شيخنا عمر
شاعر موريتاني
في تلك الليلة لم تكن الصحراء صحراء فحسب..كانت كتابًا مفتوحًا على صفحة من رهبةٍ وغواية، سطرته الرياح بمداد الظلال، وتركته لنا لنقرأه ونحن نمشي بين كلماته المرتعشة..
خرجتُ مع الرفيق "محمد" عند الغروب، والشمس تُسدل آخر خيوطها الذهبية كأنها تودّعنا إلى امتحانٍ لا رجعة فيه.. رسمنا وجهتنا على جهاز الملاحة، لا لنهتدي به فحسب، بل لنُقنع أنفسنا أن للطريق نهاية، وأن خلف هذا الامتداد الموحش خيمةً عامرةً بالدفء، وصديقًا ينتظرنا بحليب النوق الساخن، وخبزٍ يُولد من رماد الحطب، ولحمٍ طازجٍ لم تزل فيه رائحة الحياة.. كانت تلك الصور تغرينا كما تغري السرابُ العطشى..
سرنا نحو أربعين كيلومترًا من الأمل، لكن الصحراء لا تعطي وعدًا بلا ثمن.. بعد عشرة كيلومترات فقط، توقفت السيارة كأنها لفظت أنفاسها الأخيرة، وعجلةٌ ممزقةٌ تشهد على قسوة الطريق. نزلنا نبحث عن النجاة في العجلة الاحتياطية، فإذا بها خيانةٌ صامتة من يدٍ أصلحتها ولم تُحسن إصلاحها.. عندها، شعرتُ أن الليل قد اقترب خطوة أخرى منا..
لم يكن أمامنا إلا أن نترجل، أن نُسلّم أقدامنا للأرض التي لا تُؤتمن، وأن نمشي في وادٍ تُخفي ظلمته ما لا يُرى، وتُخفي رماله ما لا يُرحم. كان محمد -وهو الشجاع الذي لا يهاب وعورة الطريق- يرتجف من فكرة الأفاعي، كأن خوفه منها أقدم من هذه الأرض نفسها.. نظرتُ إليه، وقلت: “سنمشي على ضوء سيارتنا، نجعلها دليلنا، ونتركها مشتعلة كشمعةٍ في ظهر العدم.”
تركنا السيارة كأننا نترك جزءًا من روحنا خلفنا، ومضينا نلاحق شعاعها، نهرول خطوةً خطوة، نلتفت كل حين لنقيس المسافة بيننا وبين الأمان المتلاشي.. كان الضوء يتضاءل، ومعه تتضاءل طمأنينتنا، حتى صار مجرد ذكرى معلقة في الأفق..
مضت ساعة كأنها دهر، ثم لاح لنا ضوءان… لا واحد.. وهنا، لم يعد الضياع احتمالًا، بل صار يقينًا يتربص بنا.. ترددنا، وتثاقل القرار، وفجأة شقّ الصمت صراخ محمد:
“حية!.. حية!.. لدغتني!”
تجمد الزمن. لم أعد أسمع إلا دقات قلبي، كأنها طبول إنذار في داخلي.. نظرتُ إليه، كان يحمل الماء داخل الحافظة بيدٍ ترتجف، وعيناه تبحثان عن نجاةٍ لا تُرى.. اقتربتُ، تفقدت موضع اللدغة… لا أثر.. سألتُه، أعاد وصف الألم، حتى انكشف لنا أن الخوف قد خدعه، وأن كعبه اصطدم بحافة الحافظة، فظن الوهم حقيقة..
تنفستُ الصحراء معنا من جديد، أو هكذا خُيّل لي..
اخترنا الضوء الذي عن اليمين، لا لأننا واثقون، بل لأن التردد موتٌ بطيء.. ومضينا، حتى بدأت ملامح الحياة تتشكل في الأفق، نارٌ تُقاوم العتمة، وخيامٌ تهمس بأننا لم نُخلق لنضيع..
وصلنا أخيرًا، لا كضيوف، بل كناجين من فم الليل. استقبلنا صديقنا كأننا عائدون من معركة، وأكرمنا بما اعتدناه وأكثر، وكأن تلك الرحلة كانت ثمنًا مستحقًا لذلك الدفء..
وفي عمق الليل، حين هدأت الأنفاس، عاد بي التفكير إلى السيارة، إلى ذلك الضوء الذي تركناه وحيدًا في الصحراء، كحارسٍ أمين.. ركبنا معه في سيارته القديمة، تلك "الـلاند روفر" التي تشدها الحبال كما تشد الذكرياتُ قلوبنا، وعدنا لنجد سيارتنا في مكانها، صامتةً كأنها كانت تنتظرنا..
كانت ليلةً واحدة، لكنها حفرت في الذاكرة أخاديد لا تمحوها الأيام.. ليلةٌ تعلمتُ فيها أن الطريق ليس ما نراه أمامنا، بل ما نواجهه داخلنا… وأن الصحراء، مهما اتسعت، تضيق حين يمشي فيها الخوف، وتتسع حين يقودها الأمل.
