ذكريات عن الأمير حمد وحُلْمه الموريتاني..الفرص الضائعة.. ثانيا – من نواكشوط إلى الدوحة (2)

ذكريات عن الأمير حمد وحُلْمه الموريتاني..الفرص الضائعة.. ثانيا – من نواكشوط إلى الدوحة (2)

تمهيدا للسفر بعد لقاء المحمدين، كنت قد ألححت على القطاعات الوزارية المعنية في التعجيل بما بقي من الملفات، وكان قد اجتمع لدي منها قدر لا باس به، أضيف إليه عدد آخر قبل الانطلاق. وهكذا توجهت إلى الدوحة يرافقني الشاب المؤدب محمد أحمد سيد الأمين الذي كان يعمل في الرئاسة معاونا لي. وقد استقبلنا سمو الأمير الشيخ حمد في مكتبه في أول أيام زيارتنا (23 يونيو 2008)، وكان ذلك مع الأسف أيضا آخر لقاء بيني وبينه. وقد حضر اللقاء سعادة السفير والوزير السابق محمد الأمين السالم بن الداه وبعض معاوني سمو الأمير. وبمجرد تبادل التحيات المعهودة، بادرني الأمير بالسؤال: أين أرض البرلمان؟ فقلت له: جاهزة، وقدمت له الرسالة الخطية، وما إن قرأها ورفع نظره حتى بدأت أحدثه عن الوضع الأمني مركزا على ما يدعو للاطمئنان دون تمويه حقائق الوضع الإقليمي وتداعياته على البلد، لكنه قاطعني قائلا بلهجة حازمة: "صدقني، ديمقراطيتكم كفيلة بالقضاء على هذا المشكل". وقال إن قطر عانت من ظاهرة "الإرهاب" والغلو، وعالجتها بالحوار وبتوضيح حكم الشرع، ونصح بأن نتبع المنهج ذاته، قائلا إنه لا علاج لهذه الظاهرة إلا بالحوار والإقناع. هنا بدا الأمير مرة أخرى شديد الإيمان بالديمقراطية، شديد الإعجاب بالطبعة الموريتانية، متشبثا بالحوار، مؤمنا بالقدرة على معالجة العنف الفكري والعملي بالقوة الناعمة. 

