محمد فال ولد بلال
وزير الخارجية الموريتاني الأسبق
بتعيين مجتبى علي خامنئي مرشدًا للثورة، تُوجه إيران رسالة تحدٍ مباشرة وقوية إلى الرئيس دونالد ترامب. والرسالة واضحة: "إ.يران لن تستسلم تحت القصف أبدا. فمهما اشتدت الضربات أو تنوعت الأسلحة، فلن يمس ذلك شرف الإيرانيين ولا كرامتهم ولا اعتزازهم بأنفسهم".
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا أقدم مجلس الخبراء على اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا للثورة في تحدٍّ سافر لأمريكا والكيان الإسرائيلي؟
غالبًا ما تُفسَّر العلاقات بين الدول والقرارات السياسية الكبرى باعتبارها نتاج حسابات عقلانية تقوم على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية. غير أن التاريخ يبين أن العواطف والمشاعر تلعب أيضًا دورًا مهمًا في توجيه الأحداث. فالقادة، رغم مناصبهم، بشر تحركهم مشاعر الكبرياء أو الشرف أو الإهانة، وقد تدفعهم الرغبة في رد الاعتبار إلى اتخاذ قرارات مصيرية. وقد كان الشعور القومي والإحساس بالإذلال من العوامل التي غذّت صراعات وأجّجت حروبا عديدة.
الشعوب لا تتحرك بدافع المصالح وحسابات الربح والخسارة وحدها، بل تتأثر بالمشاعر الجماعية مثل الوطنية والقومية والكرامة والشرف والتضامن. ويستطيع الرأي العام، الذي تشكله وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، أن يضغط على الحكومات ويوجه مواقفها. وفي كثير من الأحيان تسهم المشاعر في دفع الدول إلى التحرك، خاصة عندما تتعلق الأزمات بمعاناة إنسانية أو بقضايا تمس الكرامة الوطنية.
وعلاوة على ذلك، فإن العاطفة لا تتعارض دائمًا مع المصالح، بل قد تعززها أحيانًا. فالإحساس بالانتماء الوطني يقوي تماسك المجتمع ويمنح الدولة قدرة أكبر على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، تتداخل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية مع مشاعر قومية وتاريخية عميقة، مُثقلة بذاكرة طويلة من الحروب والهجرات والأزمات. لذلك فإن فهم سياسات هذا الفضاء يقتضي قراءة المصالح المادية - مثل السيطرة على مصادر الطاقة من النفط والغاز، والتحكم في الممرات المائية - إلى جانب البعد النفسي والعاطفي للشعوب وقادتها.
وفي هذه اللحظة التي تبكي فيها الأمة الإيرانية مرشدها الأعلى، من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى ابنه تعبيرا عن مشاعر الوفاء والعزة والكرامة؛ ولعله يملك من القدرة على التأثير في القلوب وتحريك الوجدان ما يؤهله لأن يكون الأقدر على المناورة السياسية وإدارة مسارات الحرب والسلم.
ليت الدول العربية والإسلامية أدركت أبعاد هذا القرار في ظل التصعيد العسكري الحالي، فسعت إلى جبر الكسور ورأب الصدع، ولعبت دور الوسيط الفاعل لاحتواء الأزمة، والعمل على إنهاء الحرب قبل أن تتسع رقعتها أكثر وتهدد استقرار المنطقة والعالم.
حفظ الله أمة الإسلام وجمع كلمتها على الحق.
