أزمة الضرائب على الهواتف... الحكم على الشيء فرع عن تصوره

أزمة الضرائب على الهواتف... الحكم على الشيء فرع عن تصوره

 

ضمن قانون المالية لسنة 2026، اتخذت الحكومة إجراءات تهدف إلى تحسين تحصيل الضرائب، ومن بين هذه الإجراءات ما يتعلق بالهواتف المحمولة.

 وقد تمثلت أهم النقاط في:

تشديد إجراءات الجمركة على الهواتف المستوردة لضمان دفع الرسوم الجمركية المستحقة عليها.

تطبيق إجراءات تقنية لمراقبة الأجهزة المستوردة ومنع دخول الهواتف غير المصرح بها جمركيًا.

ربط بعض الهواتف بالشبكات المحلية بعد التأكد من تسديد الرسوم.

تزامن موضوع الهواتف مع ضريبة على التحويلات المالية الرقمية، وذلك ما أثار مخاوف من أن يفتح القرار شهيىة الحكومة لفرض ضرائب على سلع وخدمات أخرى تمس مصالح التجار وتثقل كاهل المواطنين.

كما أثارت هذه الإجراءات انتقادات واسعة في الشارع، حيث اعتبر كثير من المواطنين والتجار أنها قد تؤدي إلى:

ارتفاع أسعار الهواتف في السوق.

زيادة الأعباء المالية على المواطنين.

التأثير على معاملات الدفع الإلكتروني اليومية.

وأثارت المهلة المحددة بـ15 يومًا جدلًا بين الموريتانيين في الخارج، حيث اعتبرها البعض فترة قصيرة جدا وغير منصفة.

في المقابل، دافعت الحكومة عن القرار، معتبرة أن الضرائب ضرورية لتمويل التنمية والخدمات العامة، وأن تحصيلها بشكل منظم جزء من إصلاح النظام المالي للدولة، وأن القرار لا يتعلق بفرض ضريبة جديدة على الهواتف بقدر ما يتعلق بتشديد تحصيل الرسوم الجمركية وتنظيم استيراد الهواتف ضمن إصلاحات مالية أوسع.

وعمليا يمكن للحكومة تقنيًا إيقاف أي هاتف يعمل على الشبكات المحلية عبر نظام مراقبة أرقام الأجهزة (IMEI)، وهو نظام تستعمله اليوم دول كثيرة لتنظيم سوق الهواتف ومنع التهريب والسرقة.

والرقم IMEI هو رقم تعريفي عالمي فريد لكل هاتف محمول، يشبه إلى حد الرقم التسلسلي للجهاز، ولا يتكرر بين هاتفين.

وعندما يتصل الهاتف بالشبكة ( Mattel Mauritel أو Chinguitel أو) يحدث ما يلي:

يرسل الهاتف رقم IMEI إلى الشبكة عند تشغيله أو إدخال شريحة الاتصال.

تقارن الشبكة الرقم بقاعدة بيانات وطنية للأجهزة المصرح بها.

إذا كان الرقم مسجلًا ومصرحًا به يعمل الهاتف بشكل طبيعي.

إذا كان غير مسجل ترسل الشبكة رسالة لصاحب الهاتف تطلب تسوية وضعه، بعد انتهاء المهلة التي تمنحها السلطات يوضع الهاتف في القائمة السوداء (Black List)، وعندها تمنعه الشبكات من الاتصال بها، ولن يستطيع إجراء مكالمات أو استخدام الإنترنت عبر الشريحة.

لكن غالبًا يبقى الهاتف قادرًا على الاتصال عبر (الوِي فّي) واستعمال التطبيقات بدون شريحة.

ولمعرف كيف يمكن أن يرتفع سعر الهاتف بعد تطبيق نظام الجمركة والتسجيل عبر IMEI، نأخذ مثالا عمليا وهو أن نفترض أن هاتفًا ذكيًا يُشترى من الخارج بسعر: 200 دولار، أي ما يقارب 80 ألف أوقية قديمة (حسب سعر الصرف)، إذن قبل النظام الجديد

ثمن الشراء: 80,000 أوقية قديمة

ربح التاجر: 10,000

السعر النهائي تقريبًا: 90,000 أوقية قديمة

بعد تطبيق الجمركة

إذا طُبقت الرسوم كاملة فقد تصبح الحسابات تقريبا كالآتي:

سعر الهاتف: 80,000

الرسوم الجمركية (مثلًا نحو 30٪): 24,000

تكاليف الشحن والنقل: 5,000

ربح التاجر: 12,000

السعر النهائي قد يصل إلى حوالي:

120,000 – 125,000 أوقية قديمة

أي زيادة تقارب 30٪ إلى 40٪ مقارنة بالسعر السابق.

ولن يرتفع كل هاتف بنفس النسبة، لأن السعر يعتمد على:

طريقة الاستيراد (رسمي أو غير رسمي).

تكلفة النقل والشحن.

المنافسة بين التجار.

نوع الهاتف (الفئة الاقتصادية أقل تأثرًا عادة).

إذن الزيادة المتوقعة في السوق قد تكون بين 20٪ و40٪ في بعض الهواتف إذا طُبقت الرسوم الجمركية بالكامل على كل الأجهزة.

ويحمل القرار ثلاث نتائج رئيسية:

الحكومة: ستربح ماليًا إذا كانت الرسوم معتدلة والتنظيم واضحًا قد تزيد الإيرادات وتنظم السوق.

إذا كانت الرسوم مرتفعة أو التطبيق صارمًا جدًا قد ينكمش السوق وتظهر طرق التفاف تقلل الإيرادات.

التجار: بعضهم قد يتضرر خصوصًا التجار الصغار.

المواطنون: سيواجهون ارتفاعًا في الأسعار يثقل كواهلهم مقابل سوق أكثر تنظيمًا.

وبنظرة اقتصادية واجتماعية يُعَدّ سوق الهواتف في موريتانيا من أكبر الأسواق التجارية اليومية في البلاد، لما له من تأثير مباشر في الاقتصاد وفي حياة الناس. 

ولإدراك أبعاد القرار الحكومي المتعلق بجمركة الهواتف، لا بد أولًا من فهم حجم هذا السوق ومدى حضوره في النشاط الاقتصادي.

تشير التقارير إلى أن انتشار الهاتف المحمول في موريتانيا مرتفع للغاية؛ إذ يُقدَّر عدد مستخدمي الهواتف بنحو 4.7 ملايين مستخدم، في حين يناهز عدد سكان البلاد خمسة ملايين نسمة، وهو ما يعني أن نسبة الانتشار تتجاوز 100٪، أي إن كثيرًا من المواطنين يمتلكون أكثر من هاتف أو أكثر من شريحة اتصال. كما تفيد بيانات قطاع الاتصالات بأن عدد الاشتراكات الهاتفية تجاوز 5.4 ملايين اشتراك خلال السنوات الأخيرة.

وهذا يدل على أن الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد اليومي، ومصدر رزق لآلاف الشباب، ففي مدن مثل نواكشوط ونواذيبو نشأت أسواق كاملة متخصصة في الهواتف، مثل سوق “نقطة ساخنة” في العاصمة، حيث تنتشر مئات المحلات التي تعمل في بيع الهواتف وصيانتها وبيع ملحقاتها. وتوفر هذه التجارة فرص عمل لعدد كبير من الناس، من بائعي الهواتف في المحلات، إلى تقنيي الإصلاح، وبائعي الشرائح والإكسسوارات، إضافة إلى الوسطاء العاملين في استيراد الأجهزة.

كما أصبح الهاتف أداة أساسية للعمل لدى فئات واسعة من المجتمع؛ إذ يعتمد عليه كثير من الناس في إجراء التحويلات المالية، وممارسة التجارة الإلكترونية، والعمل عبر الإنترنت، والتواصل مع الزبائن. ولذلك فإن أي تغيير في سعر الهاتف ينعكس مباشرة على الاقتصاد الشعبي.

ويزداد الأمر أهمية إذا أخذنا في الاعتبار ارتباط الهاتف بخدمات الإنترنت والخدمات الرقمية؛ فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في موريتانيا نحو 2.19 مليون مستخدم، ومعظمهم يصلون إلى الشبكة عبر الهواتف الذكية. وبذلك أصبح الهاتف وسيلة رئيسية للتعليم، والإعلام، والتجارة الرقمية، والحصول على عدد متزايد من الخدمات الحكومية.

من هنا يتضح أن قرار جمركة الهواتف لا يتعلق بجهاز إلكتروني فحسب، بل يمس منظومة اقتصادية واجتماعية واسعة، تشمل مصدر رزق آلاف التجار والعاملين في هذا القطاع، وسعر جهاز يستخدمه معظم المواطنين، وقطاعًا اقتصاديًا متصلًا بالاتصالات والإنترنت والخدمات الرقمية.

ولهذا فإن الاحتجاجات التي قد يبديها بعض التجار أو المواطنين العاديين لها ما يبررها من زاوية اقتصادية واجتماعية.

ومن المهم أن تدرك الحكومة هذا البعد وأن تتعامل معه بروح إيجابية ومتوازنة، فالدولة ليست فاعلًا تجاريًا يسعى إلى تعظيم الربح، بل مؤسسة مسؤولة عن إدارة الموارد العامة بما يحقق مصلحة المجتمع واستقراره الاقتصادي.

كامل الود

سيدي محمد