بحسب التصريحات المنسوبة إلى محمد سالم ولد السالك، فإن مقترح الحكم الذاتي أصبح واحدا من الخيارات التي تجري مناقشتها، في ظل ما وصفه بضغوط أمريكية متزايدة على قيادة الجبهة.. جيتي
الرباط ـ لندن ـ عربي21:
في تحول لافت في الخطاب السياسي المرتبط بنزاع الصحراء، برزت خلال الأيام الأخيرة تصريحات منسوبة إلى قيادات بارزة في جبهة البوليساريو تتحدث عن إمكانية مناقشة مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب لتسوية النزاع، في وقت لا تزال فيه الجبهة تتمسك رسميا بمطلب تقرير المصير، بينما تكشف التصريحات المتباينة داخل صفوفها عن نقاش متزايد بشأن الخيارات المطروحة أمامها في ظل التحولات الإقليمية والدولية والضغوط المرتبطة بمسار التسوية الأممي.
وقال محمد سالم ولد السالك، مستشار دبلوماسي لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، إن قبول مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب عام 2007، والمحدث في شباط/فبراير 2026، يظل خيارا مطروحا للنقاش، مشيرا إلى أن تفاصيل المقترح تتم مناقشتها إلى جانب خيارات أخرى، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني، بحسب ما نقل عنه، التخلي عن مبدأ تقرير المصير.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى أن موقف الجبهة ظل لعقود يقوم على رفض السيادة المغربية على الإقليم والمطالبة بإجراء استفتاء لتقرير المصير، فيما يطرح المغرب حكما ذاتيا تحت سيادته باعتباره الحل السياسي النهائي للنزاع.
غير أن الحديث عن "مناقشة" خيار الحكم الذاتي لا يعني، حتى الآن، أن جبهة البوليساريو اتخذت قرارا رسميا بقبوله، إذ لا تزال مواقف أخرى داخل قياداتها تؤكد التمسك بخيار الاستقلال ورفض أي تسوية لا تتضمن، بحسب تصورها، تقرير المصير.
ولد السالك: الحكم الذاتي "خيار مطروح"
وبحسب التصريحات المنسوبة إلى محمد سالم ولد السالك، فإن مقترح الحكم الذاتي أصبح واحدا من الخيارات التي تجري مناقشتها، في ظل ما وصفه بضغوط أمريكية متزايدة على قيادة الجبهة.
ويشير هذا الطرح، في حال تأكده واستمراره، إلى تغير مهم في طبيعة الخطاب السياسي للجبهة، التي كانت تتعامل مع المقترح المغربي باعتباره غير قابل للنقاش، وتؤكد أن أي حل للنزاع يجب أن يفضي إلى ممارسة الصحراويين لحق تقرير المصير.
لكن ولد السالك، وفق التصريحات المتداولة، حاول الجمع بين مناقشة الحكم الذاتي والإبقاء على مطلب تقرير المصير، بما يعكس تعقيدا في الموقف التفاوضي للجبهة، التي تواجه ضغوطا متزايدة لإظهار قدر أكبر من المرونة في ظل تغير موازين القوى الدولية حول الملف.
ومن شأن هذا الخطاب، إذا تطور إلى موقف تفاوضي رسمي، أن يفتح الباب أمام إعادة صياغة مسار المفاوضات، خصوصا إذا أصبحت الجبهة مستعدة لمناقشة تفاصيل المبادرة المغربية بدلا من رفضها من حيث المبدأ.
ممثل البوليساريو في نيويورك: المسار لا يزال في بدايته
وفي السياق ذاته، نقلت تقارير عن محمد عمر، المعروف أيضا باسم «المزهاري»، ممثل البوليساريو لدى الأمم المتحدة في نيويورك، قوله إن اللقاءات التي جرت في شباط/فبراير الماضي في مدريد وواشنطن لا تزال تمثل بداية لمسار سياسي، وأن الطريق أمام أي تقدم في المفاوضات لا يزال يواجه، بحسب تعبيره، عقبات كبيرة.
ويعطي هذا التصريح انطباعا بأن الاتصالات التي جرت خلال الأشهر الماضية لم تتحول بعد إلى مفاوضات نهائية أو اتفاق سياسي، وإنما لا تزال في مرحلة اختبار المواقف وإعادة بناء مسار تفاوضي جديد.
