نداء إلى نخبتنا الحاكمة في الخليج العربي: رجاء؛ لا تكونوا مثل طاليس/ محمدًٌ ولد احظانا

نداء إلى نخبتنا الحاكمة في الخليج العربي: رجاء؛ لا تكونوا مثل طاليس/ محمدًٌ ولد احظانا

د. محمدًُ أحظانا 

 

بعد تهنئتكم بانقشاع الكرب العظيم الذي غشيكم والظلم الذي وقع عليكم، فدمر مادمر، بصورة مؤسفة وغير متوقعة، وحز في نفوسنا حزا، وعبرنا عن ذلك تعبيرا، بأنه أمر لا مبرر له؛ خلال حمأة الحرب الجائرة عليكم وعلى إيران. حرب النتن.. التي أراد منها تدميركم بيده، وبيد حليفه المطيع، وبأيديكم فيما بينكم، لتحقيق حلمه المريض، أو هذيانه الجنوني: "إسرائيل الكبرى" على أجزاء من أرضكم وأرض إخوتكم، والتحكم في بقية الجسم العربي من مركزه بعد ذلك. لا أعاد الله إليكم ويلات هذه الحرب المجنونة.

واليوم أعيروا أسماعكم لمن لا يحدثكم هذا الحديث طامعا، ولا خائفا، لا منفعلا ولا خلي بال، لا محرضا، ولامتسترا؛ إنما يصارحكم بما يرى فيه مصلحتكم. لذلك فهو يخاطب فيكم جانب العقل والرزانة، والحكمة الحسنة. 

فإن بلغكم حديثي على كثرة انشغالاتكم والتزاماتكم، وتواضع وسيلتي للإبلاغ فخذوا منه ماترونه مناسبا أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم. أما أنا فإنني سأبرئ نفسي أمام ضميري و أمام الضمير الجمعي الذي سيطلع الآن أو بعد حين على هذا الحديث المخلص من القلب. وهو في شكل نقاط موجزة. و في الحديث الصحيح عن أبي هريرة برواية الترمذي وابن ماجه: [الكلمة الحكمة ضالة المؤمن. فحيث وجدها فهو أحق بها]. فلا عبرة لذلك بكثرة المتابعين ولا بالمؤثرين الذين يؤثرون كيفما اتفق، بالحق والباطل. وإنما بالمقصود والفحوى.

 

أولا: للإفهام والتأطير

 "قيل إن الفيلسوف اليوناني طاليس كان يتأمل النجوم البعيدة لئلا، مفتتنا بألقها، حاسبا، مراقبا، واصفا.. وهو يسير في أحد الحقول. و صدف أن كانت أمامه بعض الحفر فسقط في إحداها وأصيب بجروح، لأنه كان ينظر إلى السماء دون مبالاة بالحفر والعوائق أمام قدميه.

 أنقذت فلاحة بسيطة هذا الفيلسوف المعروف، إذ أخرجته من الحفرة التي تردى فيها. وعندما ودعته نصحته أن يترك النظر إلى أعلى عندما يكون سائرا على الأرض حتى لايسقط في حفرة أخرى أخطر من التي سقط فيها."

لم يعرف أحد هل استجاب طاليس للفلاحة أم لم يستجب لأن الحكاية تنتهي هنا. لكن العبرة منها بقيت إلى الأبد.

ثانيا- نخبنا الحاكمة في الخليج، لقد حباكم الله بثروة هائلة، ولا تزال حيوية للعالم. و لكن الثراء إن لم يرشد أصبح مدعاة لأربع فتن كبرى خطرة: 

- فتنة التمكن من تلبية كل الحاجات؛ وثمرتها الغرور؛

- فتنة الاستغناء عن النظر في العواقب، وثمرتها عمى البصيرة؛

- فتنة الثناء من غير الناصحين، وثمرتها الانخداع؛

- وفتنة أمن غوائل الدهر لإمكانية اتقائها بالبدائل الجاهزة، وثمرتها الندم. فانظروا في أنفسكم بصراحة واحكموا عليها بعقولكم لا بعواطفكم، ولا بآراء مستشاريكم الخاصين، الذين يخافونكم أو يطمعون فيكم، فهم لا يفيدون إلا في تنمية هذه الثمار الأربع القاتلة، لأنهم يبحثون عما يعجبكم، ويستهويكم و تستحسونه أكثر، وترغبون فيه أكثر. لا مايفيدكم أكثر. بل لينالوا هم أكثر.

