تحقيق... "أهل الحبل".. محرك بحث سفينة الصحراء

تحقيق... "أهل الحبل".. محرك بحث سفينة الصحراء

نواكشوط -  من المختار السالم:

إنهم بمثابة "محرك بحث" عن ضوال الإبل في صحراء موريتانيا، غير أن "محرك البحث" هذا يصعب تتبعه، فهو ليس على الشاشات ولا علاقة له بخوارزميات الشيخ "غوغل" وأقرانه.

لا تعترف سفينة الصحراء بالحدود الإدارية والمحلية؛ وكما تهوى قطعان الإبل منذ الأزل تتبع مساقط المياه وأماكن الكلأ، حتى ضرب المثل بصبر الجمل؛ رفيق الرجل الصحراوي.. هم أيضا لا يعترفون بالمسافات البعيدة؛ ما جعلهم رحالة جسورين؛ يهزؤون بأيام الصحراء اللافحة السموم حينا؛ المستعيرة برد سيبيريا أحيانا أخر.

قسمات أحدهم تحيلك إلى الوصف المثالي الذي قدمه "تأبط شرا"؛ أحد أشهر الصعاليك الجاهليين؛ لرفيق له؛ حيث قال: "ويهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك".

عندما يتعلق الأمر بمهنة "أهل الحبل" في موريتانيا، فإن الميدان هو المحك.. هناك بين السهوب والوديان والتلال ومظان نقاط المياه والمرعى.

يعني المصطلح الموريتاني "أهل الحبل"، خبراء القيافة الذين يتتبعون ضوال الإبل في المفازات والقفار، وهم لا يحملون إلا الحبال التي يقيدون بها الضوال.

نبدأ قصتنا في البحث عن "أهل الحبل" ومرافقتهم في مهنة عمرها القرون، من حيث يتوفر أول خيط.. من "مربط الحيوانات" بالعاصمة نواكشوط.. هناك نحصل على رقم هاتف أحد أشهر العاملين في مهنة "أهل الحبل"، إنه "صاحب الحبل" الأكثر طلبا من ملاك قطان الإبل.

إنه "محمد عالي".. من خلال رقم هاتفه يؤكد مكان وجوده عند "أعزيب" (مخيم رعاة متنقلين) في الضواحي الشرقية الشمالية لمدينة "تكند" 106 كلم جنوب العاصمة نواكشوط. وفي هذه المرحلة تكون الكلمة الأولى ل"الداهي" سائق رباعية الدفع، الذي يستخدم خبرته المكتسبة عبر السنوات في الوصول إلى "لعزيب" بمهارة فائقة متغلبا على تحدي كثبان الرمال.

في الساعة العاشرة صباحا نكون قد قطعنا 106 كيلومترات، وها هو  "محمد عالي" يستقبلنا، طالبا إلى مضيفيه الإسراع بضيافتنا بـزريق "لبن الشكوة" والشاي في هذا الجو البارد.

يتأكد سائقي من أن الصورة أعلاه لم تفت علي حيث الضيف يتحول إلى مضيف في ديار البدو الرحل الكرماء.

يتأمل "محمد عالي"، الرجل الخمسيني، بعضلاته المتعرقة، ووجهه البشوش، وعيونه الصقرية، وبنظرة فاحصة أجهزة التصوير بحوزتنا، سبقت له معها قصص عبر ملاك الضوال، الذين يبعثون لأحد من معارفهم في المنطقة من يصور الضوال ويرسل لهم صورها عبر الإنترنيت للتأكد من أن تلك الضوال عائدة لهم..  يفعل البعض ذلك رغم أن محمد عالي لم يسبق أن ارتكب خطأ واحدا في تحديد هوية الضالة واسم مالكها.. إنه يعتمد على الميسم المميز لكل الأسر، وعلى الأوصاف الدقيقة التي يقدمها للضالة التي يعثر عليها.

تتغير نبرة محمد عالي حين يتأكد أننا نطلبه ليكون البطل في هذا التحقيق الصحفي، ولسنا أصحاب قطعان ولا فرادى.

يبدأ بإملاء شروطه.. حوار بدون طاولات، لكن مع قلب بدوي صاف. يعلن طلباته، التي هي في جوهرها أوامر "لا تصوير من الوجه، ويكفي لقبه في التحقيق".. نلتزم بشروط "حوار لعزيب".

فالرجل "صاحب الحبل" معروف للمشاهير من رجال أعمال وموظفين كبار من ملاك قطعان الإبل، بل يعرف عن بعضهم ما لا نعرفه كصحفيين.

