محمد الأمين ولد القاظل
استوقفني بيان حزب الإنصاف الصادر يوم 13 مارس 2026، والمتعلق بما بات يُعرف بـ"الضريبة على الهواتف"، واستوقفتني بالذات الفقرة التي جاء فيها:
"ومع ذلك، فإن الحزب يعي تماما أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار أوضاع المواطنين وظروفهم المعيشية، خصوصاً فئة الشباب والعمال البسطاء الذين يعتمدون على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر للرزق".
هذه الفقرة تفتح بابا مهما للنقاش، لأن القرارات التي تتخذها الدول والحكومات لا يُنظر إليها من زاوية واحدة فقط، أي: هل هي صائبة من الناحية النظرية أم لا؟ بل يُنظر إليها كذلك من زوايا أخرى لا تقل أهمية، من بينها: أثرها المباشر على المواطن، وكيف سيتفاعل معها الرأي العام، وهل توقيت اتخاذها مناسب أو غير مناسب.
ليس المهم فقط أن تكون الحكومة على حق في قراراتها، بل المهم أكثر أن تنجح في إقناع المواطنين بأنها على حق. والظاهر حتى الآن أن الحكومة لم تستطع أن تقنع الرأي العام بوجاهة الضريبة التي قررت فرضها على الهواتف، و يعود ذلك إلى عدة أسباب، لعل من أبرزها سوء التوقيت.
إن التوقيت في القرارات الاقتصادية التي تمس حياة الناس ليس مسألة ثانوية، بل هو العامل الحاسم في نجاح القرار أو فشله. فكثيرا ما يتحول القرار الصحيح إلى عبء سياسي واجتماعي إذا اتُّخذ في توقيت سيئ، في حين قد يمرُّ قرار أقل وجاهة بأقل الخسائر إذا جاء في ظرف مناسب، وسبقته تهيئة جيدة للرأي العام.
ومن هذه الزاوية، فإن الإعلان عن ضريبة الهواتف جاء في توقيت غير مناسب لعدة اعتبارات:
أولها أنه جاء في شهر رمضان، وهو شهر ترتفع فيه تكاليف المعيشة على المواطنين، وتزداد فيه الضغوط على الأسر، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود.
ثانيها أنه جاء في ظرف دولي مقلق، وفي ظل حرب تثير مخاوف اقتصادية واسعة، من بينها ارتفاع أسعار النفط، وما يعنيه ذلك من زيادة في أسعار النقل والسلع الأساسية، وهو ما يجعل المواطنين أكثر حساسية اتجاه أي قرار ضريبي جديد من شأنه أن يرفع الأسعار.
وثالثها أن القرار جاء بعد أن قطعت الدولة أشواطا مهمة في الرقمنة، ومن المعروف أن الهاتف لم يعد سلعة كمالية في حياة كثير من المواطنين، بل أصبح أداة أساسية للولوج إلى الخدمات، والتواصل، والعمل، والتعلم، والاندماج في الفضاء الرقمي. ومن ثم، فإن أي زيادة كبيرة في أسعار الهواتف قد تنعكس سلبا على الفئات الهشة، وتحدُّ من اتساع استخدام الوسائط الرقمية، في وقت تبذل فيه الدولة جهودا معتبرة لتعزيز الرقمنة وتوسيع الاستفادة منها.
رابعها أن هذا القرار لم يسبقه، في نظر كثيرين، ما يكفي من الصرامة في مواجهة ملفات الفساد الكبرى أو التهرب الضريبي لدى الأغنياء. فحين لا يرى المواطن البسيط حزما واضحا مع من ينهبون الأموال الضخمة أو يتحايلون على الضرائب بمبالغ كبيرة، يصبح من الصعب إقناعه بوجاهة التشدد معه في ما يؤثر على حياته اليومية بشكل مباشر.
يكفي هنا أن نذكر بأن الإعلان عن هذه الضرائب تزامن مع سجن ومحاكمة رئيس منظمة الشفافية الشاملة الذي أنصفه القضاء في أحد الملفات التي فتحها، ومع ذلك فلم يُتَّخذ أي إجراء لاستعادة الأموال المنهوبة في ذلك الملف، والتي أكد القضاء نهبها.
خامسها، إن المشكلة ليست فقط في قيمة الضريبة أو أصل القرار، بل كذلك في الإحساس العام بالعدالة. فالفقراء لا يعترضون عادة على القرارات الصعبة لمجرد أنها صعبة، بل لأنهم يريدون أن يشعروا بأن الجميع يخضع للمعايير نفسها، وأن الأعباء لا تُفرض دائما على الحلقة الأضعف.
إن المتضرر المباشر أو الأكثر استشعارا لأثر هذه الضريبة هم آلاف الشباب، المنحدرين في غالبيتهم من الأوساط الفقيرة أو المتوسطة، والذين يعتمد كثير منهم على التجارة والخدمات المرتبطة بالهواتف ومشتقاتها كمصدر رزق، ولذلك فقد يُفهم رفع الضريبة على الهواتف، في هذا السياق، باعتباره رسالة سلبية إلى شريحة كانت محل عناية خاصة في هذا العهد الذي رفع شعارات دعم الفئات الهشة وتمكين الشباب، واتخذ بالفعل جملة من الإجراءات لصالح الفئات الهشة والشباب، كان من آخرها الإعلان عن اكتتاب 3000 شاب من خلال مسابقات قائمة على الرقمنة.
لستُ هنا بصدد مناقشة شرعية القرار من حيث الأصل، ولا حق الدولة في جباية الضرائب وأهمية ذلك الحق، وإنما بصدد التنبيه إلى الانعكاسات السلبية لهذا القرار، وسوء الفهم الذي قد يسببه لدى الفئات الفقيرة عموما، ولدى الشباب خصوصا.
إن القرار الحكومي لا يُقاس فقط بسلامته القانونية أو الاقتصادية، بل يُقاس أيضا بآثاره الاجتماعية، وبرسائله الرمزية، وبمدى انسجامه مع أولويات المرحلة. وأي قرار لا يرتاح له الفقراء، ولا يتحمس له الشباب، ولا تشعر معه الفئات الهشة بالإنصاف، هو قرار ستكون كلفته السياسية والإعلامية أكبر من جدواه، خاصة في هذا العهد الذي يولي اهتماما خاصا بالفئات الهشة والشباب.
حفظ الله موريتانيا...
محمد الأمين الفاضل
[email protected]
