بعث إليَّ الباحث الجاد محمد مولود الأحمدي نسخة رقمية من كتابه الموسوم ب " الذكاءات الجغرافية في تدبير المجال الصحراوي"، فقرأته قراءة متأنية وأجلت فيه الطرف كرتين، ولعلم القارئ الكريم فإنني قد أصبت مؤخرا بعقدة نفسية في مجال المطالعة أسميها "عقدة العشرين صفحة الأولى"، فعلاقتي مع أي كتاب تتحدد في بداياته، فأغلبها أواصل مطالعته حتى أكمله، وبعضها أضرب عنه صفحا بنية عدم العودة إليه، وأضعه في جانب قصي من المكتبة.
فتحت كتاب الذكاءات صباح الجمعة ولم أرفع عيني عنه حتى أكملته كله، وقرأت تقاريظه وملحقاته، وقد أعجبت بموضوعه لأن ثقافتنا الحسانية شفاهية، ونادرا ما يشرع الباحثون الجادون أقلامهم نحوها، فإذا وجدتْ الباحث المهتم الذي يمتلك ملكة الكتابة والقدرة على التحليل والاستنطاق فلا شك أنه سيخرج لنا منها بنات أفكار غوال لا تعار ولا تباع.
قسم المؤلف مصنفه إلى ثلاثة فصول، ولم يكن ذلك اعتباطا فثقافة مجتمع "البيظان" تعطي أهمية بالغة لما يسمى ب "الثلاثيات" تجلت في أكثر من مجال؛ فالأعياد وأيام الضيافة ثلاثة، و الأثافي والوجبات اليومية ثلاث، و كذلك جيمات الشاي و عدة إدارة كؤوسه، و طرق "الهول" وشواهد "الكَرسْ" ورحلات الشرع، و ضربات الرحيل …وقد جاءت فصول الكتاب متوازنة ومتناغمة، حيث خصص الباحث الفصل الأول للاتجاهات الجغرافية والتقويمات الزمنية، والثاني للفلك والمناخ، والثالث للذكاءات الجغرافية.
لقد وثق الباحث الأحمدي بين دفتي كتابه الكثير من المرويات الشفهية المهددة بخطرين أولهما الانقراض بسبب موت الرواة وقلة الوعاة، والثاني التحريف، فكل إعادة لرواية قصة ستحمل بصمة للقاص وهو ما يؤدي مع الوقت للتحوير والتغيير، ولكن الباحث أخذ العلم من أفواه الرجال، واعتمد على الثقات، ووثق الروايات، فجاء كتابه خاليا من التكرار والاجترار مفيدا للمهتمين بالثقافة الحسانية والباحثين في مجالات الأنثروبولوجيا.
قلم الباحث محمد مولود سيال ولغته جميلة ومنسابة، ابتعد فيها عن التقعير وتوظيف حوشي اللغة، وصانها عن الابتذال، كما حضرت في ذهنه أثناء كتابته مختلف أذواق قرائه، فترك للقارئ الحساني المسميات والمصطلحات على حالها لأنها سيجد فيها ذاته ويفهمها، وزود القارئ العربي ببعض الإيضاحات والتفصيلات تساعده في فهم كنه مصطلحات أهل الصحراء وتمثل ثقافتهم.
ظهر الذوق الأدبي الرفيع للمؤلف من خلال الشواهد الشعرية التي استدعاها من ذاكرته بين ثنايا الكتاب، فأغلب الكفان واطلع التي استشهد بها جميلة و"مرفودة" كما عزا أغلبها عزوا صحيحا، والحقيقة أن الباحث عندما يعثر على الشاهد الشعري الذي يخدم طرحه لا يهتم عادة بمدى الجودة الشعرية للنص، وإنما يركز على محل الشاهد المتعلق عادة بورود اللفظ، ولكن المحمدي حكم ذائقته الشعرية وانتخب للقارئ نصوصا رصينة من أدب الحسانية.
يلاحظ القارئ المتمعن للفصل الأخير من الكتاب أن المؤلف ابن بيئته، ويكتب عن ما يعرفه، ويحدث بما شاهده، فقد خبر حياة الحل والترحال، وبحث عن الضوال الهمل وسقى العطاش عند كل بئر ثقيل عندها سقي الطياش، وقد أعطى هذا المعطى مصداقية كبيرة للكتاب وزاد من قيمته العلمية فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
يمثل كتاب " الذكاءات الجغرافية في تدبير المجال الصحراوي"، إضافة نوعية للمكتبات البيظانية بصورة عامة، والمغربية على وجه الخصوص، وتتمثل قيمته المضافة في حفاظه على تراث حساني أصيل بات مهددا بالعديد من الأخطار مثل قضايا الهجرة، والعولمة، وتسونامي الذكاء الاصطناعي، وهو ما يستدعي من سدنة الثقافة الحسانية بذل المزيد من الجهد في سبيل صون التراث الحساني اللامادي وتوثيقه وتقديمه للنشء في قوالب حديثة تمكنه من الاطلاع عليه واكتشافه عن قرب.
كتبه على عجل ووجل عبيد ربه الفقير إليه يعقوب بن اليدالي
ضحى الجمعةالموافق 27 مارس 2026 في مدينة نواكشوط حرسها الله.
