بين أنياب الذئاب البشرية

بين أنياب الذئاب البشرية

د. رملة منيه

في ظلال المدينة الشاسعة، حيث تتوارى الملامح خلف أقنعة النفاق، لا تجدُ الغابة جدراناً من شجر، بل تشيّدها أطماعُ النفوس. هناك، في الممرات المظلمة للتعاملات اليومية، لا تسير الذئاب على أربع، بل تمشي على قدمين، ترتدي حُللاً أنيقة، وتتقن لغة الابتسامات الدافئة لتخفي بها حدّة أنيابها.

الذئب البشري لا يهدد قبل الهجوم، ولا يعلنُ حربه بالوعيد؛ إنه يقترب منك باسم الطيبة، أو الرعاية، أو ثوب الضحية. يقرأ عاطفتك كما يقرأ الصياد أثر الطريدة، وينتظر لحظة غفلتك ليغرس أنيابه ليس في الجسد، بل في الثقة، والروح، والطمأنينة. هي جراحٌ لا تنزف دماً يراه الناس، لكنها تترك في الأعماق ندوباً لا تندمل بسهولة، وتورث القلب حذراً يفسدُ عفوية البراءة.

غير أن أخطر ما في هذه المواجهة ليس الخدش الذي تتركه الأنياب، بل الخوف من أن تحولك التجربة إلى ذئبٍ آخر لكي تنجو. الصمود الحقيقي بين أنياب الذئاب البشرية لا يكون بمواجهة وحشيتها، بل بالحفاظ على إنسانيتك رغم قسوة المشهد؛ أن تتعلّم كيف تصنع من الحذر درعاً، ومن الوعي سلاحاً، دون أن تفقد إيمانك بالنور، ودون أن تسمح للظلام بأن يلتهم طيبة قلبك.