 

ثانيا: - نخبتنا الحاكمة في الخليج العربي؛ 

من جبلة الإنسان المتوازن أن يبحث عما يراه مفيدا له ماديا ومعنويا باستخدام عقله ووعيه. 

وهذا الميزان لا يستقيم تحت طائلة الخوف أو الطمع، أو اللهفة، أو العزوف والنفور.. لأنها ترجح كفة الوعي بالمصالح ترجيحا زائفا.

 

ثالثا: - لقد جربتم التنافس والاقصاء فيما بينكم، فطمت مشاكلكم وخسرتم، فندمتم على ذلك، إذ شهدت أرضكم حروبا هائلة كان يستفيد منها طرف ثالث غريب وتخسرون دائما. حتى أصبحت حروبكم جزء أساسيا من تاريخ معاناتكم المتكررة، ورفاهية الآخرين على حسابكم. والعاقل إن جرب ما يعود عليه بالدمار صرف نفسه عن تكراره.

 

رابعا: نخبنا الخليجية الحاكمة؛ أنتم مصب أطماع جميع الأمم، من العمالة اليدوية لدى فقرائها، إلى الابتزاز الفج لدى أقوياء هذه الأمم، فأنتم مستهدفون من الجميع، لأنكم جزء محوري من سعادتهم الواقعة أو المحتملة المطموعة. 

لذلك فمقتضى الرشد والسداد والمصلحة العينية تدعوكم إلى النفكير بجديةفي منهج آخر غير منهجكم الحالي، أيا كان اسصوابكم له. و تعودكم عليه. 

لقد دمرت حرب الأربعين يوما الأخيرة درر مابنيتموه ورصدتموه منذ عقود، و أكثر من أي حرب أخرى سابقة من حروبكم العديدة، فأوغلت فيكم، رغم أنه لاناقة لكم في هذه الحرب ولا جملا، ولا مصلحة؛ بل كنتم مكرهين على تشجم عنائها، ودفع ثمنها، وذوق مرارتها.. بحكم واقع لم تكونوا تحسبون له حسابا أو يعنيكم من قريب أو بعيد. 

إنما ولّد المعتدون في نفوسكم أمانا زائفا من أي مخوف، بوجود قواعدهم العسكرية الهائلة التي شاهدتم أنها هي الأحوج للحماية منكم إليها.. مع أنها هي التي كلّبت عليكم الطرف الإيراني، ونأت عنكم دولتها، وتركتكم لقدركم، وحشرت كل أسلحتها الدفاعية لرد الصواريح والمسيرات عن خصمكم الوجودي إس.ر.ائيل، الذي صرح علانية ورسميا بإحياءحلم إسرائيل الكبرى: التي تشمل العامر من مصر على النيل وشرقه إلى أم الرشراش، وتشمل هذه الهذيانات: الأردن كله، و كذا شمال السعودية إلى وادي القرى وأمها، وكل دولة الكويت، وغرب الفرات من العراق وسوريا ولبنان. أما غزة والضفة فعليهما السلام. كل ذلك استلهاما إنجيليانيا حديثا من أساطير تعويضية مزورة، كتبها الناجون من سبي بابل أو دلست عليهم وأعيد تأليفها خدمة للاحتلال الجديد.

بل إن حلفاءكم الأدعياء  ورطوكم في الدفاع عن جنودهم وأسلحتهم دون حياء.. 

