من عبد الناصر إلى خامنئي: حين تصنع "إسرائيل" أعداءً أقوى

من عبد الناصر إلى خامنئي: حين تصنع "إسرائيل" أعداءً أقوى

يُبرز التقرير الانكسار الاستراتيجي لـ"إسرائيل" وتكرار فشلها التاريخي، فكما عجزت في عدوان 1956 عن إسقاط نظام عبد الناصر واضطرت للانسحاب، انكسر زخمها العسكري في حرب 2026 بعدما عجزت عن إسقاط النظام الإيراني، لتبوء أهدافها الوجودية بالفشل.

 

  • الكاتب: قاسم س. قاسم
  • المصدر: الميادين نت

     

عندما أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر، في 26 تموز/يوليو 1956، تأميم قناة السويس، رأى البريطانيون والفرنسيون أن مصدر دخلهم الحيوي، وطريقهم إلى مستعمراتهم، الهند تحديداً، أصبحا تحت سيطرة دولة اعتبروها خارج دائرة نفوذهم. أما "إسرائيل"، "الدولة" الوليدة حديثاً، فشكت من تهديد مصر المتكرر بإغلاق مضيق تيران، ومن عمليات الجيش المصري والفدائيين في غزة.

في تلك اللحظة، التقت مصلحة "إسرائيل" مع مصلحة بريطانيا وفرنسا، وكان الهدف مشتركاً: إسقاط نظام عبد الناصر، وإعادة سيطرة الأوروبيين على القناة، وتحويل "إسرائيل" إلى قوة إقليمية يمكن الاعتماد عليها.

خطة العدوان اقترحتها بريطانيا وفرنسا على "إسرائيل"، وسمعها للمرة الأولى مدير مكتب "بن غوريون"، شمعون بيريز، من الفرنسيين، وهي أن تبادر "إسرائيل" إلى اجتياح سيناء، ثم تصدر بريطانيا وفرنسا إنذاراً لطرفي النزاع بالانسحاب، وعند رفض القاهرة تنضمان إلى "تل أبيب" في الهجوم، وهو ما حصل.

ما عُرف بالعدوان الثلاثي عام 1956، كان أول حرب تتحالف فيها "إسرائيل" مع قوى عظمى لتحقيق أهداف تُعدّ وجودية بالنسبة لها: التخلص من نظام عبد الناصر وتهديده. بعد سبعة عقود، تكرر السيناريو نفسه، هذه المرة في حرب مختلفة أمام "عدو" مختلف، وبالتحالف مع إمبراطورية مختلفة، لكن الهدف نفسه: تغيير نظام يُعدّ إسرائيلياً "تهديداً وجودياً".

بعد نهاية المعارك، وفشل "إسرائيل" وفرنسا وبريطانيا في تحقيق أهدافها، وبعدما تسببت الحرب بزيادة شعبية نظام عبد الناصر في العالم العربي، خطب بن غوريون أمام الكنيست، وقدّم زعيم حزب مباي الحرب على أنها "عملية عسكرية مجيدة"، حررت سيناء بالكامل، ولم تهدف إلى احتلال الأراضي المصرية أو تغيير النظام، وأن الهدف كان ضمان حرية الملاحة وحماية الحدود.

وكعادة "إسرائيل" في تصوير نفسها بريئة، قال بن غوريون إن سبب العدوان هو تهديدات ناصر المباشرة وإغلاقه المضيق، إضافةً إلى الوحدة العسكرية بين مصر والأردن وسوريا، التي اعتبرها بن غوريون تحالفاُ يهدف إلى "حرب حتى الموت" ضد "إسرائيل".

قبل الحرب، أراد بن غوريون أن تبدو مصر كأنها هي من بادرت إليها، قائلاً: "لا أحبذ أن نبدأ حرباً، لكنني لا أعارض القيام بعملية قد تتسبب في حرب". لذلك قرر إرسال وحدات إمداد إسرائيلية إلى طرق تطل على نقاط عسكرية مصرية في قطاع غزة، لتكون طعماُ يدفع الجنود المصريين إلى إطلاق النار عليها، بما يتيح لـ"إسرائيل" الرد، وهو ما جرى فعلاً.

في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1956، أطلقت "إسرائيل" عملية "قادش"، وفي أيام سيطر "الجيش" الإسرائيلي على كامل شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة. غير أن نجاح الحملة العسكرية اصطدم بطلب الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وقف إطلاق النار، وأصدر مجلس الأمن قراراُ يطالب بالانسحاب.

رضخت بريطانيا وفرنسا للضغط الأميركي، ما أدى إلى انهيار التحالف الثلاثي. واضطرت "إسرائيل" أيضاً إلى الانسحاب من سيناء بحلول آذار/مارس 1957، في مقابل تعهد دولي بضمان حرية الملاحة عبر مضيق تيران، وإرسال قوة أممية إلى سيناء. ورغم أن تلك الترتيبات وفّرت لـ"إسرائيل" منفذاُ بحرياُ إلى آسيا عبر البحر الأحمر، فإنها فقدت المكاسب الإقليمية، وأدركت أن بريطانيا وفرنسا لم تعودا قادرتين على مواجهة واشنطن.

