صاحب الكادوم

صاحب الكادوم


شيخنا محمد غلام بن شيخون بن الشيخ بن دهمد أو "طالبن غلامي" كما يدعوه أهل المنطقة أو "النانه" كما يدعوه أبناؤه وطلبته المقربون مثلي... 
كان هذا العالم الفقيه الورع مضرب مثل في منطقتنا في شدة الورع والخوف من الله تعالى...
اختار هذا الشيخ منطقة بعيدة عن المدينة وأسسها على التقوى والالتزام والتدين صحبة شقيقه شيخنا محمد عبد الله...
هذه المنطقة قرية تدعى أشايف على بعد  40 كيلومتر غرب مدينة تمبدغة...
طاب المقام هنا و"طاب" القرآن ودرس الفقه وطبق الهدي النبوي في توقي الشبهات.. 
فأصبحت هذه القرية معروفة بالكرم والتدين...والتفرغ للعبادة وتدريس القرآن والفقه...
وكان من أهم قوانين هذه القرية - التي سكنتها 5 سنوات  حتى أخذت فيها إجازة في القرآن في قراءة نافع برواوتي ورش وقالون ولما أبلغ الحلم آنذاك -  من أهم هذه القوانين أن الأجانب لا يدخلون القرية بمعنى أن من ليس محرما للنساء لا يدخل عليهن في منزل؛ والمرأة لا تقدم على منزل فيه رجل ليس محرما لها...
أضرب صفحا عن ذكر مناقب القرية حتى لا تسرقني تلك المناقب الكثيرة فأنسى العنوان...
كان شيخنا الفقيه الورع محمد غلام مؤسس القرية من الذين "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا" وكان من  الذين يتقون الشبهات "استبراء لدينه وعرضه" وعلى كل حال فهو في منطقتنا معروف  بالورع الزائد الذي تستعمل فيه أفعل التفضيل: "والأورع والعدل على غيرهم".
وأذكر هناك ثلاث قصص أو نماذج من ورعه المشهود:
أولا قصة الكادوم.
هذه القصة اشتهر بها حتى سمي بصاحب الكادوم؛ ومضمونها أنه استعار جملا من أحد أقاربه ليحمل عليه أخته - رقية -  فحملها عليه وبدأ يقود الجمل بها فبينماهم في الطريق إذ وجد هو كادوما - آلة كسر الحطب ونحو ذلك - فحملها في يده فقالت له أخته أعطني القادوم أحملها عنك فأنت ماش على رجليك وأنا راكبة...
فقال لها: لم أستأذن صاحب الجمل في حمل القادوم عليه وإنما أعرته من عنده لحمل أنت عليه فقط؛ فلو حملت القادوم عليه لكنت متعديا.
وبقي حاملا القدوم بيده حتى وصلا وجتهما..
ولشدة الورع والتوقي في هذه  القصة سمي في منطقتنا  بصاحب الكادوم.
ثانيا قصة الماء المحمول على ملك الغير.
ومقتضى هذه القصة أن الطلاب جاءوا إليه ذات يوم بوعاء ماء - شانبريار -  من بئر القرية محمولا على حمار فسألهم: لمن هذا الحمار؟!
فقالوا: لا ندري وجدناه عند "الحاسي" أي البئر فحملنا عليه الماء فأمر بإراقة الماء ونهاهم عن ذلك في المستقبل.
وهو هنا يرى أن الماء وإن كان صالحا للشرب وتعب فيه الطلاب فإنه ما دام محمولا على ملك الغير فهو تعد على ملك الغير؛ ولا يقبل هذا الشيخ أن يصل بدنه ما فيه تعد أيا كان نوعه.
ثالثا: قصة تقبيل اليد.
كان شيخنا محمد غلام  لا يقبل تقبيل يده ولا حمل "لويشه" عنه؛ وذات مرة جاءه "مولود" مسلما عليه فلما مد يده إليه للسلام عليه كرع مولود في يده تقبيلا والتزاما غضب شيخنا حتى ريء ذلك في وجهه ولسقوط مؤونة التحفظ بينه وبين المعني نزع يده منه بقوة وقال له: مولود آن أيدي ما فيه كسكس ولا العيش شل حد بيها لا اتليت اتعدل هذا.
ولشدة ورعه كان بعض الظرفاء من أهل المنطقة يقول: "يخوتي ول شيخون هذا إراعي في احروره إراعي فيها ألا هو وحدو".
فسبحان الله ما أشد ورعه!
رحمه الله تعالى برحمته الواسعة هو ووالدينا وأشياخنا جميعا.

 

أبو سهلة سيد أحمد