فماذا بقي في نفوسكم من هؤلاء؟

 

خامسا: أيها الإخوة من النخب الحاكمة في الخليج؛ لقد أنفقتكم لاسترضاء رجل واحد لا يثق أغلب شعبه في أهليته، من اتريليوانات الدولار ما يجعل العالم العربي كله في.بحبوحة و. جنودا لكم، ورفاهية لوطنكم وحماية، إذ ستصير مصلحتكم جزء عضويا من مصلحتهم، بل العالم الإسلامي كله؛ بل أغلب العالم، لو وجهتم لهم..

ثم لو صرفتم نصفه في تسليح أنفسكم بتصنيعكم لا بأسلحة مشفرة لا تساوي شيئا عندما يهاجمكم أعداؤكم الوجوديون.

 

سادسا: بناء عيه، أقترح عليكم أيها الإخوة في النخبة الحاكمة بالخليج؛ (ومن أنا حتى أقترح عليكم، وأنتم من أنتم؟!)

1- أن تعتنوا بتنمية محيطكم البشري من دول عربية وإسلامية، ثم من يحترمكم من الشعوب الأخرى. وتصرفوا في ذلك نصف ما صرفتم هباء لمن لم يستطع أن يحمي نفسه وابنته المدللة. وسترون العجب العجاب. مقتنعين اقتناعا مبنيا على الحقائق أن التخلص من الأخ والجار ذي القربى والجار الجنب مستحيل، وأن تكلفة مساركم عنه قبل حرب التدمير أكثر من هذا المسار المقترح هنا من شخص متواضع الحال والشهرة بمقاييس الأيام...

2- ابنوا لأنفسكم جيوشا تحميكم بعقيدتها ووطنيتها وانتمائها.. فإن لم تجدوا ما يكفيكم من الرجال فالجؤوا إلى إخوتكم العرب والمسلمين، فهم لن يخذلوكم أبدا إن هددكم خطر. وليس من رأى ووعى كمن سمع. و لقد رأيتم وسمعتم وعانيتم وكان ألمكم ألما لنا.

فلا تخذلوا أنفسكم وتخذلونا، ولا تقهروها فتقهرونا، و لا تبنوا أبراج الوهم على قواعد لم تعد صالحة للعصر.

3- إن مصادر القوة المستقبلية لم تعد حاملات الطائرات، ولا القنابل العملاقة، وإنما صواريخ وطائرات مسيرة رخيصة+ تقنية عالية+ رجال أقوياء، وقيادات ذوات همم صادقة، وإرادة ماضية، وفكر عزيز شجاع. 

هذا هو الدرس العظيم الذي يجب أن تسخلصوه من سلسلة الحروب التي عشتموها وشاهدناها حزانى أسفين.

4- أقولها لكم، وصدقوا أولا تصدقوا: إن أسباب قوتكم وحمايتكم وعزتكم.. فيكم أنتم لا في غيركم، ثم في من حولكم من إخوة وجيران.. قلا تبحثوا  عنها بعيدا مثل طاليس حتى لا تتردوا في الحفر العميقة المرة تلو المرة. فما كل مرة تسلم الجرة.

 

تلك هي مسؤوليتي أؤديها باعتباري أحد الكتاب العرب الذين لا يملكون إلا الكلمة العزلاء، و إن علي لتبيين ما يجب علي تبيينه للنخبة الخليجية والعربية والمسلمة، ولعامة الناس في فضائنا العربي الإسلامي حتى لا أكون شيطانا أخرس.  

أبذل نصحي لا خائفا ولا طامعا، لا محرضا ولا متزلفا، لا منفعلا ولا خلي بال. 

وأزعم أخيرا أنني أديت في هذا المقال المتواضع واجبي التاريخي والحضاري بشرف، تجاه أمتي الكبرى، وتجاه ضميري أو هكذا أحسست. 

وبعد ذلك ف (من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر).

 

د. محمدًُ أحظانا