نظم الدر واللجين في سيرة الصنوين وتقاريظ الشعراء والأدباء له

نظم الدر واللجين في سيرة الصنوين وتقاريظ الشعراء والأدباء له

 

أثار نشر نظم الدر واللجين في مناقب الصنوين ديمان وإيجكي، نقعا في الساحة الثقافية، فقد تواصلت معي العديد من الشخصيات الثقافية والأدبية وحطولُ مرغايَ ما خاسر اعليه ش، والحقيقة أنه نظم بارد وسارد عقدت به بعض الحكايات التي سمعتها من الكهلات، ولولا كثرة أخبار صديقي محمد محمود بن محمدو عيسى لبقي بين ثنايا الكناش سنين عددا، ولكن قدر الله وما شاء فعل.

توصلت بالعديد من التقاريظ الجميلة التي تنوه بشكل النظم ومضمونه، وبما أنني من نسل ديمان الذي أشبه عمه فسأنشرها اليوم لكي يعلم متابعو الصفحة أن صاحبهم مستبجك حتى النخاع، وأنه يمرق من أخلاق أهل إكيد كما يمرق السهم من الرمية.

ونزولا عند رغبة من لاتسعني مخالفته  فسأعيد نشر النظم أولا ثم أشفعه بالتقاريظ التي وصلتني مؤخرا:

أولا: النظم

الحمد لله على الآباء
فسِرُّهم يسري إلى الأبناء

مصلياً على النبي الخاتِم
متمم الأخلاق والمكارم

وبعد فالمقصود نَظمٌ يُوضِحُ
أمر الأخَيْنِ وله يُصَحِّحُ

سميته بالدُّرِّ واللُّجَيْنِ
في سيرة الندبين والصِّنْوَينِ

يتفق الشيوخ في أرض القتادْ
وضبطهم به الجميع قد أشادْ

بأن ديمانَ وإِيچِكِّ العَلَمْ
صِنوانِ قد تمَثَّلا بعض القيَمْ

فأصل ذين الأخوين مؤتلفْ
وطبعهم بين الأنام مختلفْ

فكم أتى من بطن رَابِغٍ نقيضْ
كصَابِغٍ ودَابِغِ الجِلْدِ الرَّحيضْ

فقولُ ديمانَ وفعله وَضَحْ
فما أبيح افعلْ ودعْ ما لم يُبَحْ

والصِّنْوُ طبعه يميل للوضوحْ
والفَخْرِ والطُّمُوحِ أيضاً والجُمُوحْ

بُو النَّاسِ بالحلم وبالعقل اشتهر
وفي بنيه سره قد انتشر

أبناء ديمان ثلاثة تُعَدْ
محنض يعقوبٌ وأحمدُ وَقَدْ

إيچِكّ قد نما ثلاثة وَقَرْ
رَ عينهُ بهمْ ونسلهم بهر

فبكره من حذقه وخبرتِهْ
قام له المرحوم عن هيدورتِهْ

أما الصغير فهو من يُعَوَّلُ
عليه دوماً والفتى المُدَلَّلُ

وانتشرت ذريَّةٌ للرجلينْ
واختلفت أخلاقُهاَ مِنْ شِبْهِ ذَيْنْ

فأشبهت "دَيَامِنٌ" إِيچِكّي
فِي مَدْحِ أَهْلِهِمْ وقَوْلِ الحكِّ

وَبَعْضُ إِيچِكّي تَشَبَّهُوا بِعَمْــ 
ــمِهِمْ فأَصْبَحُوا سَناً عَلَى عَلَمْ

وإن أردت زَوْرَةَ الصِّنْوَيْنِ
فَخُذْ دَلِيلاً يَعْرِفُ القَبْرَيْنِ

دَيمانُ مدفونٌ بقرب انْفَزِّ
وكم حوت من العُلا والعزِّ

وقَبْرُ إِيچِكّ لدى الخبيرِ
مُشَهَّرٌ بقرب نجد البيرِ

إِيچِكّ ذا شخصية مُختلقه
أخبارها موضوعة مُلفقه

يُعَبِّرُ القَوْمُ بهَا عن غيرهمْ
ومن يحيد منهمُ عن سيرهم

وكل ما نظمته من المقالْ
أخذته عن بعض ربات الحجالْ

وجهله يضر بالفتيان
(يارائما هزل بني ديمان)

