكون على البسطاء من جماعتنا في الخليج بهذا العتق المزعوم.

‏.

‏وحكى لي بعضُ من سألت أنّ السمسار قد يُعتق الرجلَ الواحد عشر مرات، وهو حرٌّ في الأصل، ويعيده إلى الدور كلّما جاء زبونٌ جديد، ويقبض عمولته من مالٍ حرام على عتقٍ موهوم.

‏.

‏فإن صحّت حكايتهم: عشرُ عتقاتٍ لرقبةٍ واحدة؛ الرجلُ حيث هو، والعمولةُ حيث هي، والذمّةُ معلّقة!

‏.

‏-------

‏4= عشرون عامًا لا شهران

‏.

‏ولم أشأ أن أنقل إليكم كلامًا مرسلًا، فعدتُ إلى نصوص القوم أقرؤها في مصادرهم بنفسي — لا لأنّي شككتُ في الشيخ، بل لأنّ الدعوى التي تُبنى على شهادةٍ تُنقض بشهادة، والتي تُبنى على نصٍّ لا تُنقض إلا بنصّ.

‏.

‏وأختصر عليكم أربعين سنةً في أربع محطات: ألغت موريتانيا الرقّ بأمرٍ قانوني سنة ١٩٨١م؛ ثم اعترفت الدولة ببقايا الظاهرة فأصدرت قانون ٢٠٠٧م الذي جرّم الممارسة لأول مرة؛ ثم جاء التعديل الدستوري سنة ٢٠١٢م فنصّ صراحةً على أنّ الاسترقاق جريمةٌ ضد الإنسانية؛ ثم شدّد قانون ٢٠١٥م العقوبة حتى بلغت عشرين عامًا، وأعلن أنّ الاستعباد «جريمةٌ ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم»، وأنشأ لها أقطابًا قضائية متخصصة لا تنظر في سواها.

‏.

‏والدولة هنا ليست غافلة ولا مجاملة؛ تبذل جهدها في ملفٍّ ورثته عن قرون، وتُلاحق فيه من يتاجر به.

‏.

‏أربعةُ تشريعاتٍ ودستورٌ ومحاكمُ مخصَّصة؛ كلُّ ذلك لم يبلغنا منه سطرٌ واحد، وبلغتنا أسعارُ السماسرة كاملةً بالريال!

‏.

‏فليتأمّل صاحبُنا أين يضع قدمه: خرج من بيته يطلب مغفرةً في عشر ساعات، فإذا هو داخلٌ في معاملةٍ محلُّها إنسان، في بلدٍ أفرد لهذا الباب محاكمَ وحده. ولا أقضي على أحدٍ بحكم، فذاك للقضاء وحده ولوقائعه؛ غير أنّ من ساق نفسه إلى هذا الطريق فقد ساقها إلى مساءلةٍ لا يشتري براءتها بما في جيبه.

‏.

‏جاء يفكّ رقبةً، فإذا برقبته هو في مهبّ القانون.

‏.

‏-------

‏5= إيصالٌ لا يُبرئ ذمّة

‏.

‏وما يزيد المسألة مرارةً أنّ الأذى لم يأتِ من السماسرة وحدهم؛ فقد نُشر في موريتانيا قبل سنواتٍ كلامٌ لداعيةٍ خليجي يدلّ فيه طالبي الكفّارة على شراء رقابٍ من هذه البلاد، فقامت الدنيا هناك ولم تقعد. كلمةٌ قيلت في مجلسٍ عندنا، فجُرح بها شعبٌ بأكمله هناك.

‏.

‏ولستُ أنا بمفتٍ، ولا أُنزل هنا حكمًا؛ فكفّارةُ الجماع في نهار رمضان لها ترتيبها، وكفّارةُ القتل الخطأ لها ترتيبها، وبينهما فروقٌ يعرفها أهل العلم ولا يعرفها السمسار. فمن لزمته كفّارةٌ فليسأل أهل الفتوى عن حكم حاله بعينه، ولا يسأل وكيل أسفار!

‏.

‏فإيصالٌ بعشرة آلاف لا يُبرئ ذمّة، وعقدٌ يقوم على خديعةٍ لا تُبنى عليه طاعة.

‏.

‏-------

‏6= ولها أن تقول: لا

‏.

‏ثم انتقلتُ إلى الباب الثاني من أوهامنا: الزواج. قلتُ لرفيقيّ الشابّين إبراهيم النحوي وشيخ أبنو مداعبًا: يا شباب، أعندكم من ذاك شيء؟ فلي أصدقاءُ يطلبونه ويُلحّون؛ أمّا أنا فقد آثرتُ السلامة واستسلمتُ منذ زمن! ولن يعرف آباؤكم من ذلك حرفًا، فهذا من قانون السفر المقدّس: حفرنا هنا.. ودفنّا هنا!