كانت أزمة السويس نقطة تحول في علاقات "إسرائيل" بالقوى العظمى، فقد أدركت القيادة الإسرائيلية أن الاعتماد على إمبراطوريات أوروبية منهكة لم يعد خياراُ آمناُ، لتبدأ مرحلة التقارب مع الولايات المتحدة بوصفها القوة الوحيدة القادرة على توفير مظلة حماية.

ما علاقة كل هذا بيومنا هذا؟ في 28 شباط/فبراير 2026، أعلنت واشنطن وتل أبيب إطلاق عملية مشتركة بأسماء مختلفة: "الغضب الملحمي" في الإعلام الأميركي، و"الأسد الزائر" في الإعلام الإسرائيلي. صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن هدفه "حملة ضخمة وطويلة" تستهدف تدمير الصواريخ الإيرانية والبحرية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. بينما أكد بنيامين نتنياهو أن الهدف هو إزالة "التهديد الوجودي" لـ"إسرائيل" وإزالة خطر النظام الإيراني.

في العدوان الثلاثي، كان هدف الحرب أكبر من أن يتحقق، وهو شبيه بما جرى اليوم بعد العدوان على إيران. في عام 1956، كان الهدف تغيير نظام عبد الناصر، لكن الحرب زادت من قوته. واليوم، ما جرى مع إيران مطابق لتلك الحرب: بقي النظام الإيراني وازداد قوة. في عام 1956، تحالفت "إسرائيل" مع بريطانيا وفرنسا، وكانتا إمبراطوريتين تفقدان نفوذهما، وأدى انهيار هذا التحالف تحت ضغط واشنطن إلى إدراك إسرائيلي بأن الاعتماد على القوى الأوروبية لم يعد عملياُ. وفي حرب 2026، شكلت "إسرائيل" تحالفاُ أوثق مع الولايات المتحدة، لكن التباين في أهداف ترامب ونتنياهو داخل العملية أظهر أن هذا التحالف، عندما يصطدم برغبة الإمبراطورية، وفي هذه الحالة الولايات المتحدة، يصبح غير قابل للاعتماد، وأن الإمبراطورية تطحنك.

في عدوان 1956، استطاعت "إسرائيل" فتح مضيق تيران، لكن الهدف الأهم الذي كانت تريده لم يتحقق، ولم تستطع إسقاط نظام عبد الناصر. أما في حرب 2026، فحققت "إسرائيل" والولايات المتحدة بعض الأهداف المباشرة، مثل تدمير أجزاء من البرنامج النووي الإيراني، وقتل قيادات في الحرس الثوري ومرشد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي، لكن البرنامج النووي لم ينتهِ بالكامل. صحيح أن إيران خسرت مئات المواقع والمصانع، لكنها ردت واستهدفت القواعد الأميركية ودول الخليج.

والأهم من كل هذا أن إيران أثبتت أن نظامها متين وصامد أمام الأعداء، وأن هذه الحرب، التي أرادت "إسرائيل" والولايات المتحدة إسقاط النظام الإسلامي فيها، أخرجته أقوى، وجعلت إيران متسيّدة على المنطقة، حتى لو تواضعت طهران في إعلان ذلك. أما النتيجة الأهم والأبرز لهذه الحرب، فهي كسر الزخم الإسرائيلي في المنطقة منذ عام 2023، وإدراك "تل أبيب" حجم قدرتها: فهي لا تستطيع شن حرب طويلة من دون الدعم الأميركي.

تثير المقارنة بين حملتي 1956 و2025–2026 سؤالاً جوهرياً: هل التحالف مع قوة عظمى يضمن لـ"إسرائيل" الأمان، أم يحوّلها إلى أداة في صراعاتها؟ في عام 1956، اكتشفت "إسرائيل" أن بريطانيا وفرنسا لم تعودا قادرتين على مواجهة الولايات المتحدة، فخرجت من الحرب بنتائج محدودة، واضطرت لاحقاً إلى الاندراج تحت العباءة الأميركية. وفي حرب 2025–2026، استطاعت "إسرائيل" توظيف القوة الأميركية لتحقيق ضربات بعيدة المدى، لكنها دفعت ثمناً اقتصادياً وسياسياً، وبقيت النتيجة غير محسومة. كما أن اختلاف أهداف ترامب ونتنياهو أظهر أن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن تحكمها حسابات تتجاوز المصلحة الإسرائيلية البحتة.

أما أكثر ما يثير الاهتمام، فهو تكرار النمط التاريخي: "إسرائيل" تتحالف مع إمبراطورية مهيمنة، تضعان أهدافاً كبيرة، تحققان نجاحات عسكرية أولية، ثم تأتي نهاية غير مكتملة وانكسار استراتيجي. ورغم اختلاف الأزمنة والظروف، فإن "إسرائيل" والولايات المتحدة، في عدوانهما الأخير على إيران، زادتاها قوة وسيطرة، وأكدتا لها أن مضيق هرمز أهم من القنبلة.