وبالعودة إلى موضوع البرلمان. قدمت له خرائط الأرض التي أعدتها الدولة لما أراد الأمير الطموح أن يكون "أكبر صرح برلماني عربي"، وكانت الدولة قد حجزت لهذا الغرض 5 هكتارات في منطقة س (C) في تفرغ زينه، وهي مساحة كبيرة قياسا إلى المكان الذي كان البرلمان يشغله، بل وقياسا إلى مكانه الحالي الذي رُحِّل إليه بعد تعثر ملف التعاون الموريتاني القطري. التفت الأمير إلى معاونيه الحاضرين وسألهم عن شركتين سماهما، أيهما أفضل وأسرع إنجازا؟ فزكوا إحداهما، فقال: قولوا لهم يستعدوا... ثم سأل عن الجامعة التي وعد ببنائها، فقلنا له إن الدراسة والتصاميم الأولية بحوزتنا أيضا، فأمر بإبلاغ رئيسة جامعة قطر وترتيب موعد لنا معها، ودعوتها لزيارته في مكتبه بشأن المشروع يوم الغد. ثم انتقلنا إلى الحلم الأميري (شنقيط الحاضنة لنصف مليون ساكنة المزودة بكل ما يرتفق به من معايش ونشاط منتج). هنا، قلنا للأمير إننا ما نزال بحاجة إلى إجراء دراسات حول الموارد المائية الجوفية المتاحة لضرورتها  لأي حركة عمرانية ذات كثافة. علق الأمير قائلا إنهم سيتولون إجراء الدراسة، وطلب إبلاغ ابنته الشيخة المياسة، لتقابلنا في اليوم الموالي، للاتفاق على الخطوات التمهيدية لمشروع شنقيط الحديثة. وهكذا تناولنا عددا آخر من الملفات، وكان الأمير في معظم الحالات يعطي التعليمات ويحدد المسؤول المعني ويأمر بترتيب لقاء لنا معه. وقال إنه طلب من القطاع الخاص القطري أيضا مواكبة الدولة في توجهها وانفتاحها الكبير على موريتانيا. وقال إن بعض معاونيه من الوزراء والمسؤولين القطريين لا يشاركونه الرأي، لكنه متمسك به. وكان مما ذكر في هذا الصدد أنه عرضت عليه مخططات مشروع الديار القطرية، فلم يرتح لمستوى الفندق ذي الخمس نجوم الذي كان مدرجا في المخطط، وقال إنهم تعللوا بأن موريتانيا بلد صغير نسبيا، وأنها ليست بلدا سياحيا.. قال: قلت لهم: "كم عدد سكان قطر؟ وكم عدد سكان موريتانيا؟" في إشارة واضحة منه إلى أن موريتانيا بهذا المعيار الكمي أوسع مساحة وأكثر سكانا من قطر، وبفارق كبير. قال: وسألتهم: "كيف كانت قطر قبل 20 عاما؟ وكيف أصبحت اليوم؟" في إشارة واضحة أيضا إلى ما يتوقع لموريتانيا من النمو والتطور، ثم قال: قلت لهم: "إنكم لا ترون مستقبل موريتانيا!". ولأنه كان يرى هذا المستقبل بعين استشرافية متفائلة، فقد أخبرنا في الجلسة ذاتها أنهم مستعدون لبناء المطار الدولي الجديد في نواكشوط، وأنهم يريدون أن يبنوا شبكة من المرافق الفندقية والسياحية الداعمة لمشروع المطار، وقال إنه يرى نواكشوط نقطة ربط محورية بين الآمريكتين والشرق الأوسط والأقصى، وأضاف: بل وبين أوروبا وإفريقيا أيضا. وقال إن الخطوط القطرية تريد أن تستفيد من هذه الميزة. وانتهت مقابلتنا مع الأمير حمد دون أن نسمع منه توجيها واضحا بشأن قطاع الزراعة، ولم أكن متلهفا لذلك، فقد كنت استبطأت بعض ملفات الزراعة، وتوجهت قبل سفري إلى الوزير آنذاك المرحوم كوريرا عيساكا، وخرجت من عنده شبه محبط، ذلك أنه لم يستطع أن يؤكد لي جاهزية أرض للاستثمار الخارجي إلا في حدود 2500 هكتار. وهي مساحة غير مغرية لكبار المستثمرين، لكن فريق العمل استطاع أن يحضر لنا أوراقا فنية حول عدد من المشروعات الزراعية والرعوية، منها استصلاح 25 ألف هكتار على ضفة نهر السنغال؛ وإنشاء مجمع زراعي على الضفة؛ وإطلاق مشروع لتنمية المواشي في الحوض الشرقي، متضمنا مجازر حديثه، ومصانع لتعليب الألبان ومشتقاتها، وتصنيع أعلاف الماشية، والصناعات الجلدية. ومنها مشروع لاستخدام تقنيات حصاد المياه لتحسين الزراعة المطرية والفيضية، ومشروع إحصاء عام للزراعة والبيطرة. 

وحين عدت إلى الفندق في المساء، وبعد صلاة المغرب، رن هاتف غرفتي، فإذا بالمتحدث يبلغني أنه في بهو الفندق وأنه يرغب في مقابلتي بتكليف من سمو الأمير. نزلت إليه على الفور، فإذا هو رجل وقور قدم لي نفسه باسمه المجرد (ناصر بن محمد الهاجري)، دون أي صفة وظيفية. وعلمت من بعد أنه رئيس مجلس إدارة شركة "حصاد" المهتمة بالأمن الغذائي لقطر. قال لي: كلفني سمو الأمير بالقدوم إليك لأخبرك أننا مهتمون "وعلى وجه الاستعجال"  بالاستثمار في مشروع زراعي رعوي كبير تكون له ثلاثة أهداف متدرجة: الأمن الغذائي لموريتانيا أولا، والتصدير لقطر ثانيا، ثم التصدير لبقية العالم ثالثا. قدمت إليه ملفات المشروعات التي بحوزتي، فوعد بالنظر فيها والرد سريعا. وهنا أيضا تأكدت لدينا جدية الأمير في توجهه نحو موريتانيا وحرصه على سرعة الإنجاز. 