‏.

‏فانفجرا ضاحكين — عليّ أنا لا على الوصايا: يا عمّ، نحن أنفسنا لم تعد البنات تقبل بنا، فكيف بمن يهبط عليهنّ من الطائرة؟! وقالا إنّ الزواج غالٍ، وإنّ منهم من يتأخّر به الأمر إلى الثلاثين حتى يجمع ما يُقدّمه.

‏.

‏ضحكتُ منهما، وضحكتُ من الذين أرسلوني.

‏.

‏ثم من قال أصلًا إنّ امرأةً هناك تنتظر القادم من المطار؟ لها أن تختار، ولها أن تقول: لا؛ ولو جاءها صاحبُنا يحمل توصيات مجلسه كلِّه. وليس العيب في رخص المهر ولا في غلائه، وإنما في نظرةٍ تُحوّل نساء بلدٍ كامل إلى فرصةٍ موسمية.

‏.

‏ثم يا أحبّتنا — وهذه هي التي تهدم البنيان كلَّه على أصحاب الوصايا — المجتمع هنا قبليٌّ في صميمه، وله في الزواج تقاليد صارمة تُضيّق دائرته على أبناء العمومة، ويدخل البُعد الجغرافي فيزيدها ضيقًا على ضيق.

‏.

‏أفيعني هذا أنّ القادم لن يجد زوجة؟ بالطبع سيجد؛ فالعادات بدأت تلين قليلًا مع الزمن، وتقع زيجاتٌ خارج العُرف، لكنها في المدن الكبرى وفي فئاتٍ بعينها، وتبقى نادرةً في الأصل. فبنتُ القبيلة لا يكاد يصل إليها ابنُ قبيلةٍ أخرى من أهل البلد نفسه؛ فكيف بضيفٍ حطّ رحله بالأمس، لا يعرف له هؤلاء جدًّا ولا عمًّا ولا بيتًا؟!

‏.

‏وإذا كان أبناء الثلاثين هناك يشكون الانتظار، فبأيّ ملفٍّ يتقدّم الستينيّ؟ بالسيرة الذاتية أم بالأعمال الكاملة؟! وربما بمحفظته.. وما بُني على المحفظة لم يقم على شيء، ومعروفةٌ بضاعتها.

‏.

‏بلادٌ يُسأل فيها الخاطبُ عن جدّه وعمّه وقبيلته وأصله وفرعه؛ وأصحابي يحسبون الأمر تذكرةَ طيرانٍ وحقيبةً فارغة!

‏.

‏-------

‏7= كتابٌ أقدم من مدينته

‏.

‏فلمّا فرغتُ من بضاعتهم، مضيتُ إلى بضاعتي. أخذني أهل شنقيط في جولةٍ على تلك الخزائن العائلية التي تفاخر بها البيوت، فإذا رجالٌ ورثوا عن آبائهم حراسة الورق كما يُورَث البيتُ والاسم؛ وسأفي كلَّ خزانةٍ وصاحبها حقَّه في كتاب الرحلة، فالمقام هنا أضيق من أسمائهم. مخطوطٌ يراه العابر ورقًا قديمًا، ويعرف صاحبُه كم من سفرٍ ونسخٍ وقراءةٍ وأعمارٍ استقرّ بين دفّتيه.

‏.

‏ويُحصي فهرس المعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة في هذه المدينة وحدها زهاء أربعة آلاف مخطوط موزّعةً على عشرين مكتبة. عشرون مكتبةً في مدينةٍ تقطعها على قدميك في نصف ساعة، وعندنا مدنٌ لا تجد فيها عشرين قارئًا للمخطوط!

‏.

‏ووُضع في يديّ مخطوطٌ يقارب تقييدُه سنة خمسين وستمئة للهجرة، فنفضتُ عنه الغبار بيدي، والكمامة على وجهي، وصاحبُه يناولني إيّاه كما يناول الرجلُ وليده.

‏.

‏وشُدهتُ وقتها لِما انتبهتُ إليه: شنقيط في موضعها هذا إنما قامت سنة ستمئةٍ وستين، فالورقةُ التي بين كفّيّ أقدمُ من المدينة التي تحرسها! بل تذكر تقارير الوكالة الموريتانية للأنباء في نفائس خزائن المدينة نسخةً من «تصحيح الوجوه والنظائر» لأبي هلال العسكري مؤرَّخةً بسنة ثمانين وأربعمئة، ومعها «مروج الذهب» للمسعودي على رقّ غزال؛ أي قبل قيام المدينة بمئةٍ وثمانين سنة.

‏.

‏كتبٌ جاءت على ظهور القوافل تسبق عمرانها، فاستقرّت في بيوتٍ من طين، وبقيت.

‏.

‏مات ناسخها قبل قرون وما زال أثر يده يُقرأ؛ ونحن نعجز عن العثور على ملفٍّ حفظناه الأسبوع الفارط!