وهكذا يبدأ سرد ما في جعبته، فيقول "تتمثل مهنتي في البحث عن ضوال الإبل، والاتصال بأصحابها لأقوم بعد ذلك بحدوها إلى حيث يريدون إما إلى قطعان إبلهم، أو إلى "المربط" في نواكشوط في حالة قرروا بيعها، وأحصل مقابل ذلك على مبالغ مالية معروفة تبعا لحال الضالة، إن كانت ناقة والد، أو في آخر المخاض، أو هزيلة، فهذه تتطلب الحرص الشديد خلال حدوها إلى المكان الذي يحدده مالكها.. وكالعادة أتقاضى ما بين 10 إلى 15 ألف أوقية عن كل رأس من الضوال أحدوه إلى مكان صاحبه".

يضيف "يطلب مني بعض ملاك الضوال أن أتعامل له مع راع في المنطقة يرعى ضالته لحين الوقت المناسب لنقلها إلى إبله، والبعض الآخر يطلب مني بيعها لسكان المنطقة وإرسال ثمنها إليه".

يتضح أن محمد عالي يربح أكثر من هذه العملية خلال الرحلة الواحدة بحسب عدد الضوال التي يكتشف مكانها.. عبر رحلة بحث قد تستمر أشهرا، وتبدأ من أماكن انتجاع الرعاة، الذين يخبرونه بالمعلومات عن الضوال التي شاهدوها في نواحيهم، ثم يتصل هاتفيا على ملاكها ليخبرهم بأنها ذكرت في المنطقة التي يوجد بها أو المناطق المجاورة، وعند الاتفاق على السعر، يبدأ البحث عنها ثم يقوم بتجميعها قبل أن يسير قافلته إلى وجهتها حيث يسلم كل ضالة لمالكها أو لرعاته.

قبل الهواتف النقالة كانت المهنة أكثر مشقة، فالمراسلات بين "صاحب الحبل" ومالك الضالة كانت تتم عن طريق عابري السبيل والناقلين، أما اليوم فهي تتم عبر الخطوط الساخنة بشكل مباشر.. هذه الهواتف التي يكن لها "محمد عالي" الكثير من الود والحقد معا.. الود لأنها توفر عليه عناء كبيرا، ولأنها أنقذت حياته مرات، أولاها بعد أن كاد يقتله العطش في فياف بعيدة، والثانية حين سقط من على ظهر جمل فأصيبت ساقه بالتصدع، وبفضل الهاتف وصلته نجدة المعارف ونقل إلى المستشفى حيث تعافى بعد أشهر من الجبيرة. أما الحقد فلأن هذه الهواتف أفسدت حياته الأسرية ثلاث مرات، حيث تتبعته زوجاته السابقات ليعلمن أنهن ضرائر.

تستغرق رحلة "أصحاب الحبل" سيرا على الأقدام قرابة أسبوعين من أبعد ضواحي ولاية الترارزة المجاورة لنواكشوط، وضعف ذلك من ضواحي ولايتي البراكنة وإنشيري.

يحفظ محمد عالي، على غرار "أهل الحبل"، موسوعة كاملة بأسماء ملاك "مياسم" الإبل، وأماكن وجودهم وأعمالهم، وأماكن انتجاع قطعانهم.. هذه "ثقافة" ضرورية لكل من يدخل مهنة "أصحاب الحبل".

يقدر محمد عالي عدد ضوال الإبل في ولاية الترارزة وحدها بأكثر من 9 آلاف رأس، وولايتي آدرار وتيسر الزمور بعشرات الآلاف.. وهذا يشكل سوقا رائجا لـ"أصحاب الحبل" في هذا الموسم، الذي تبدأ فيه الضوال بالهجرة بحثا عن أماكن الكلإ مع بواكير صيف واعد.

يكشف لنا أن سبل وطرائق البحث عن الضوال تختلف من موسم إلى آخر، ففي الصيف يكون رصد الآبار هو الأهم في هذه المهنة، حيث ترد الإبل بحثا عن الماء، وفي موسم الخريف غالبا ما تعود إلى مناطقها الأصلية.

كان محمد عالي قد جمع خمسة نوق في "لعزيب" قرب تكند، وأوثقها بمعزل عن القطعان التي كانت ترعى معها.