وبالرغم من أن العرف يقضي، كما أخبرني سعادة السفير، بأن يعجل المبعوث سفره متى ما قابل القائد وسلمه الرسالة، فإن الزيارة تحولت إلى زيارة عمل ذات برنامج مكثف على مدى أربعة أيام، حيث تكفل الديوان الأميري بترتيب مواعيد مع جميع المسؤولين الذين صدرت لهم تعليمات من سمو الأمير بشأن ملفات التعاون، وكنت سعيدا بذلك لأنني لست مجرد مبعوث يحمل رسالة تنتهي مهمته بتسليمها، بل أحمل مسؤولية أخرى هي تنسيق ملف التعاون، وهي مهمة تتطلب متابعة لا يكفي فيها تسليم رسالة. وهكذا كانت لنا لقاءات أخرى مع السادة والسيدات: يوسف حسين كمال وزير المالية؛ وفيصل بن عبد الله آل محمود، وزير الأوقاف والشئون الإسلامية؛ والشيخة المياسة سليلة الأمير، رئيسة مجلس أمناء هيئة متاحف قطر؛ والشيخ ناصر بن حمد آل ثاني، المدير العام لشركة قطر ستيل؛ و أ.دة. شيخه عبد الله المسند، رئيسة جامعة  قطر؛ وسيف علي الحجري، نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر (المدينة التعليمية). 

وكانت على مائدة المحادثات، خلال هذه اللقاءات، حقيبة مشروعات كبيرة ومتنوعة منها، إضافة إلى ما ذكر من المشروعات الزراعية الرعوية عاليه: المشروع الحالم لإحياء مدينة شنقيط وجعلها ثاني مدينة من حيث عدد السكان في موريتانيا؛ وطلب خاص بزيادة الوديعة المصرفية القطرية لدى البنك المركزي؛ ومشروع المطار الدولي؛ ومشروع العوج لمناجم الحديد؛ ومشروع لتوسيع الطاقة التخزينية لشركة سوماغاز؛ ومشروع شركة مشتركة للطيران؛ وطلب من قطر بالتصديق على اتفاقية ثنائية حول الطيران المدني أكملت قطر إجراءات التصديق عليها؛ ومنح دراسية لموريتانيا في مجال الطيران وفي تخصصات أخرى؛ ورغبة لدى القطريين في الحصول على رخصة للتنقيب عن الغاز؛ ومشروع لصيانة وترميم جامع قطر؛ وبناء مقر جديد للمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية؛ ومشروعات وقفية؛ و11 مشروعا في مجال السياحة، منها بناء مدرسة للتكوين الفندقي والسياحي، ومشروع لتطوير الصناعة التقليدية، ومشروع للتكوين والتدريب في مجال السياحة؛ ومشروع للصناعات السمكية؛ وأكثر من 10 مشروعات للشباب بينها بناء مجموعة من الملاعب. وشملت حقيبة المشروعات أيضا إنشاء ثانويتي امتياز نموذجيتين؛ وبناء الحرم الجامعي الجديد بكلفة تربو على 92 مليون دولار آمريكي. كما تضمنت الحقيبة مشروعا لتحلية المياه وبرامج مائية أخرى؛ ومشروع بناء مركز لإيواء المعاقين؛ ومشروعا لدمج الأطفال المعاقين. 

نوقشت هذه المشروعات وغيرها أثناء اللقاءات مع المسؤولين الحكوميين، وتأكد لنا أثناء النقاش ما ذكره سمو الأمير من أن بين كبار المسؤولين من لا يشاطره رؤيته للتعاون مع موريتانيا، ولكنهم جميعا أكدوا التزامهم بتوجه الأمير، ففي مقابلتنا مع وزير المالية، أخبرنا أنه شخصيا لا يرى لمشروع المطار وشبكة الاستثمارات السياحية المصاحبة أهمية بالنسبة لقطر، خاصة وأن "قطر للطيران"، كما قال، تجد صعوبات في تغطية التزاماتها الحالية وأنها ستتأخر في تسلم طائرات أبرمت بشأنها صفقات. وقال إنه يعلم أن عليه، رغم ذلك، أن يقدم لسمو الأمير رؤية إيجابية بهذا الشأن، لأن تلك هي رغبة سموه، وأضاف إن مما قد يعين على تنفيذ رغبة سمو الأمير ما يعلمه من أن كثيرا من شركات الطيران ستعلن الإفلاس بسبب غلاء أسعار الطاقة، وأن هناك 10 شركات طيران أعلنت فعلا إفلاسها، وبذلك قد يتيسر لقطر تعزيز أسطولها الجوي بالحصول على طائرات مستعملة بأسعار رخيصة. وقد أكد وزير المالية أيضا استعدادهم لزيادة حجم الوديعة المصرفية لدى البنك المركزي وكان من المتوقع أن ترتفع إلى ما بين 100 و200 مليون دولار لضمان تغطية الاستيراد لفترة شهرين، وأن تكون بدون فائدة أو بشروط ميسرة. وقد دعت الشيخة المياسة لحضور اجتماعنا معها عددا من الشخصيات من بينهم الشيخ حسن بن محمد بن على آل ثاني، نائب رئيس مجلس أمناء الهيئة القطرية للمتاحف، وتقرر أثناء الاجتماع برمجة البعثة الأولى بقيادة سعادته في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الموالي. وكنا نعلق أملا كبيرا على هذا المشروع، لأننا حصلنا على قرار من المؤتمر العام لوزراء الثقافة في الدول الإسلامية باختيار مدينة شنقيط عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2011، ورجونا أن يمكن حلم أمير قطر من تأهيل المدينة بالقدر الممكن قبل الموعد (وقد تنازلت موريتانيا من بعد عن هذا الاختيار).  أما وزير الشؤون الإسلامية فقد أبدى علاوة على الملفات المعروضة من جانبنا اهتماما خاصا بالتعاون في مجال تحقيق المخطوطات ونشرها. وأما المدير العام لشركة قطر ستيل، فقد أكد احتفاظ الشركة بنسبة 15% من رأسمال مشروع العوج للحديد، واستعدادها لرفع حصتها إلى 49.9 % إذا منحتها الدولة رخصة لاستخراج المياه الضرورية للمنجم، وقبلت شركة مناجم الحديد الموريتانية (سنيم) توقيع اتفاقية بشأن النقل وتعريفته، والتزمت بتأمين  الدعم والخبرة الفنية. وكذلك، لقينا استعدادا طيبا لدى بقية المسؤولين الذين قابلناهم. 