وتأتي الإشارة إلى لقاءات مدريد وواشنطن في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بإيجاد مخرج للنزاع الذي استمر لعقود، وسط مساع لإعادة إطلاق العملية السياسية على أساس مقاربة أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.
وفي هذا السياق، فإن مجرد انتقال النقاش داخل بعض دوائر البوليساريو من رفض الحكم الذاتي إلى مناقشة تفاصيله يمكن أن يمثل، في حال استمراره، تحولا في اللغة التفاوضية، حتى لو لم يصل بعد إلى مستوى اتخاذ قرار سياسي ملزم.
انقسام في الخطاب داخل الجبهة
لكن هذا التحول لم يمر من دون ردود فعل داخلية، إذ سارعت قيادات أخرى في البوليساريو إلى التأكيد على رفض التخلي عن مطلب الاستقلال.
ونقلت تقارير عن البشير مصطفى السيد، رئيس ما يسمى بـ«البرلمان الصحراوي»، تشديده على أن حق تقرير المصير ليس محل تفاوض، وأن سكان مخيمات تندوف لن يقبلوا، وفق موقفه، التخلي عن مطلب الاستقلال تحت أي ضغوط.
ويكشف التباين بين هذه المواقف عن وجود نقاش داخلي بشأن مستقبل الجبهة وخياراتها السياسية، خصوصا في ظل التحولات التي طرأت على الموقف الدولي من النزاع.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه بعض مسؤولي الجبهة عن إمكانية مناقشة الحكم الذاتي، تتمسك أصوات أخرى بخطاب الاستقلال وتعتبر أي تنازل عن هذا الخيار خروجا عن الأسس التي قامت عليها الجبهة.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بموقف البوليساريو من المبادرة المغربية، وإنما أيضا بقدرة قيادتها على بناء توافق داخلي حول أي تحول محتمل في المسار السياسي.
المغرب: الحكم الذاتي أساس الحل
وكان المغرب قد قدم عام 2007 مبادرة للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، تقوم على منح الإقليم صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه المحلية، مع بقاء السيادة المغربية.
ويقدم المغرب هذه المبادرة باعتبارها حلا سياسيا واقعيا وعمليا للنزاع، فيما ترفضها البوليساريو التي تطالب باستقلال الإقليم وإجراء استفتاء لتقرير المصير.
وقد ظل هذا التباين جوهر الخلاف بين الطرفين طوال السنوات الماضية، مع استمرار الجهود الأممية لإيجاد حل سياسي مقبول من الأطراف.
وتؤكد الرباط أن مقترح الحكم الذاتي ينسجم مع قرارات مجلس الأمن ويمثل أساسا واقعيا للتفاوض، فيما تصر البوليساريو على أن أي تسوية يجب أن تضمن خيار الاستقلال ضمن عملية تقرير المصير.
ويجعل هذا التباين أي انتقال من الرفض المطلق للمقترح المغربي إلى مناقشة تفاصيله تطورا سياسيا لافتا، حتى وإن كان لا يزال في إطار التصريحات الفردية أو النقاشات غير الرسمية.
ضغط دولي وتغير في موازين الملف
ويأتي هذا التطور في ظل تغيرات شهدها ملف الصحراء الغربية خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الدعم الدولي للمبادرة المغربية أو التعامل معها باعتبارها أساسا للتفاوض، مقابل تراجع مساحة المناورة السياسية أمام البوليساريو.
كما شهدت المنطقة تحولات في العلاقات بين المغرب والجزائر، وهما الطرفان الأكثر تأثيرا في النزاع، في ظل قطيعة دبلوماسية بين البلدين وتوترات إقليمية متصاعدة.
وتنظر الجزائر إلى قضية الصحراء باعتبارها مسألة تصفية استعمار وحق تقرير مصير، بينما يعتبر المغرب أن النزاع يتعلق بوحدته الترابية، وهو ما يجعل الملف واحدا من أكثر ملفات شمال أفريقيا حساسية.
وفي المقابل، تواصل الأمم المتحدة جهودها من أجل التوصل إلى حل سياسي للنزاع، فيما مدّد مجلس الأمن في قراره 2797 لعام 2025 ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية "مينورسو" حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
ويكتسب موعد تجديد ولاية البعثة أهمية سياسية، إذ يتيح للأطراف الدولية إعادة تقييم مسار التسوية والضغط من أجل دفع الأطراف إلى تقديم تنازلات تتيح استئناف المفاوضات.
