د. محمدُّ أحظانا
توطيئ
في سياق تعدد التحاليل والآراء حول دوافع ومسارات، ومآلات حرب اترا/هو على إيران، والتي كنت من بين المهتمين بقراءتها، أنبه قراء الصفحة إلى أنني أحاول أن أفهمها وأقاسمهم فهمي لها من خلال الاهتمام بدلالة الحدث وأثره المباشر والمتوقع،؛ كما أصر على استبعاد عامل العاطفة والقناعات الشخصية في مرحلة التشخيص، لأستجيب لمطالب الواقع في حد ذاتها ما أمكن، وبعد استحضار ما أتيح لي منها أحاول أن أكتشف منطقها الداخلي، لأعبر منه إلى المسار المحتمل أكثر.
وبعد هذه الخطوة أبدي رأيي الاجتهادي في تشخيص الملابسات من خلال فهمي لها. فإن بقي لي منزع أبديت فيه رأيي الشخصي التقويمي وإلا تركته.
لذا أزعم أن ما كتبته وافق روح الأحداث ومسارها غالبا، استباقا ومجاراة وتتبعا.. لأنني جعلتها مصب تحليلي. فأنا عند التحليل لا أقف مع طرف ضد طرف ولا مع ذاتي، بل أحاور الحدث نفسه؛
لكن هذا لا يمنعني عند الاقتضاء من أن أبدي رأيي المعياري الخاص بصورة منفصلة.
ما اسم اليوم؟
أرى كعادتي في تسمية أيام هذه الحرب أن اليوم العاشر منها هو (يوم المفترق).
لماذا؟
1- يوم المفترق: لأن الحرب كشرت عن أنيابها لجميع الأطراف، وكشفت لهم عن ساقيها، وأعربت لهم عن طبيعتها القاسية، وأسرت وأعلنت لهم عما يكرهون منها. فاليوم منها يوم كريهة.
2- يوم المفترق: لأن نشوة التوقعات الوردية للأطراف المعتدية ذابت في الأتون وانكشط الجلد الناعم عن صهارة النار والحديد والبارود القبيحة الحارقة، وتكسرت أنياب أسلحتهم العصل و مخالبها الضارية في صخر الوحشية من تحت طلاوة الحماسة، وبدأت الحرب التي هي الحرب تغرز شأفتها الحامية في أحشاء الجميع.
3- يوم المفترق بالنسبة لاترا/هو: لأنه يواجه فيه واقع الخيبة المريرة من عدم تحقق نتائج ضربته الاستباقية التي زينها له من لا ينفعه فيها، فاغتال بها مفاوضات ناجحة حصل فيها على ما لن يحصل عليه من هذه الحرب المخيبة.
4- يوم المفترق: لأن اتر/هو ذو الوجهين بدأ يستوعب حقيقة أن القضاء على رأس النظام في إيران يختلف بشكل مروع عن القضاء على رأس النظام في فنزويلا، و فطن متأخرا إلى أن قياسه للمرشد على مادورو قياس فاسد تماما. ولعله أدرك الفرق الشاسع بين أداء الأيديولوجيا السياسية المغروسة في الاجتهادات الشخصية والمطلبية الاجتماعية؛ وبين الأيديولوجيا المغروسة في العقيدة الدينية الراسخة، التي ترى في المبدأ فرض عين عقدي على كل فرد يضحي فيه حتى بنفسه؛ فترتبت على سوء تقديره، غباء وجهلا، نتائج معاكسة لما توقعه.
5- يوم المفترق: لأن اترا/هو وجد نفسه وجها لوجه على الفشل والخيبة في تحقيق أهدافه "العظيمة، الرائعة، الباهرة، المدهشة".. بأقل تكلفة.
فإلى أي اتجاه يفزع؟
6- يوم المفترق على الطرف الإيراني: لأنه ذاق طعم الفشل الذريع في فهم سلوك الخصم المراوغ حتى وقع في المحظور وأخذ على غرة للمرة الثانية، ولُدغ من جحر واحد مرتين، وفقد قيادته جماعيا بخطأ استراتيجي شنيع بعد عقد الاجتماع المشؤوم ليلة الضربة..
7- مفترق طرق لمجتبى الخامنئ: لأنه دُفع إلى أتون حرب شعواء، وهو يحمل في قلبه جمرة الثأر لأبيه وحسرة فقدان عائلته، ويتحمل هم الدفاع الناجح عن أمته المهددة بالتفكيك والاستعمار المباشر والقهر والإذلال من قوة عالمية غاشمة داهمة، وتثقل كاهله آمال أبناء وطن مرهق تتناهبه التحديات، وتتوغل النيران المعادية في أحشائه.
8- يوم المفترق على المجتبى: لأن عليه أن يسعى للتوفيق بين متناقضات: النزعة الثورية لحرس الثورة، ومطالب الإصلاحيين، وشروط المحافظين، ويتقي سورة الحرمان في الشارع، ويجالد العملاء المندسين تحت سجادة نظامه، لاتقائهم من حيث لايدري، ويتوقع في كل لحظة، مع كل هذا، أن تصيبه رصاصة غادرة في أية لحظة، ويعمل حينيا على قيادة عمليات حربية نشطة، و على تلبية حاجات متجددة لمائة مليون مواطن.
9- يوم المفترق في التعاطي الدقيق مع الجوار العربي والإسلامي: فكما أنه من المستحيل على إسرائيل أن تحارب كل دول الجوار؛ كذلك من الغلط الشنيع والخطأ الاستراتيحي أن تحارب إيران جوارها وعمقها الاستراتيجي الأبدي.
فإذا كانت ثمة مطالب ثأرية من حرس المجتبى لإشباع نزعة الحرب الشاملة، فالمصلحة الإيرانية تقتضي التوازن العقلاني للرجل في اعتبار كل الأبعاد.
ولابد له في هذا الحال من الإنصات للصوت السياسي ولو من خلال قعقعة السلاح.
ختام:
في النهاية فإن يوم المفترق مفتوح على كل الاتجاهات والاحتمالات لدى كل الأطراف، و لا أحد أفضل من أحد في تشعب الاختيارات، وتعدد الإكراهات؛ فإلى أيها سينحو اليوم الموالي بأطراف حرب اتر/هو الجنونية؟