ولأن سمو الأمير أخبرنا بأنه طلب من القطاع الخاص القطري أن يواكب الدوائر الحكومية في توجهها نحو موريتانيا فقد رتب لنا الديوان الأميري مجموعة لقاءات مع بعض المستثمرين الخواص، كان من بينهم الشيخ فيصل بن قاسم بن فيصل آل ثاني، رئيس رابطة رجال الأعمال القطريين، وكان من ضمن اهتماماته حشد التمويل لبناء مدينة سياحية في نواذيبو، كما عبر عن اهتمام بالاستثمار في حي "ابلوكات" في نواكشوط، وفي القطعة الأرضية الواقعة بجانب الملعب الأولمبي. كما رتب لنا لقاء مع السيدين إبراهيم حسين الأصمخ المدير العام لشركة ريجنسى القابضة، وظافر مصطفى حلاوة، المدير العام لشركة تدمر العقارية، مفوضين أيضا من قبل مدير شركة القمم (كان مسافرا) لتمثيله في المحادثات. وقد دار الحديث معهما حول استثمار قطع أرضية منحت لهما ولزميلهما مدير القمم. وبالرغم من اعتراضهما على أن القطع التي منحت للثلاثة بمساحة 25 هكتارا لكل منهم، غير متصلة بطريق نواذيبو، بل بينها وبينه مساحة مهمة، فقد قبلوا ثلاثتهم أن يسددوا رسوم القطع الثلاثة، وطالبوا في الوقت ذاته بمنحهم مساحات إضافية تضمن اتصال أرضهم بطريق نواذيبو، على أن يدفعوا رسومها أيضا.