‏.

‏وكم أتمنّى أن يَنبري لهذه الخزائن باحثون من جامعاتنا وأقسام الدراسات العليا فيها، بشراكةٍ مع أهل المكتبات وباحثي البلاد: فهرسةٌ دقيقة، وتصويرٌ يحفظ الأصول وحقوق أصحابها، ثم تحقيقٌ لما لم يُحقَّق في رسائل الماجستير والدكتوراه.

‏.

‏وبرأيي أنّ طالبًا واحدًا يعود من شنقيط وقد أحيا كتابًا، وترك لأهل الخزانة نسخةً مصوّرة وفهرسًا يعينهم، أنفعُ لتراثنا من عشرة مؤتمرات.

‏.

‏حرسوا الورق تسعة قرونٍ بلا جامعة؛ أفنعجز عن قراءته ولنا الجامعات الحديثة؟!

‏.

‏-------

‏8= صلاةٌ على الرمل

‏.

‏وإن أنسَ فلا أنسى الصلاة في الجامع العتيق.

‏.

‏تصوّروا مفاجأتي وأنا أقرأ لوحة تاريخه، وفيها أنّ إنشاء المسجد كان في العام مئةٍ وستين للهجرة.. أعيدوا القراءة كما أعدتُها ثلاثًا وأنا لا أكاد أصدّق! والمرويّاتُ التي تنقلها الوكالة الموريتانية للأنباء تذكر أنّ تأسيسه الأول كان في «آبير» — شنقيط القديمة — سنة مئةٍ وستين، ثم انتقل إلى موضعه هذا سنة ستمئةٍ وستين، ثم رُمّم في القرن الماضي على أبعاده وأسسه كما كانت. وما زال قائمًا يُصلّى فيه إلى اليوم، لا فرشَ فيه ولا زخرف؛ الأرض رملٌ، والجبهة تقع عليه مباشرة.

‏.

‏صلّيتُ على الرمل، فلامست جبهتي أرضًا تعاقبت عليها جباهٌ رحلت وأسماءٌ غابت، وسكن فيّ شيءٌ كان الطريق قد بعثره.

‏.

‏ومن سجد على رملٍ مرةً، لم يعد الفرشُ عنده فرشًا.

‏.

‏-------

‏9= أين السَّحرة إذًا؟

‏.

‏وأرسلت إليّ إحدى المتابعات تحذّرني: انتبه.. فأنت في مدينة السحر والجنّ! وأنا — وأصدقكم القول — كنتُ أتلفّت كلّما دخلتُ مكانًا، أفتّش عن التمائم والبخور والطلاسم كما في «ألف ليلة وليلة»، وكما في تلك الأفلام التي حشت رؤوسنا بالدجّالين ذوي اللحى المعقوفة والأعين الحمراء! فما رأيتُ دخانًا ولا عزيمة، وما وقعت عيني إلا على بشاشةٍ في الوجوه، ووضاءةٍ في الجباه عفّرتها السجدات.

‏.

‏ومررتُ في الأزقّة العتيقة بين بيوتٍ من حجرٍ متراصّ، فقال لي مرافقي شيخ أبنو: نحن لا نمشي في هذه بعد المغرب، فهي مسكونة، والجنّ تخرج في هذا الوقت. قلت: زدتَني شوقًا، هذا الذي كان ينقصني! والتفتُّ إلى صديقي عبدالرحيم الهاشمي: ما رأيك نغامر بعد العشاء؟ فقال ضاحكًا: وفّقك الله.. اذهب إلى قرنائك من الجن والعفاريت، وخذ منهم العلم والشعر وإلهامات المقالات، أمّا أنا والمرافقون فدعنا في الفندق!

‏.

‏وكنتُ شجاعًا جدًا، ما دام الاقتراح لم يُقبل بعد! وبيني وبينكم، لو تحرّك بابٌ في تلك العتمة لرأيتموني أسابق شبابَ الرحلة إلى الفندق، ولسقط من يدي — فيما أظنّ — كلُّ مشاريع أدب الرحلات وحواف الذاكرة، ولصرتُ مضغةً في أفواه لِداتي، يبكّتونني ويضحكون عليّ عامًا كاملًا.

‏.

‏خرجتُ أبحث عن ساحرٍ فألفيتُ مؤذّنًا؛ وعن جنيٍّ فألفيتُ مُضيفًا يسألني: هل شربتَ الكأس الثالثة؟

‏.

‏-------

‏10= طريقٌ وعمامة

‏.

‏وإن شئتم وجه هذه البلاد كما رأيته لا كما بَلغكم، فدونكم شاهدين اثنين ليس لهما في وصاياكم ذكر.

‏.