يحدد لنا وجهتنا التالية، وهي منطقة "لبيرات" شمال شرق مدينة "واد الناقة" (95 كلم شمالا).. تغريه الرحلة المجانية بالسيارة فيرافقنا إلى تلك المنطقة حيث بلغه ذكر ناقة وفصيلها كلف بالبحث عنهما. يصدر توصيات حازمة برعاية النوق الخمس، ويكون رفيقنا في الرحلة، بل ودليلنا إلى أكثر الطرق اختصارا.

خلال عبورنا للمنطقة ما بين ضواحي "تكند" و"لبيرات"، يتحدث "صاحب الحبل"، حديثا لا يدرك أنه يحمل الكثير من ثقافة المكان، فإلى الغرب "النمجاط"، الحاضرة العلمية الصوفية، التي يمتد إشعاعها عابرا الحدود، وإلى الشمال الغربي منها قبر المرأة الصالحة "سعاد"، التي أصبح اسمها يوظف بكثرة في الميتولوجيا الشعبية، وإلى الشمال من ذلك مقبرة "تمغرت"، حيث يوجد ضريح الرجل الصالح أحمد بزيد يتوسط أضرحة لرجال سجلت أسماؤهم في الذاكرة الجمعية الموريتانية، كالشاعر الكبير والحكيم البليغ الحاج ولد الكتاب وشقيقه، يرفع محمد عالي يديه بالدعاء وبصوت مسموع مسجلا "زيارته" للأقطاب والأولياء والبدلاء، طالبا تسهيل العثور على ضوال كثيرة يبحث عنها منذ أشهر.

بعد سير عشرة كيلومترات باتجاه طريق الأمل، يبدأ هاتف محمد عالي الرنين.. ومن مكالمة إلى أخرى يكون قد ربط الاتصال بشبكة واسعة من الرعاة و"أهل الحبل" في مناطق شتى من البلاد، بل من خارجها أحيانا، من ضواحي "اللوكة" بالسنغال، إلى مكان ما وراء الحدود الشمالية للبلاد.. إنها مملكة الرعاة.. وخلال الاتصالات الهاتفية، يتلقى الأخبار عن أخر الضوال التي شوهدت بالمنطقة، كما يرد على مهاتفيه مخبرا عن مشاهداته للضوال التي يبحث عنها الرعاة أو "أهل الحبل" الآخرون.

يقول مازحا في الهاتف لأحد المتصلين "لقد حكمتني "الشركة" اليوم معي الصحافة"، وفي الاتصال يتضح أن رجل أعمال كلف محمد عالي بالبحث عن ناقة ضالة مع "جذعتين" إحداهما عليها ميسم أسرة في "ألاق" (شرق) وعلى الأخرى ميسم أسرة في "تازيازت" (شمال).. ينبئ ذلك أن رجل الأعمال المتصل كون قطيعه عبر الشراء من ملاك تقليديين مختلفين، وليس من "إبل تلاد"، بالتعبير الشعبي، أي المتوارثة جدا عن جد.

سرعان ما يقطع رجل الأعمال الاتصال بصاحبنا حين يخبره أنه برفقة "الصحافة"، ثم يطلق ضحكته البريئة قائلا "من المؤكد أنكم سمعتم الهاتف صوته عال، لقد قال لي أنت مجنون كيف ترافق الصحافة".

بين هذا وذاك، نتوقف من حين لآخر حتى ينزل محمد عالي ويدور بكل ناقة أو جمل نشاهده، حيث يقوم بدورة من حول الضالة لتخزن ذاكرته أوصافها ومياسمها، وأحيانا يتصل بأصحابها أو رعاتها مخبرا عن مكانها وعلاماتها المميزة الدقيقة... يعرف بسرعة كل العلامات... الميسم أولا، ثم العمر، واللون، والقامة، والهيئة.. كمّ كبير من المواصفات لكل دابة، تجعل لها بصمة لا تشبه أي أخرى.

نعبر طريق الأمل شرق "واد أعواوه"، متوغلين إلى الشمال، وبعد كيلومترات يطلب محمد عالي التوقف فوق ربوة "بئر السعادة".. وعلى الربوة يتقفى آثار الإبل.. يعود إلينا قائلا "هذه آثار إبل أهل فلان".. يبدو أنهم توجهوا إلى الشمال، يصعد بخفة غزال، لننطلق من جديد، قبل أن يطلب التوقف عند "سرحة الكمائن"، إنها ثقافة المكان مرة أخرى، فعند هذه "السرحة" التي احدودب ظهرها من الكبر والجفاف، يحكي لنا محمد عالي قصة عقود من تاريخ الشجرة المسنة مع الرحلات الأولى ل"الكمائن" (الشاحنات) خلال الأربعينيات والخمسينات من القرن الماضي، حيث كانت بمثابة أول "كراج" للشاحنات التي تتعطل في المنطقة جراء وعورة الطريق.