ثانيا: التقاريظ

تواصلت معي خلال الأيام الماضية عدة شخصيات علمية وثقافية، وعبرت لي عن إعجابها بشكل النظم ومضمونه، ورغم أن هذا يدخل غالبا في هامش المجاملات وحسن الخلق، إلا أن بعض الأدباء عبروا عن شعورهم بالشعر وبعثوا إلي بتقاريظ جميلة سأضيفها للسيرة الذاتية فشهادة المبرزين ماهي أرك عندي من ازغب

كتب الدكتور الأديب محمد فال بن زياد ما يلي:

أخي الباحث يعقوب أهنئكم بهذا النظم العذب السلس الذي طرقت من خلاله موضوعا بكرا وعالجته  بأسلوب طريف وظريف، وسألخص تعليقي عليه في الخاطرة التالية:

يشهد الكاتبون بالخافقين
أن در اللجين در اللجين

باحث في الأصول يلحق بالأم
فروعا تجلو العمى كالجويني

دقق الفرق بين ديمان و إِيچِكّ
وما في الأنام من شبه ذين

أما الشيخ المفتي والأديب المصقع أحمدو بن محمد بن عمر فقد تواصل معي هاتفيا من مدينة نواذيب، وعبر لي عن إعجابه بالفكرة مشيرا إلى أنها تدخل في إطار نفض الغبار عن تراث شفاهي بات مهددا بالإنقراض، ثم أتحفني بالأبيات الجميلة التالية، التي تذكر بشعر اجمد وأبناء مامين وول اعبيد الغالي رحمة الله عليهم أجمعين:

نظم يعقوب في صفات الأخين
فاق في حسنه نضار اللجين

فهو للسامعين يحلو سماعا
وهو للناظرين قرة عين

قد أفاد الجميع ما قد  حواه
من طباع الصنوين والعلمين

وهو لا غرو إن يفدنا جميعا
فهو أهل لذاك من دون مين

بارك الله فيه جل وأولا
هُ جميع المأمول في الدارين

وفي ذات السياق تراسل معي الدكتور والباحث والكاتب محمدو بن احظانا عبر منصة واتساب، وأكد لي أنه يتابع باهتمام كل ما ينشر في الصفحة وأنها تجمع بين الإفادة والطرافة، وهما صفتان من النادر على الكتاب الجمع بينهما، وفيما يتعلق بموضوع النظم قال إنه حسب علمه غير مطروق في أدبيات أبناء ديمان ونوه بانسيابته وعفويته، وختم رسالته ببيتين جميلين جعل منهما خلاصة لمراسلتنا وهما:

وكل من خرج عن مشهور
أبناء ديمان من الجمهور

فهو إيچگ بلا خلاف
وذا من التصريح جد كاف

كما تواصل معي الدكتور الأديب محمد عالي بن أكيبد من دولة قطر ، وعبر لي عن إعجابه بالطريقة التي عالجت بها هذه السرديات الهامة، ثم علق على المنشور بكاف طريف يقول فيه:

هًذُ الْكَوْمْ أجْدُودِ لَثْنَيْنْ
إِيجَكِّ بُويَ منْ صُلْبُ 
ؤُدَيْمَانَ ؤُلاَهْ امْنَ الدَّيْمينْ
ابْنُ مِنْ صُلْبُ مَا نَجْبُ

وفي إطار التفاعل مع موضوع النظم تواصل معي عبر تطبيق ميسنجر من دولة الإمارات العربية المتحدة الأديب اللبيب والأستاذ المحترم الشيخ أحمد محمد المامي، وأخبرني أنه من متابعي الصفحة، ونوه بجودة وجدة النظم وأهمية موضوعه ثم بعث لي الأبيات الجميلة التالية:

يعقوب قد أجاد في اللجين
في سيرة الندبين والصنوين

يَبْيضُّ حبره إذا هو نثر
بيض شمائل حسان وغرر

سرى إليه سر آباء سرى
ذكرهمُ عطرا شذيا في الورى

عن ذلك النهج القويم لم يحد
بل فاق في اتباعه كل أحد

وفي ذات السياق، فقد بعث إلي الأديب والأستاذ المثقف باباه الحافظ رسالة عبر الإيميل جاء فيها ما يلي:

السلام عليكم ورحمة االه تعالى وبركاته،

أخي الفاضل الدكتور يعقوب اليدالي،

لقد اطّلعت على نظمكم الممتع بعنوان: نظم الدر واللجين في سيرة الصنوين، ولقد أعجبني - بصراحة - لدرجة أنه جعلني أتطفّل على الشعر ولعل ذلك على شرط لم يقع، فقلت:

إن نظما كالدرّ أو كاللجين
نال منّا رفعا له باليدين

واهتماما يقودنا للتّأسي
بسريّ من ذي المساجد عين

إن يعقوب جاءنا بمزايا
أدرك الناس فضلها عن يقين

رفع اللّبس عن حوادث شتّى
وأحاديث أُجبِرَت أو مَسين

في الزوايا وغيّرتها السّوافي
يوم عانت من أرمدات ورين

رفع الله قدره قد رواها
وأراها بالفهم منه المُبين

فهو يُنمى إلى محيط عريق
شهد الناس فضله كلّ حين

وهو عون ومنعة واعتماد
قد حمانا أبُن كريم الأبين

ظلّ يحمي ثقافة القوم دهرًا
مثلَ ليث الشّرى وليث العرين

فعلى الله حفظها ما حيينا
وعلى الشعب والوزير الحسين

وقد أطربتني القطعة وأخذت من قلبي موضعا، وقد أجاد في مراعاة النظير بين أسماء الأماكن "بِرت" و "مَسين" وختمها بطلب رسمي طريف.

والحقيقة أن الأستاذ باباه شاعر متمكن ولا عيب فيه غير أنه مقل، فليته أتحفنا كل يوم بأبيات خفيفية أو سريعة.

كما وصلتني عبر تطبيق الواتساب رسالة نصية من صديقي الدكتور محمدن بن باب بن محمودا ضمنها قطعة جميلة فيه طعمة شعر أهل محنض باب، والمفارقة الطريفة أنه قال إن شعراء من بني ديمان قرظوا النظم، وأن تقريظه هو يعبر عن وجهة نظر آل إيجك في النظم.

وفيما يلي رسالة الدكتور محمدن:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز الدكتور الباحث / يعقوب بن اليدالي بن أبٌ

استمعت إلى نظمكم الطريف الرائع المسمى  " نظم الدر و اللجين في سيرة الصنوين "  فاخترت أن أعبر لكم عن إعجابي به واستحساني له من خلال الأبيات التالية :

حضورُكَ يا نجلَ اليدالِي مبارَكٌ
لخوفِك من طمسِ التراث و مَحوِه

أَجبتَ ولَبيْتً المنادِي لحفظِه
وبيْن صَفاه قمتَ تسعى و مَروِه

تحدثتَ عن صِنوين كانا بقُطرنا
نقيضين في بابِ السلوكِ و نحوِِه

تمَيَّز كلٌّ منهما بطباعه
فجاءت خُطى أبنائه مثل خَطوِه

لعمرُك إني باهتمامِك معجَبٌ 
فدوِّن لنا مِن ذاك ما شئتَ واروِه

فَمنهجُك الممتازُ في البحث راقَ مَن
يتوقُ إلى سوق الدليلِ و عزوِه

ولستَ لما ألفيتَه بٍمدَوِّنٍ
إذا هو لم يحمِلْ مفيدًا و يحوِهِ

إذا كان يا يعقوبُ نظمُك درَّةً
وزانته في المَغزى وفي بُعدِ شأوه

تقاريظُ من أبناءِ ديمانَ حازها
فدُونَك تقريظًا مِنَ ابْناءِ صِنْوِه

قطعة جميلة لا يشتكى قصر منها ولا طول، قال فيها محمدن ما يريد أن يقوله دون تكلف أو تعسف أو شفرة، ولولا أن يكصر لي الدكتور ابوه ولد بلبلاه شي لحفظتها ورويتها في المجالس، فتغني بها الكيان وتسير بها الركبان.