‏أمّا الأول فكنّا خارجين من أطار في طريقٍ ترابيّ يختبر ظهور المسافرين وصبرهم، ثم صعد بنا نحو هضبة «آدرار»، والجبال تحاصرنا يمينًا وشمالًا بصخورٍ حمراء نحتتها السنون طبقةً فوق طبقة، حتى خُيّل إليّ أنّ التاريخ فتح أمامنا دفاتره الحجرية.

‏.

‏وفجأةً — في قلب هذا الوعر — طريقٌ أسفلتيّ معبّد يشقّ الصخر ويرتقي بنا في ممرّ «نواتيل»!

‏.

‏ففغرتُ فمي وقلت: يا لله، أفلحت وزارة النقل في قهر هذا الجبل ثم عجزت عن بقيّة الطريق؟! فضحك مرافقي الشابّ شيخ أبنو وقال: يا عمّ، ما شقّته وزارة؛ شقّه رجلٌ من أهل شنقيط، ابنُ عمٍّ لي، اسمه محمدو ولد أبنو.

‏.

‏فتبدّل المشهد عندي كلُّه؛ لم أعد أرى أسفلتًا يصعد الجبل، بل مروءةً صعدت فوقه. رجلٌ رأى مدينته التاريخية محبوسةً خلف الصخر، فلم يكتب بيانًا غاضبًا، ولم يعقد ندوةً عن «أهمية فكّ العزلة» ثم يعود إلى بيته قرير العين؛ بل قدّم ماله أولًا، وسعى بجاهه، وجمع المساهمات، وتابع منذ الثمانينيات سنواتٍ طوالًا حتى اختُصرت المسافة بين أطار وشنقيط من نحو مئةٍ وأربعين كيلومترًا إلى قرابة ثمانين.

‏.

‏بعضُ الرجال إذا غادروا المجلس بقي كلامهم؛ وهذا إذا غادر المكان بقي طريقه.

‏.

‏وأمّا الثاني فسيّدةٌ من أهل شنقيط سمعت بقدوم ضيفٍ سعوديّ إلى مدينتها، فأرسلت إليّ وإلى صاحبي عمامتين فاخرتين نعتمّ بهما، ومعهما تذكاراتٍ من بلدها. بلغتني هديّتها وأنا في مجلس مضيفنا الكريم الشيخ أبوه بن عبدي، في تحدٍّ حامٍ على طاولة البلوت — نعم، البلوت؛ فقد سبقتنا بعضُ عاداتنا إلى هناك قبل أن نصل!

‏.

‏ووالله لقد نزلت هديّتها من قلبي منزلةً كبيرة، فمضيتُ إلى بيت هاته السيدة الستينية — واسمها تَبَّة بنت اطفيل — أشكرها وأدعو لها، وأهديتُها في مقابل ما أكرمتني به. بيتٌ بسيط في بنائه، كريمٌ في روحه؛ وما الكرمُ بسعة الجدران.

‏.

‏هؤلاء هم أهل شنقيط، وهذا وجه موريتانيا: رجلٌ يشقّ لمدينته طريقًا في الصخر، وامرأةٌ تُعمّم ضيفًا لم ترَه.

‏.

‏-------

‏11= فماذا غنمتُ؟

‏.

‏وأمّا الحساب الذي ينتظره أصحاب الوصايا، فهاكم فاتورته كاملة: لا زوجةَ جديدة، ولا أَمَةَ، ولا عبد. أمّا زوجتي فقد تركتها في بيتي حين سافرتُ، وأرجو أن أجدها فيه حين أعود، مأجورة وسالمة.. وأسأل الله ألّا تبدأ قراءة هذه المقالة من عنوانها!

‏.

‏وأمّا الأَمَة والعبد فلم أجد لهما بائعًا ولا مشتريًا ولا سوقًا؛ وجدتُ مفتيًا يُنكر، وقانونًا يُجرّم، ومحاكمَ تنتظر من يظنّ نفسه ذكيًا.

‏.

‏غير أنّي — إنصافًا لأحبّتي — لم أعد إليهم صِفر اليدين، فقد جلبتُ لهم بدل بضاعتهم الموهومة: صحراءَ ساحرة تستحقّ أن يُشدّ إليها الرحل، وأرضًا بكرًا تخضرّ بعد موسم الأمطار حتى تُنكرها عينك، ومواضعَ للتخييم والصيد لمن أخذ رخصته وأحسن أدبه مع المكان، ومخطوطاتٍ يغوص فيها طالب العلم فلا يودّ أن يفيق؛ وتلك — لعمرو الله — تعدل ما حلموا به وتزيد.

‏.

‏يا سادة: أوصوني أن أعود بإنسانٍ أملكه، فعدتُ بأصدقاءَ أتشرّف أن أنتمي إليهم؛ وفي يديّ غبارُ مخطوطة، وفي عنقي لأهلها جميلٌ لا يُقضى.