السُّبَاء... حين لا يجد الخراب ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

السُّبَاء... حين لا يجد الخراب ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

هناك كتب تخرج من المطابع، وكتب تخرج من أصحابها.

ديوان المختار السالم الجديد «السُّبَاء» من النوع الثاني.

ليس لأنه ديوان جديد في مسيرة شاعر أصدر حتى الآن خمسة وعشرين كتابا، فالكثرة لا تصنع شاعرا، كما أن قلة الكتب لا تنفيه. وإنما لأن المختار السالم اختار هذه المرة أن يضع قصيدته كلها في مجرى واحد: قصيدة واحدة من شعر التفعيلة، تمتد على 254 صفحة.

وهذا، في حد ذاته، رهان.

فالقصيدة القصيرة تستطيع أن تختبئ وراء اللمعة. أما القصيدة الطويلة فلا ينجو فيها الشاعر إلا إذا كان لديه ما يقوله، ولديه أيضا ما يكفي من اللغة كي لا يتحول القول إلى ثرثرة موزونة.

وعنوان الديوان «السُّبَاء» ليس بريئا.

السُّباء، في العربية، هو ما يحمله السيل من مكان إلى مكان.

كأن الشاعر ينظر إلى عالمنا العربي فيرى شيئا يشبه ذلك: أشياء كانت لها أسماء وأمكنة وذاكرة، ثم جاء السيل، فحملها زبدا رابيا.

لكن المختار السالم لا يقف على الضفة ليعد ما جرفه الماء.

إنه يدخل السيل.

وهنا يبدأ الشعر.

فالقصيدة عنده ليست منشورا سياسيا مقنعا، ولا مرثية طويلة لزمن عربي مثخن بالجراح. إنها محاولة لأن تجعل اللغة نفسها تقاوم ما يحدث للإنسان.

ولهذا لفتتني عبارة الدكتور بدي أبنو المرابطي في مقدمته، حين يرى أن القصيدة لا تأتي لتضمد الجراح، وإنما «لتصوغ لها أفقا ملحميا».

هذه نقطة مهمة.

الشعر ليس طبيبا دائما.

أحيانا يكون شاهدا.

وأحيانا يكون متهما.

وأحيانا، في لحظاته النادرة، يصبح سلاحا لا يقتل أحدا، لكنه يمنع اللغة من الاستسلام.

والمختار السالم يعرف أن اللغة حين تكرر نفسها تموت قليلا. لذلك يذهب بها إلى حافتها، يناور المألوف، يخلخل القاموس، ويترك الموسيقى تحمل المعنى إلى منطقة لا يصل إليها الكلام العادي.

ومن أجمل ما في الديوان، في ظني، أنه لا يتوسل إلى القارئ.

لا يقول له: تعاطف معي.

بل يقول له: ادخل هذا الخراب، وانظر.

«من بعد كل الكلام، وكل الظلام، وما أكل الوحش والفحش، أضحى لزاما على النجم أن يولدا».

هذا هو الشعر الذي يعجبني.

الشعر الذي لا ينكر الظلام، لكنه يرفض أن يمنحه الكلمة الأخيرة.

والأجمل أن «السُّبَاء» نفسه، بوصفه ما يحمله السيل، ينقلب في نهاية المطاف إلى صورة أخرى: ربما لا يكون الإنسان مجرد حطام تحمله المياه. ربما يستطيع، وهو في قلب التيار، أن يصنع من اندفاعه قصيدة.

خمسة وعشرون إصدارا ليست مجرد محطة في سيرة شاعر. إنها مسافة طويلة قطعها المختار السالم في أرض الشعر، وما يزال يغامر.

وهذا هو المهم.

فالشاعر الحقيقي لا يكرر نجاحه.

إنه يخاطر به.

مبارك للصديق المختار السالم «السُّبَاء»، ومبارك للشعر الموريتاني هذه المغامرة.

أما القصيدة نفسها، فلا أدري إلى أين ستأخذ قارئها.

لكنني أعرف شيئا واحدا:

 هو أن بعض القصائد نقرأهاوبعض القصائد تحملنا.

وهذا الديوان يبدو من النوع الذي لا يتركك على الضفة.


 

محمد ولد إمام. 25.08.2026..

 الدوحة، قطر.

 

المصدر: كشكول الحياة