عملاق الحديد الجزائري "غار جبيلات" يدخل الخدمة

عملاق الحديد الجزائري "غار جبيلات" يدخل الخدمة

عربي21 – محمد ولد شينا 

 

في خطوة وُصفت بأنها "إعادة صياغة" للخارطة الاقتصادية للجزائر، دخل مشروع منجم "غار جبيلات" العملاق لخام الحديد مرحلة التشغيل الفعلي.

ومع انطلاق أول قطار شحن يربط قلب الصحراء الجزائرية بمراكز التصنيع في الشمال، بدأت الجزائر رسمياً رحلة الرهان على "الذهب الأحمر" لإنهاء عقود من الارتهان لتقلبات أسعار النفط والغاز.

مساء الثلاثاء، وبحضور وفد وزاري رفيع يتقدمه وزراء الداخلية والأشغال العمومية وكاتبة الدولة للمناجم، دُشنت محطة السكة الحديدية في منطقة "غار جبيلات" بولاية تندوف. وأعطيت إشارة انطلاق أول شحنة مكونة من 1000 طن من خام الحديد، محملة على متن قطار يضم 30 عربة.

وكان من المفترض أن يترأس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الحفل، لكن ظروفا مناخية حالت دون ذلك، فيما ينتظر أن يتم بشكل رسمي تنظيم حفل تشدين خلال أيام بحضور تبون.

ينظر إلى هذا الحدث على أنه تجاوز لـ"العقبة التاريخية" التي حمت هذا المنجم من الاستغلال منذ اكتشافه عام 1952، وهي عقبة النقل، فمن خلال "الخط المنجمي الغربي" الذي يمتد لمسافة 950 كيلومتر نحو ولاية بشار، باتت الثروة المنجمية مرتبطة مباشرة بالشبكة الوطنية الجزائرية والموانئ ومجمعات الصلب الكبرى.

 

أكبر مشروع منجمي في تاريخ الجزائر
 


وفق وزارة المحروقات والمناجم الجزائرية يعد مشروع "غارا جبيلات" أحد أكبر المشاريع المنجمية والهيكلية في تاريخ الجزائر، حيث يهدف إلى تطوير واستغلال واحد من أضخم مناجم خام الحديد في العالم، باحتياطات تقدر بأكثر من 3.5 مليار طن. ويقع على بعد 130 كيلومتر جنوب شرق ولاية تندوف.

وحسب معطيات وزارة المناجم الجزائرية يمثل المشروع، إلى جانب منجم مشري عبد العزيز، نحو 90 بالمائة من الإمكانات الجزائرية غير المستغلة لخام الحديد، ويعد رافعة حقيقية لتحويل الجزائر من دولة مستوردة للصلب إلى دولة مصدرة له، بفضل رؤية متكاملة، بدعم رئاسي قوي، وبنية تحتية استراتيجية حديثة.

ويتكون مكمن غارا جبيلات من خام حديد أوليثي ذي أصل رسوبي، موزع على ثلاث كتل رئيسية (غارا جبيلات غرب، وسط، شرق)، مع جسم خام شبه أفقي وغطاء صخري رقيق، وسماكة تتراوح بين 15 و30 مترا، ما يجعله مناسبا للاستغلال المنجمي السطحي واسع النطاق وبتكاليف تنافسية. وقد خضع المنجم للعديد من الدراسات والاستكشافات منذ اكتشافه سنة 1952، شملت نمذجة ثلاثية الأبعاد وحفر مئات الآبار، مما أتاح تكوين قاعدة بيانات دقيقة وشاملة حول خصائصه الجيولوجية والمنجمية.

وأكدت الوزارة أنه تم تجاوز العائق اللوجستي الأساسي الذي طالما شكل تحديا للمشروع، من خلال إنجاز الخط المنجمي الغربي للسكك الحديدية بطول يقارب 950 كيلومترا (بشار–تندوف–غارا جبيلات)، والذي يربط المنجم مباشرة بالشبكة الوطنية، والمجمعات الصناعية، والموانئ.