وكان من المؤشرات الدالة على جدية مسار التعاون على مستوى القطاعين العام والخاص من الجانب القطري أن طلبت عدة شخصيات قطرية غير المذكورة قطعا أرضية للمساهمة في إعمار موريتانيا، وتلقيت بعد سفري رسالة من د. سعد محمد الرميحي منسق الملف من الجانب القطري تؤكد التزامه بمتابعة سائر الملفات طبقا لتوجيه سمو الأمير، ووصلت إلينا رسالة بتاريخ 9 يوليو 2008 من جهاز قطر للاستثمار تستأذن في ترتيب زيارة قريبة لموريتانيا، كما اقُتُرح علينا استقبال بعثة خاصة بمشروعات الزراعة والثروة الحيوانية اعتبارا من يوم 12 أغسطس، فوافقنا بطبيعة الحال، وأرسلت الشركات الخاصة الثلاثة (الأصمخ وتدمر وقمم) سندا يثبت تحويل ما قيمته مليار و800 مليون أوقية إلى حساب الخزينة العامة، سدادا لرسوم القطع الأرضية الثلاثة. وقد تمكنت من الحصول من الخزينة العامة على سند يثبت وصول المبلغ وحرصت على أن أحول السند إلى المعنيين بالبريد السريع المضمون (DHL)، وبعثت إليهم نسخا عبر البريد الألكتروني، وذلك قبل أن أقرر مغادرة موقعي إثر التغيير الذي حدث، ستة أيام قبل الموعد المقرر لوصول أول بعثة متابعة قطرية، وهو موعد تأجل بطبيعة الحال، وتأجلت معه مواعيد أخرى. وتلك قصة أخرى لسنا إليها، فإن ما يهمنا هنا هو الإدلاء بشهادة عيان عن جوانب من شخصية الأمير الراحل، وبعض سماته القيادية، وعن تحمسه الكبير للتعاون مع موريتانيا تحت تأثير صورة ذهنية خاصة عنها، لم تعمر طويلا. والواقع أن جذوة تلك العناية لم تخب كليا بالرغم مما علق بالصورة الذهنية لدى الأمير عن "الديمقراطية الموريتانية"، فقد ظلت قطر وما تزال إلى اليوم مستمسكة بحبل ود خاص لموريتانيا وللموريتانيين، تشاركها فيه بالتأكيد دول أخرى من بينها بقية دول الخليج العربي، وعلى الأخص المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، بالنظر إلى عدد الموريتانيين الذين أتيحت لهم في هذه الدول فرص الخدمة والتألق في مختلف المجالات، وإن ظهرت قامات موريتانية باسقة احتضنتها دول خليجية أخرى. وكان مما ميز قطر جمعها بين ما قد يبدو متعارضا، فقد كانت مأوى كريما للرئيس الموريتاني الأسبق معاوية بن سيدي أحمد الطايع حفظه اللـه، واحتضنت الرئيس الراحل اعلي بن محمد فال، رحمه اللـه، وهو الذي قاد موريتانيا في مرحلة انتقالية بعد الانقلاب على الرئيس معاوية، فاختاره الأمير حمد عضوا في مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية، إلى جانب أعلام آخرين منهم د. علي فخرو، و د. خالد بن محمد العطية، والصادق المهدي، و د. سعد الدين إبراهيم، و د. محمد عابد الجابري، و د. عزمي بشارة، وماري روبنسون الرئيسة السابقة لإيرلندا والمفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وإيما بونينو وزيرة الخارجية الإيطالية سابقا، عضو البرلمان الأوروبي وناشطة في مجال حقوق الإنسان. 

***

باستدعاء ذكريات وأحداث لم تنشر من قبل على النحو الذي تجدونه عاليه، أردت أن أتملك ريشة أرسم بها جانبا من صورة أمير أحب بلدي، فكانت له بذلك ذمة في عنقي وفي عنق أهل البلد، لكنها في الوقت ذاته وعلى مستوى أعم، صورة أمير مستمسك بتراث أمته، منفتح على عصره وآليات حكمه الشوروية (الديمقراطية، الحوار، مواجهة العنف بالقوة الناعمة، التداول السلس على الحكم ....). إنها أيضا صورة أمير يكره الروتين والتسويف، يحرص على الإنجاز، يفكر من خارج الصندوق، يحمل طموحا لا حدود له، ينظر إلى المستقبل بعين فاحصة، يتمثل في ما تابعنا من عمله ضمنا بقول الشاعر: 

إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ** مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم

هناك بالتأكيد قصص أخرى كثيرة تشهد لأن الأمير كان شخصية غير نمطية، ذات وعي خاص وفكر غير تقليدي. من تلك القصص، على سبيل المثال، قصة الجزيرة التي وصفها رئيس عربي ذات زيارة لمقرها بأنها "علبة كبريت"، لكنها – مهما اختلفت الآراء بشأنها – ضاعفت حجم قطر المكاني والسكاني أضعافا كثيرة، وجعلت نقل الخبر والتعليق عليه بالرأي والرأي الآخر أداة، لا لمجرد نشر الحدث بل لصناعته. ومن تلك القصص قصة تنازل الأمير طواعية عن عرش الإمارة، ومنها تأسيسه للمؤسسة العربية للديمقراطية في نفس العام (2007) الذي وقع فيه أول تداول سلمي سلس على السلطة في موريتانيا عبر انتخابات شفافة، ومنها غير هذا وذاك، لكن الملف الذي سردنا بعض أحداثه، لأول مرة، هو أيضا قصة شاهدة في هذا السياق. وهو بعض المتاح في تأبين الأمير الراحل وتعزية ذويه... وهو من بعد طريقتنا التي نقول بها: لئن كان قد رحل، لقد بقي حيا في الذاكرة، رحمه اللـه رحمة واسعة...  

وقديما قال شوقي: 

دقات قلب المرء قائلة له ** إن الحياة دقائق وثوانِ

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها ** فالذكر للإنسان عمر ثانِ

بل قال أصدق القائلين على لسان أبي المسلمين عليه السلام: 

﴿وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ﴾.

الشيخ الخليل النحوي