محمدن الذاك ما فات اعلي ذاك البيت الزين

أجبت ولبيت المنادي لحفظه
وبين صفاه قمت تسعى ومروه


وفي ذات السياق، تواصل معي عبر الهاتف الأديب الظريف يكبر بن ألما، وتحدثنا حول النظم فأثنى على موضوعه وسبكه، وقد استمعت له دون أي تعليق، لأن يكبر ما ينفلش كصّار وبليغ، وقد أوصاني الخال صالح بن أمد حفظه الله بالحذر منه أعني لا انسيح احذاه، ثم التقينا مساء الجمعة الماضي فسلمني ظرفا وقال لي لاصبت شوف ذاك، فلما فتحته وجدت فيها أبياتا طريفة ظريفة كأخلاق صاحبها وهي:

قد نظم الباحث يعقوب دررْ
في سيرة الصنوين نظما قد بهرْ

جمع بين متعة الطرافه 
ومتعة الهَزَلِ والظرافه

والجِدُّ حاز منه للإفاده
نصيبه وتلك فيه عاده

يأخذ من ذا مرة ومن ذهِ
فيحصل المقصود عند أخذه

حفظ الله أخي الأود يكبر بن ألما وأمد عمره في بلهنية من العز ممتعا بالصحة والعافية.

من ناحية أخرى، فقد اتصل بي عبر الهاتف صديقي الأديب الأريب امربيه بن التاه بن سيد بن محمذن، المقيم في قرية ابير التورس المحروسة، وقال لي إنه استمع إلى النظم مرات وأعجبه وحفظ بعض أبياته، ثم أتحفني بكاف معلوم، يقول فيه:

لاغروَ شِ لفادك بيهْ
نظمُ وللَّ كتبُ يعقوب
فيهْ أصلاً سر النظمْ ؤُ فيهْ
أصلاً سر اكرايت يعقوب

يبدو أن نظم الدر واللجين رمى حجرا كبيرا في بركة الثقافة الوطنية الآسنة، فتحركت قرائح الشعراء، ورعفت أقلام الأدباء، وهتفت هواتف أهل الذوق والمحافظة على التراث والقيم والطباع والشيم.

وفي هذا السياق، فقد بعث إلي الأديب المصقع المتشبث بأخلاق ونواميس أهل إكيد، العارف بمنطوقهم ومفهومهم أحمد سالم بن محمدن (سلامي)، أبياتا تقريظية جميلة، أعتبرها وساما ونيشانا على صدري، بيللي سلامي اليوم يعد أحد أبرز شعراء موريتانيا،  يمسك بناصية الشعر والنقد وكلت الغسل.. ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولولا أن بني ديمان بالباب لسال بي الواد،

يقول الأديب سلامي:

أيعقوبُ قد أحييت أشياء سُلّتِ
عليها سيوفُ العاديات فولّتِ

بدُرّك هذا واللجين مُجلّيا
شمائل للصنوين حتّى تجلّتِ

وبينت أخلاقا تميّز بين ذا
وهذا على بعض التّبايُن دلّتِ

على أنّه مهما الطّباع تناقضت
"فما كان في الصّنوين مسلكُ علّةِ"

فذا نسلُه فاق الأنام ظرافةً
ومن نسل ذا بعضُ الشيوخ الأجِلّةِ

والشطر الذي ضمن الأديب المصقع سلامي للشيخ الأديب المختار بن حامد، وهو من مرثية تعد من عيون مراثي أهل إكيد عدد فيها الشيخ مآثر السيد الهمام المُمَدَّح محمد صالح بن الشيخ أحمد الفال وصنوه الولي الصالح الشاه بن محمد سيديا، والتي يقول في مطلعها:

سَتَبْكِيكَ يَا هَذَا الحَبِيبُ المُـبَارِحُ
وأنْتَ إلى بِيرِ السَّعَادَة رائِحُ

عشَائِرُ فيها كَانَ فِعلُكَ صَالِحًا
كَمَا اسْمكَ فِيهَا يَا مُحَمَّدُ صَالِحُ

سيَذْكُرُ فِيكَ القَوْمُ مَهْمَا تجمَّعُوا
لتَخْفِيفِ ما بَاتَت تُكِنُّ الجَوَانِحُ

شَمَائِلَ هِي الشَّهْدُ فِى الحَلْقِ سَائغًا
عَلَى أنَّ مِنْها طَيِّبَ المِسْكِ فَائِحُ

وسَيْبًا كَمَوْجِ البَحرِ والسَّيْلِ هَائِجًا
وكَالمُزنِ تَحدُوهَا الرِّياحُ اللَّواقِحُ

كَذِكْرِكَ فِى أرضِ الأبَاطِحِ إنَّه
تسِيلُ بخَيْرِ الذِّكْرِ عَنْكَ الأبَاطِحُ

ومَا كُنْتَ إلا بالمَحَاسِن رَاشِحًا
وكُلُّ إِنَاءٍ بالذِى فِيهِ رَاشِحُ

ومنها أيضا قوله:

فَلِلشَّاهِ فِى مَعنَى المَعَالِى وَجَاهَةّ
يَخِفُّ لَدَيْهَا الرَّاجِحُونَ الجَحَاجِحُ

ومَا حلَّ فِى سَجْلِ المَكَارِمِ دلْوهُ
فَلِلَّهِ مُدلٍ مِنهُ للمَجْدِ مَاتِحُ

ومَا كَانَ فِى الصِّنْوَيْنِ مَسْلَك عِلَّةٍ
ومَا فِيهِمَا فِي مَا عَلِمْنَا قَوَادِحُ

ونظير ذلك قول الشيخ محمد المامي من قصيدة أوردها في مبحث القوادح في علة القياس من كتاب البادية:

وإن رمت إبطال المسالك فاطلبن
قوادح للعلات مثل المفاتح

كقول جميل إذ تبين علة
لكنه الذي في قلبه من تبارح

رمى الله في عيني بثينة بالقذى
وفي الغر من أنيابها بالقوادح

وفي ذات السياق، فقد تلقيت اتصالا من الدكتور الأديب محمد صالح بن محمد بن توتاه، المقيم حاليا في فرنسا. وعبر لي عن إعجابه بالنظم وموضوعه، كما أطربته واطبته التقاريظ التي كتبها الأدباء والشعراء الألباء حوله، ورغم أن الدكتور صالح يقضي يومه بين مكتبات جامعة السربون، وهو جو غير عكاظي، إلا أن قريحته جادت بتقريظ جميل للنظم، اختار له بحر السريع المنيع، وروي الراء الحار، وشحنه بالمعاني والإشارات والإلماحات الجميلة، يقول الدكتور الأديب صالح بن توتاه مقرظا نظم الدر واللجين:
   
أَتْحَفْتَ بِالنَّظْمِ الْوَرَى جَوْهَرَا
يَفُوحُ بِالْمِسْكِ نَدَى أَذْفَرَا

وَكُنْتَ فِي عَزْوِكَ أَوْ نِقْلِ مَا
إِسْنَادُهُ صَحَّ هُنَا الْأَجْدَرَا

يَكْفِيكَ أَنْ تُجِيبَ مُسْتَفْسِرًا
أَوْ بَاحِثًا عَنْ شَأْوِهِ قَصَّرَا

فذَا صَحِيحُ النَّقْلِ فَالْزَمْهُ إِذْ
"أَنْبَأَ يَعْقُوبُ بِهِ خَبَّرَا"

هَذَا حَدِيثٌ نَشْرُهُ طَيِّبٌ    
فالشَّيْءُ فِي أَضْدَادِهِ قَدْ يُرَى

وَلَا يُلَامُ الْعَمُّ إِنْ خَالَفَتْ
أَخْلَاقُهُ الْمَذْكُورُةُ الْمَعْشَرَا

فالْغُولُ وَالْعَنْقَاءُ أَخْبَارُهَا
مَا ضَرَّهَا إِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَا

والْاِخْتِلَاقُ هَا هُنَا حِكْمَةٌ
فدَرْسُهَا "أَقَرَّ بَلْ أَوْقَرَا"

وَمِنْ وِدَادِي عَنْدَكُمْ شَاهِدٌ
لَا يَنقَضِي "مُجَاوِرًا يَعْمُرَا"

وظف الدكتور الأديب خلفيته العلمية في أبياته، فأشار إلى بعض مصطلحات علم الحديث  كأنبأ وأخبر، التي تعد من صيغ الأداء وتستخدم لنقل الأخبار والروايات، فرغم أن اللفظين من الناحية اللغوية يعتبران مترادفين، ويدلان على  الإخبار والتبليغ، إلا أن علماء الحديث وضعوا اصطلاحات دقيقة للتفريق بينهما، حيث استخدم المحدثون فعل (أنبأ) بمعنى أخبر، لكن اصطلح المتأخرون على إطلاقه في الإجازة والمناولة دون السماع المباشر. أما (أخبر) فيستخدم عندما يقرأ الطالب على الشيخ أو عند المناولة و الإجازة.  

كما أشار الدكتور الأديب إلى بعض مختلقات العرب كالغول والعنقاء الذين يضرب بهما المثل  في الشيء الذي لا وجود له، فقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا غول ولا صفر.

وكانت العرب تزعم أن الغول من الجن تتغول لها وتتلون فتضلها عن الطريق، كما زعموا أن العنقاء طائر عظيم كان في عهد سليمان ثم اختفى، وقيل إنها كانت بالحجاز تخطف الأطفال، فدعا عليها أحد الأنبياء فاختفت.

كما وردت في الأبيات إشارة إلى شطر للملك الضليل من رائيته الجميلة، وهو:

حمته  بنو الربداء من آل يامن
بأسيافهم حتى أقر وأوقرا

وختم الدكتور الأديب أبياته بإشارة لطيفة إلى اعتزازه بخؤولته من أهل انيفرار، وبيان ذلك أن السيدة عيش فال بنت محمذن بن ألف هي أم عيال أبنو بن الأمانة بن المختار بن اللا بن المصطفى بن بل وهم أحمد والمختار ومحمذن فال وفاطمة وآم رحمة الله عليهم.

من ناحية أخرى، فقد بعث لي الأديب الأريب محمد سالم بن آكه تعليقا رشيقا على النظم، وقد أخبرني في صوتية أن البيتين وردا عفوا على خاطره أثناء قراءته للنظم، وعزا ذلك  إلى جودة النظم وعذوبته وانسيابته، وهذه بشارة تسر ولا تغر، فما يطرب الشقرويين لا شك أنه يطرب، ولكن طيب أرومة الفتى محمد سالم وحسن خلقه يحتمان عليه الإشادة ببوسوير صاحبكم،  وقد أحيا الأديب اللغوي محمد سالم مفردة من ممات اللغة العربية هي لفظ "وسَّني" الذي يأتي بمعنى عوضني، فجاء بالجناس تاما سلسا غير متكلف، وذلك في قوله:

ما نظم الثبت السري والسني
يعقوب عن ماضي البحوث وسَّـني

أجاد في الصنوين غرة الغرر
لاغرو إن أجاد في الغر الأغر

من ناحية أخرى، فقد قال ظرفاء أهل إيكيد إن من يروي مدحه مثل الشاة التي ترضع لبن ضرعها، وقد أخبرتكم سابقا إن جينات عمنا إيجك قد تمحضت في صاحبكم فأصبح ضرعا صالحا أزرقا ينشر في العالم الأزرق ما ألقى الله على خاطره.

وفي هذا السياق، فقد بعث إليَّ ابن عمنا فتى الفتيان محمدن بن امَّدْ بقطعة  وافرية وافرة المعاني غزيرة الفوائد جيدة السبك والحبك شحنها بالإشارات الرشيقة والمعاني الجميلة.

وقد أبديت سابقا رأيي النقدي في شعر الأديب محمدن بن امد وعبرت عن موقفي منه، وقلت إنه يعد من فحول الشعر والشعراء في إكيد، وأنه تسنم مرتقى صعبا في الشعر والأدب، وأنه شاعر فحل مطبوع، لديه ملكة شعرية فطرية وقد أثرى ذائقته بحفظ الأشعار ورواية الأخبار، وصقل موهبته بالدربة على كتابة الشعر، فجمع بين الطبع والرواية والتمكن اللغوي إضافة إلى أنه لا يعاظل في المنطق.

يقول الأديب الأريب محمدن بن امد:

حديثك يابن إِلاَّ ذو شجونِ
وما وصفي لنظمك بالظنونِ

طريف ما نظمت فكنت فيه
"مطرِّفَنا ونجلَ الماجشونِ"

لعمرك إنه ب"الروض" تزري
رقائقه وب"الدر المصونِ"

رأينا منك إبداعاً عجيباً
ومعرفة بأصناف الفنونِ

فقلنا ليته في كل يوم
يمَتِّعنا بقرة ذي العيونِ

وخاطبناك عرفانا بفضل
خطاب الضاد "مؤتمر العيونِ"

ومن يقصدْ ربى انيفرار يغنمْ
ولم يشك الجوى "بالماطرونِ"

أيا يعقوب إن تر من يحاكي
كتابتكمْ فقل: "وابن اللبونِ.."

وسأجرح هذا النص قليلا، وأقرب الأقصى من معانيه بلفظ موجز فأما قوله:

طريف ما نظمت فكنت فيه
مطرفنا وابن الماجشون

ففيه إشارة لطيفة إلى لقب "الأخوان" الذي أطلقه فقهاء المالكية على الفقيهين المدنيين مطرف بن عبد الله الهلالي، وشيخه عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة المعروف بابن الماجشون.

وسبب إطلاقهم لذلك اللقب راجع إلى كثرة اتفاقهما في الأحكام الفقهية، فقد نقل عنهما الكثير من الأقوال المشتركة خاصة في قضايا الجوائح وعطايا الوالد وغيرهما، إضافة إلى ملازمتهما لبعضهما في الدرس والفتوى فباتا يمثلان مدرسة داخل مذهب الأصبحي.

ولا شك أن توظيف الأخوين فيه زيادة نكتة بديعة.

وأما قوله في البيت الثالث:

لعمرك إن ب"الروض" تزري
رقائقه وب"الدر المصون"

فلعل الأديب الأريب محمدن يوري ببعض عناوين الكتب الشهيرة، فهناك عدة تآليف تحمل اسم الروض، منها الروض الأنف في السيرة النبوية شرح به السهيلي سيرة ابن هشام، وهناك روض الحرون على طرة ابن بون في علم النحو والصرف، للعلامة عبد الودود بن عبد الله بن انجبنان الألفغي، وأما الدر المصون فلعل الأديب يوري به عن تفسير الحلبي الشهير الموسوم بالدر المصون في علوم الكتاب المكنون، وأخبر بعد محمدن بيهللي من أهل لكتوب.