هل نحن أمام تحول فعلي أم مناورة تفاوضية؟
وتبقى قراءة التصريحات الأخيرة مرتبطة بالسياق الذي صدرت فيه، إذ يمكن تفسيرها باعتبارها محاولة لفتح نافذة تفاوضية جديدة، أو استكشافا لحدود الممكن في ظل الضغوط الدولية، أو مجرد نقاش داخل الجبهة لم يتحول بعد إلى قرار سياسي.
فالجبهة لم تعلن، وفق المعطيات المتاحة، تبني الحكم الذاتي كحل نهائي، كما أن قيادات أخرى لا تزال تؤكد التمسك بالاستقلال.
ومن ثم، فإن الحديث عن قبول محتمل للمبادرة المغربية يبدو سابقا لأوانه إذا لم يصدر في إطار قرار رسمي واضح من قيادة البوليساريو، خصوصا أن أي تحول من هذا النوع سيكون له أثر مباشر على مستقبل الجبهة وعلاقاتها الإقليمية، ولا سيما مع الجزائر التي تعد الداعم السياسي والإقليمي الأبرز لها.
لكن اللافت في التطور الحالي هو أن الحكم الذاتي بات، وفق التصريحات المنسوبة إلى بعض مسؤولي الجبهة، موضوعا للنقاش بدلا من كونه خيارا مرفوضا بشكل مطلق، وهو ما يمكن أن يمثل تغيرا في سقف الخطاب السياسي والتفاوضي.
انعكاسات محتملة على مسار النزاع
وفي حال تحول هذا النقاش إلى موقف رسمي، فقد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات، خصوصا إذا تمكنت قيادة البوليساريو من الحصول على ضمانات سياسية بشأن صلاحيات الحكم الذاتي وآليات تنفيذه ومشاركة سكان الصحراء في إدارة شؤونهم.
لكن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة، أبرزها الموقف الداخلي للجبهة، وموقف الجزائر، وطبيعة الضمانات الدولية المطلوبة، فضلا عن تفاصيل المبادرة المغربية نفسها ومدى استعداد الأطراف للتفاوض حولها.
كما أن أي تسوية محتملة ستحتاج إلى معالجة ملفات معقدة تتعلق باللاجئين في مخيمات تندوف، والحدود، والترتيبات الأمنية، وتقاسم الموارد، وضمانات الحكم المحلي، إلى جانب مسألة عودة اللاجئين وإعادة إدماجهم.
وتشير هذه الملفات إلى أن الانتقال من مجرد مناقشة الحكم الذاتي إلى التوافق حوله سيكون مسارا طويلا، حتى في حال حصول تحول سياسي داخل البوليساريو.
مشهد جديد في قضية الصحراء
وتكشف التطورات الأخيرة، في نهاية المطاف، عن مرحلة جديدة في مسار النزاع، حيث يبدو أن النقاش لم يعد يدور فقط حول ثنائية "الاستقلال أو الحكم الذاتي"، وإنما بات مرتبطا أيضا بمدى قدرة الأطراف على التكيف مع التحولات الدولية والإقليمية التي أعادت ترتيب أوراق الملف.
وبينما يسعى المغرب إلى تثبيت مبادرته باعتبارها الإطار الوحيد القابل للتنفيذ، تتمسك البوليساريو رسميا بحق تقرير المصير، فيما تحاول الأمم المتحدة الحفاظ على مسار سياسي يتيح الوصول إلى حل تفاوضي.
وفي ظل هذا المشهد، فإن التصريحات المنسوبة إلى ولد السالك ومحمد عمر، في مقابل موقف البشير مصطفى السيد، قد تكون مؤشرا على بداية نقاش داخلي أكثر علنية داخل البوليساريو بشأن الخيارات المتاحة أمامها.
لكن الحكم على ما إذا كان الأمر يمثل تحولا استراتيجيا حقيقيا أم مجرد إعادة تموضع تفاوضي سيظل رهينا بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة، وما إذا كانت قيادة الجبهة ستنتقل من الحديث عن "مناقشة" الحكم الذاتي إلى اتخاذ موقف رسمي بشأنه، وما إذا كانت ستتمكن من تجاوز التباينات الداخلية والإقليمية التي قد تحدد في النهاية مستقبل أي تسوية للنزاع.