يبدو أن الراعي الذي ضرب موعدا بالهاتف مع محمد عالي عند "سرحة الكمائن" لم يحن موعد وصوله بعد، فهو "قادم من مسافة عشرة كيلومترات" يسوق ضالتين لمحمد عالي.. يمكننا إذا مواصلة الرحلة شمالا إلى بئر "لمهيريد"، فرفيقنا استغل الفرصة وأجرى مكالمات هاتفية مع الرعاة لتجميع ضواله من الإبل، والبئر هو وكالة أنبائه التي يلتقي عندها مع مراسليه وجها لوجه.

عند بئر "لمهيريد" يدخل "محمد عالي" في عناقات حارة مع رفاق مهنته والرعاة الذين وردوا البئر.. وتبدأ التقارير تتهاطل على صاحبنا.. نلاحظ أن محطة البئر تشكل أكثر من نقطة لقاء ل"أهل الحبل" وجمع أخبار الضوال، فعندها يستحمون ويغسلون ملابسهم، ويتزودون بما توفر من زاد، وخاصة التبغ والشاي، وبطاقات شحن الرصيد.

علينا من هذه المحطة عبور التل الشرقي لبئر "لمهيريد"، والوصول إلى الطريق في سهل "أبي الغبراء"، ليشاهد "محمد عالي" ضوالا ذكرت في "وادي الشقارى".

لقد كانت الأوصاف دقيقة كالعادة، واتصل محمد عالي بصاحب الضوال مخبرا عن مكانها، لكن لم يحصل اتفاق على السعر.. و"المعيشة أصبحت غالية" وهي "ضالة من يعيش من البحث عن الضوال".

يأمرنا بالتوجه جنوبا، والعودة إلى "سرحة الكمائن"، فالراعي وصل، وفي الطريق إلى هناك نمر ب"مجهر أبي عقدة".. تلك الآبار المندثرة، التي اشتهرت بأيامها منذ أربعة مائة عام، لما وردها من رجال ومواش.. تبدو آثار الصخور الصلبة الصغيرة فوق مكان الآبار المندثرة، توحي بالجهد الذي بذله رواد حفر الآبار في هذه المنطقة، وتكشف بعض جيولوجيا التربة الصخرية في الطبقات أسفل السطح.

لا ينسى مرافقنا "صاحب الحبل"، الحديث عن كل شيء مرتبط بالمكان، فهو يحفظ تضاريس الأرض الظاهرة، وتلك التي كانت عليها قبل الجفاف، والأقوام التي سكنتها وعمرتها أو مرت بها، والمدافن القديمة في الضواحي، والأعلام الذين دفنوا فيها، ففي مقبرة "بوعقدة" يوجد ضريح مولود ولد الهدى، الرجل المشهور بقوته، الذي بعثته قبيلته لتأمين العلامة المختار ولد بونه ومحظرته خلال سفره إلى منطقة "الكبلة" (الجنوب)، وإلى الشمال يقدم "صاحب الحبل" وصفا دقيقا لمنازل أشهر الأسر العلمية الشهيرة التي قطنت هذه المنطقة... يقول محمد عالي باسما "لم يكن شخص هنا يخصه من يفتيه في حكم شرعي".

يطلب الإسراع بالسير للوصول إلى "سرحة الكمائن"، فالراعي وصل منذ وقت، ويتراجع السائق عن سرعة الزيادة بعد صدمات عديدة في رؤوسنا جراء ارتطامها بسقف السيارة، التي تبدو كطائر يتعلم الطيران في هذه الأرض الوعرة، التي تكسوها حشائش السفانا وأشجار الطلح.. وأخيرا مع الظهر نصل إلى الشجرة العلم.. "سرحة الكمائن" فيودعنا "محمد عالي"، الذي سيبدأ على أقدامه رحلة عشرات الكيلومترات خلف ضواله قبل أن يصل مساء بعد غد، حسب تقديره، إلى "لعزيب" في ضواحي "تكند"، والذي ترك عنده بقية ضواله.

يـتأمل محمد عالي جيدا "الصكمارة"، التي تحوي زاده القليل، ويتأكد من عدة تدخينه، وهاتفه وبطاقات شحنه.. لم ينس شيئا بالسيارة، فيلوح مودعا، ليعود "محرك البحث" للعمل بطريقته التقليدية.

 

المصدر:

الخليج