من ناحية أخرى، فقد أشار الأديب الأريب محمدن في قوله:

وخاطبناك عرفانا بفضل
خطاب الضاد "مؤتمر العيون"

إلى قطعة مشهورة لشاعر "لبحير" المفلق محمدي بن أحمد فال الجكني، كان قد خاطب بها الرئيس المختار بن داداه خلال انعقاد مؤتمر حزب الشعب بمدينة عيون العتروس فقال:

لسان الضاد يرمق بالعيون
إليك اليوم مؤتمر العيون

ففكر في ديون الضاد حلت
أمؤتمر العيون فِ بالديون

فطور الشعب كان على منام
تطور بعده طور الجنون

لسان الضاد فارغة فؤادا
كفاها من جفا "وي ونون"

بريعان الشباب زهت وتاهت
فهي اليوم يانعة الغصون

فرسمها وإن غضبت فرنسا
وخل النوم ينعم بالجفون

وخل رطانة هرمت وشابت
فهي اليوم موشكة المنون

كما أشار الأديب الأريب محمدن في أبياته إلى أحد شواهد الألفية الشهيرة بقوله:

ومن يقصد ربى انيفرار يغنم
ولم يشك الجوى بالماطِرون

وهو أحد شواهد جمع المذكر السالم:

ولها بالماطرون إذا
أكل النمل الذي جمعا

والبيت من قصيدة ليزيد بن معاوية يتغزل بها بنصرانية كانت قد ترهبت في "دير خراب" عند الماطرون، وهو بستان بظاهر دمشق ويسمى حاليا بالمنطور. وأولها:

آب هذا الليل فاكتنعا
وأمر النوم فامتنعا

راعيات للنجم أرقبه
فإذا ما كوكب طلعا

حال حتى إنني لأرى
أنه بالفور قد رجعا

ولها بالماطرون إذا
أكل النمل الذي جمعا

خرفة حتى إذا ارتبعت
سكنت من جلق بيعا

في قباء حول دسكرة
حولها الزيتون قد ينعا

كما ورد ذكر الماطرون أيضا في قطعة كتنضار اللجين نسبها الجوهري وغيره لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضي الله عنه، ولكن ابن بري قال إن الصحيح ما ذهب إليه ثعلب من أنها لأبي دهبل الجمحي، ورواها بسنده إلى إبراهيم بن أبي عبد الله، وقال إنه كان صالحا وجميلا وخرج للغزو والتقى بامرأة من أهل الشام وتزوج بها، وهي المعنية بالقطعة التي يقول في أولها:

طالَ لَيلى وَبِتُّ كَالمَجنونِ
وَاِعتَرَتني الهُمومُ بِالماطِرونِ

صاحِ حَيّا الإِلهُ أَهلاً وَدوراً
عِندَ أَصلِ القَناةِ مِن جَيرونِ

عَن يَسارٍ إِذا دَخَلتُ مِنَ البا
بِ وَإِن كُنتُ خارِجاً بِيَميني

فلِتِلكَ اِغتَرَبتُ في الشَأمِ حَتّى
ظَنَّ أَهلي مُرَجَّماتِ الظُنونِ

وَهيَ زَهراءُ مِثلُ لُؤلُؤَةِ الغَوّ
اصِ ميزَت مِن جَوهَرِ مَكنونِ

وَإِذا ما نَسَبتُها لَم تجِدها
في سَناءٍ مِنَ المَكارِمِ دوني

ثُمَّ خاصرتها إِلى القُبَّةِ الخَضراءِ
نَمشي في مَرمَرٍ مَسنونِ

خاصرتها أي أخذت بيدها، تمشي في مرمر أي على مرمر، مسنون أي مملس.

قال تعالى: "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ" أي على جذوع النخل.

وأما قول الأديب محمدن بن امد في البيت الأخير من القطعة:

أيا يعقوب إن تر من يحاكي
كتابتكم فقل: وابن اللبون

فقد أشار فيه إلى أحد أبيات جرير السائرة وهو:

وابن اللبون إذا ما لز في قرن
لم يستطع صولة البزل القناعيس

ويستخدم هذا البيت لبيان التفاوت في المكانة، فابن اللبون وهو الذي دخل في سنته الثالثة، إذا ربط في حبل واحد مع البزل وهي الجمال المسنة القوية، فلن يستطيع التحمل والمقاومة.

وإلى ذلك البيت يشير لمرابط محنض باب بن امين حفظه الله بقوله:

يهاب كل ابن لبون مثل
أمثالهم من الفحول البزل


يتواصل بإذن الله

يعقوب بن اليدالي