ويهدف المشروع – وفق القائمين عليه -  إلى بلوغ إنتاج سنوي قدره 50 مليون طن من خام الحديد، تحول إلى نحو 25 مليون طن من المنتجات القابلة للتسويق، لتلبية الطلب الوطني وتصدير الفائض، ضمن مشروع متكامل يشمل الاستخراج، والمعالجة، والنقل، والتثمين الصناعي.

وتقول الحكومة الجزائرية إن استغلال منجم غارا جبيلات للحديد يدخل ضمن مقاربة شاملة للتنمية المستدامة، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والبيئية والطاقوية، ولاسيما عبر الاعتماد على الطاقات المتجددة لتزويد المشروع بالطاقة، خاصة المحطات الشمسية الكهروضوئية بقدرة إجمالية تقدر بـ200 ميغاواط بولاية تندوف، إلى جانب مشروع محطة شمسية بقدرة 80 ميغاواط ببلدية العبادلة بولاية بشار.

كما يشمل المشروع – حسب معطيات وزارة المناجم - إجراءات بيئية متقدمة، من بينها إعادة تدوير مياه الصرف الصناعي، وترشيد استعمال الموارد المائية، وتسيير النفايات الصناعية، بما يضمن تقليص البصمة البيئية للنشاط المنجمي، ويجسد التزام الدولة بإرساء نموذج تنموي مستدام يدعم الانتقال الطاقوي ويعزز التنمية المحلية والاقتصاد الوطني.

 

تفاصيل بشأن المشروع

تولت إنشاء المشروع شركات عامة جزائرية متخصصة في البنية التحتية بالتعاون مع شركة "سي آر سي سي" الصينية.

يبلغ عدد المنشآت الفنية للمشروع 1431 منشأة، منها 45 جسرا للسكك الحديدية و48 جسرا للطرقات و1338 منشأة تخص الري على طول مسار الخط الذي يعبر مناطق صحراوية.

تمتد جسور السكك الحديدية الـ45 على طول إجمالي قدره 20 كيلومترا لعبور مجاري المياه ووديان المنطقة، وتضم أطول جسر للسكك الحديدية في الجزائر وأفريقيا، المنجز فوق وادي "الداورة" (ولاية تندوف) بطول 4.1 كيلومترات وارتفاع 12 مترا.

ورغم عدم الكشف عن القيمة الحقيقة للمشروع، فإن مصادر صحفية محلية ذكرت أن قيمة المشروع الجديد تقدر بـ700 مليار دينار (5.2 مليارات دولار).

 

التحدي التقني
 


ويرى متابعون أن التحدي يكمن في استمرارية وتيرة المشروع، في ظل ما يتطلبه من تكنولوجيا دقيقة لمعالجة "الفوسفور" في الحديد، وهو ما تقول الجزائر إنها نجحت فيه عبر شراكات استراتيجية دولية (صينية وتركية).

ومع تدشين أولى الشحنات، تبدو الجزائر عازمة على جعل "غار جبيلات" بوليصة تأمين ضد اهتزازات أسواق الطاقة، ومحركاً لنهضة صناعية ثقيلة تضعها في مصاف القوى الناشئة.
وتقول الجزائر إن المشروع يأتي في سياق إستراتيجية وطنية شاملة  لتطوير المشاريع المهيكلة، تستهدف توسيع شبكة السكك الحديدية لتصل إلى 15 ألف كيلومتر بحلول عام 2030.

 

توطين الصناعات التحويلية الثقيلة
 


ويرى الأكاديمي والباحث الجزائري حكيم بوغرارة، أن المشروع يدخل في إطار استراتيجية الدولة الجزائرية لتنويع الاقتصاد وتوطين الصناعات التحويلية الثقيلة على غرار الحديد.
وأشار في تصريح لـ"عربي21" إلى أن هناك مشروع لإنشاء مصنع في بشار حوالي 900كلم من "غار جبيلات" من أجل تحويل خامات الحديد إلى مختلف أنواع الحديد لاستعماله في قطاعات البناء والمشاريع الكبرى.

وأوضح أن الجزائر استثمرت مليارات الدولارات في مشروع "غار جبيلات" الذي يضم نحو ألف كلم من السكك الحديدية ترافق المشروع من تيندوف إلى وهران.

