د. محمدُّ أحظانا
بم يمكن أن نسمي هذا اليوم من أيام الحرب على إيران؟
يمكن أن نسميه على أهم ثلاث علامات فيه، تتقاطع في خاصية موحدة، وهي خاصية التدارك؛ والتدارك يعني أن شيئا ما، قد فات المعنيين، سواء وفقوا في تداركه بعد ذلك أم لا:
1- العلامة الأولى:
قرار رئيس إيران ومجلسه الرئاسي:
ب "إيقاف ضرب البلدان المجاورة لإيران (عربية وإسلامية) مالم تنطلق منها أعمال عدائية حربية ضدها. وهو تدارك مطلوب، وعودة إلى جادة الرشد والحصافة الاستراتيجية في التصرف الملائم، وقد نبهت إلى خطأ تعميم رد إيران على إخوتها ولديها أولوية أعظم من ذلك، ضمن هذه السلسلة من مقالات الرأي والاستشراف والتحليل.
لكن هذه الخطوة الجوهرية تواجه تحديات متجددة
- أولها: تسليم بعض القوى الإيرانية من قادة الجيش والحرس الرئاسي بتطبيق القرار على الوجه الأكمل، خاصة ممن يبدو أن جمرة اغتيال المرجع الشيعي السيد الخامنئ لم تتطفئ في قلوبهم بعد.
وصيانة لهذه الخطوة الصحيحة على المجلس الرئاسي الإيراني و حكومته أن يبذلوا جهدا متواصلا ومخلصا بعيدا عن فورة العواطف، بإقناع أهل الزناد بما اتفق عليه أولو الأمر، فصيانة هذا القرار المطلوب في غاية الأهمية لكسب التعاطف من الإخوة والحيران، والحيلولة دون مخطط حصر النزاع تدريجيا بين أهل الأرض وجيرانها من إخوة مسلمين، وخروج المعتدين المحتلين سالمين بعد ذلك من عقابيل الحرب؛ كما يفعلون دائما ويعملون حاليا.
ثانيها: عدم الاستجابة لاستفزاز اترامب للإيرانيين بأنهم "استسلموا للجيران بعد الهزيمة"، فقصده من ذلك واضح وهو تحميش وتحريض الإيرانيين على دول الجوار، وتطميع الجيران في قهر إيران، حتى لا يتفاعلوا مع القرار الإيراني تفاعلا إيجابيا، ويتركوا اترا/هو ذوي الوجهين يهاجم إيران من على أرضهم، فيفشل القرار.
لقد صرح اترامب فورا بعد هذا القرار حتى لا يترك فسحة لنجاحه في امتصاص الاحتقان الملاحظ من حرْف المعركة إلى حرب بين الجيران وهو المخطط، الذي تتحول منه إسرائ..يل وآمريكا من دولتين محاربتين مباشرة إلى دولتين داعمتين؛ ودول الجوار من دول متهربة من مسؤولية الحرب إلى دول متبنية لها.
لقد لاحظ اتراهو بعد أسبوع من الكي والشي أن صحوة إيرانية أعقبت ضربتها القاضية المفاجئة قبيل الإيذان ببداية الجولة الأولى، وهذه الصحوة متزايدة لا متناقصة؛ فلجأت إلى التدبير السياسي عله يتدارك وضع المعركة التي أصبحت متراوحة، وبدأت تنحو نحو روتين التكافؤ في تبادل العنف والتأثير به، رغم التفاوت في القوة المادية العسكرية.
إن الحرب في يومها السابع أصبحت متكافئة فعليا وأداء من حيث التأثير في الأطراف. وهذا ملمح استراتيجي لا تخطئه العين: ضربات هنا وضربات هناك، وقتلى هنا وقتلى هناك، ورعب هنا ورعب هناك، وتهديد هنا وتهديد هناك، ودموع ودماء هنا ودموع ودماء هناك.. فلا طرف بمنأى عن الألم. وهذا هو التوازن، وإن كان مؤقتا إلى أن يجدّ عامل طارئ لم يكن في الحسبان. وما تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي: كاس، ب"محو إيران" البارحة إلا علامة فارقة على وطأة الإحساس بهذا التوازن غير المتوقع، والشعور ببلوغ جهد الكيان مبلغه دون تحقيق المطلوب منه. ولعل "كاس" يفكر، وهو ينطق تلك الكلمات، بالأسلحة النووية لديه، إذ هي الوحيدة القادرة على تحقيق ذلك..
2- العلامة الثانية:
جودة وجدوى التتسيق الغسكري بين الحرس الثوري وحزب الله، في جر عدوهما إلى حرب استنزاف بارعة إلى حد الآن، بحيث لاتستريح مخازن أسلحة الدفاع الآميركية الإسرا..ئلية الباهظة من النزيف المتواصل. وتبح صفارات الإنذار من الزعيق الدائم في إس..رائيل، بما يصاحب ذلك من رعب، وإحساس بقهر كانوا بمنأى عنه عقودا كثيرة، إذ أصبحوا الشعب الأكثر تدليلا وتوفرا للرخاء والدعة في المنطقة على آلام ودماء الآخرين على مدى طويل.
3- العلامة الثالثة والأخيرة:
إفلاس فكرتين متداولتين: إحداهما: عن هيبة السلاح الفائق من طائرات، و حاملاتها أصبح حفظها وتأمينها عبء على المعركة، بسلاح بسيط.
والثانية: عدم جدوائية القواعد العسكرية الآميركية في بلدان المنطقة، كأنها فعلا هياكل ورقية مغمسة في مياه وشواطئ الخليج.
ولم تخل هذه العلامة كسابقتيها من صفة التدارك، لكن بترحيل هذه القواعد وتهجير جنودها.
إن تحول حاملة الطائرات من حامية إلى محمية والقاعدة العسكرية من ملجأ إلى لاجئ، والجندي المقاتل من مدافع إلى مدافع عنه.. علامة بارزة على انهيار مفاهيم الحرب والدفاع. وقد أبدت هذه الحرب من ذلك ما كان مجهولا، وستبوح حتما بالمزيد. بعد يوم التدارك هذا:
- تدارك إيران لخطأ تعميم القصف؛
- تدرك اترامب لأثر قرار إيران بالتوقف عن ضرب الجيران.
- وتدارك وزارة الحرب لإفلاس مفهوم الحماية واتقلابه إلى حماية للحامي بإبعاده عن الخطر.
و في كل حال، سأبقى أنا معكم قراء الصفحة لنتقفى فصول وأيام هذه الحرب حتى ولو كانت مجنونة كي نطلع على المزيد من أطوارها -يوميا- كما وعدتكم..