وتوقع  بوغرارة أن يعود المشروع بعائدات مالية على المدى الطويل بـ10 مليار دولار وعلى المدى المتوسط  بـ3 مليار دولار.

وأضاف: "هذا المشروع العملاق "سيجعل الجزائر تاسع قوة في مجال التعدين، ولدينا أسواق مهمة للتصدير سواء في أفريقيا أو أوروبا أو حتى آسيا".

ولفت إلى أن المشروع يعود إلى 1952 حيث حاولت حينها العديد من الدول الأوروبية  الاستثمار فيه خلال فترة الاستعمار، لكن قرب استقلال الجزائر عطل تلك الاستثمارات واليوم الجزائر تنجز المشروع.

 

"تحول هيكلي"


بدوره اعتبر مدير مركز "أفريك جيوبولتيك للدراسات" أحمد ميزاب، أن المشروع مشروع غار جبيلات "يمثل تحولا هيكليا عميقا في النموذج الاقتصادي الجزائري، لأنه لا يندرج في إطار مشروع منجمي تقليدي محدود الأثر، بل يشكل رافعة سيادية طويلة المدى تعكس توجها استراتيجيا لإعادة بناء أسس الاقتصاد الوطني على قواعد أكثر تنوعا واستدامة".

وأضاف في تصريح لـ"عربي21": "تتجلى أهمية المشروع، أولا، في كسر التبعية التاريخية للمحروقات، إذ ظلت الجزائر لعقود تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط والغاز، ما جعل الاقتصاد الوطني شديد الحساسية لتقلبات الأسواق العالمية، في حين ينقل غار جبيلات مركز الثقل نحو اقتصاد إنتاجي قائم على الموارد الصلبة، وعلى رأسها الحديد، باعتباره موردا استراتيجيا عالميا يتميز بطلب مستقر وطويل الأمد".

وتابع: "تكمن أهمية المشروع، ثانيا، في تكريس تنويع اقتصادي حقيقي لا شكلي، لأن المشروع لا يقوم على منطق تصدير الخام فقط، بل يقوم على بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ بالاستخراج، وتمر بعمليات التحويل، وصولا إلى صناعة الفولاذ وربطها بالصناعات التحويلية والإنشائية، على المدى المتوسط و البعيد وهو ما يمثل جوهر التنويع الاقتصادي القائم على خلق القيمة المضافة محليا".

ورأى أحمد ميزاب في حديثه لـ"عربي21" أن البعد الثالث "يتعلق بتعزيز السيادة الاقتصادية، حيث يعد الحديد عنصرا حاسما في الأمن الصناعي والعسكري، والتحكم في إنتاجه محليا يقلل من الارتهان للاستيراد، ويدعم استقلال القرار الاقتصادي، خاصة في ظل التحولات الدولية التي أظهرت هشاشة سلاسل التوريد العالمية".

واعتبر أن البعد الرابع يبرز في إعادة التوازن الجهوي داخل البلاد لأن مشروع غار جبيلات يربط الجنوب العميق بدورة الاقتصاد الوطني، من خلال خلق بنى تحتية جديدة، وتوفير فرص عمل مستدامة، وفتح المجال أمام نشوء مدن صناعية جديدة، وهو ما يمنح المشروع بعدا تنمويا واستراتيجيا في آن واحد".

وأوضح أن البعد الخامس "يرتبط بتحسين موقع الجزائر داخل سلاسل الإمداد الدولية، حيث أدت التحولات الجيوسياسية العالمية إلى رفع قيمة المواد الأولية غير الطاقوية، ما يتيح للجزائر فرصة حقيقية للتموقع كمورد موثوق، خاصة باتجاه الأسواق الإفريقية وأسواق حوض المتوسط".

وخلص أحمد ميزاب للقول: "لا يمثل غار جبيلات بديلا فوريا لعائدات المحروقات، لكنه يشكل حجر الأساس لمرحلة ما بعد الريع، ويقاس نجاحه الحقيقي بمدى استمراريته وقدرته على الاندماج ضمن رؤية صناعية شاملة تعيد تشكيل بنية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد".