باريس- “القدس العربي”:
قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية في مقال لفرانسوا سودان، مدير هيئة التحرير، إنه في الوقت الذي بات فيه المجتمع الدولي يميل أكثر فأكثر إلى دعم حل مغربي لقضية الصحراء الغربية، ما تزال الجزائر، رغم النداءات الصادرة من الرباط، غير مستعدة لتغيير موقفها. وهو جمود، رغم بعض التصريحات المتفائلة، لا سيما الأمريكية منها، يبدو أن فرص كسره في عام 2026 تبقى محدودة.
المجلة أضافت أن المغرب نال استقلاله في مارس عام 1956، لكنه كان البلد الوحيد في منطقة المغرب الكبير الذي استعاد حريته منقوصة السيادة الترابية. فقد احتاج الأمر إلى عامين إضافيين لاسترجاع طرفاية، وثلاثة عشر عاماً لاسترجاع إفني، وثلاثة وعشرين عاماً أخرى حتى يرفرف العلم المغربي من طنجة إلى الداخلة، في حين ما تزال سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية.
هذا الإحساس التاريخي بالإحباط أنتج تصورا مغربيا للهوية الوطنية وللشعور القومي بعدم ترك أي مجال للتنازل عندما يتعلق الأمر بالوحدة الترابية. وفي هذا السياق، يرى المغاربة أنهم أُجبروا على تقديم تنازلات كبيرة خلال ترسيم الحدود مع الجزائر، ما يجعلهم غير مستعدين لقبول أي وضع يُنظر إليه، بحق أو بغير حق، على أنه سلب لجزء من أراضيهم، تقول “جون أفريك”.
وبعد مرور نصف قرن على “استرجاع” الصحراء الغربية، وهو الحدث الذي وحّد المغاربة حول شعور قوي بالفخر الوطني، جاء عام 2025 ليعّد عاماً استثنائياً للمملكة، إذ تسارعت خلالها وتيرة الأحداث في اتجاه بدا مواتياً لها. فقد وصف قرار لمجلس الأمن الدولي، للمرة الأولى، مقترح الحكم الذاتي المغربي، الذي قُدم عام 2007، بأنه “أساس لحل عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف”، واعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “الحل الأكثر قابلية للتطبيق”.
صحيح أن القرار رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 جدّد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو) لمدة عام إضافي، إلا أنه لم يعد يؤكد صراحة على الاستفتاء كهدف مركزي للمهمة الأممية، التي بات وجودها يقتصر عملياً على منع الاحتكاك المباشر بين القوات المسلحة المغربية والجزائرية في المنطقة العازلة، توضح “جون أفريك”، مشيرةً إلى أن هذا التحول يعود بدرجة كبيرة إلى الدعم الواضح للمغرب من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحكومة الفرنسية، وهو ما يمثل نجاحاً دبلوماسياً للمملكة، خاصة في ظل حالة الإرهاق الدولي من نزاع منخفض الحدة لكنه ينطوي على مخاطر غير متوقعة على الأمن الإقليمي.
ستيف ويتكوف أم مسعد بولس؟
مضت “جون أفريك” متسائلةً: ماذا يحمل عام 2026 لقضية الصحراء؟ في هذا الصدد، اعتبرت المجلة أن السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً في الوقت الراهن، يتمثل في استمرار الوضع القائم: كل شيء يتغير حتى لا يتغير شيء. فرغم إعلان الولايات المتحدة نيتها لعب دور الوسيط في هذا النزاع، فإن الملف لا يمثل أولوية حقيقية لديها، كما أنها لم تضع بعد خارطة طريق واضحة، ولم تفصح عن نواياها بشكل جلي.
أما التصريح الذي أدلى به ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لدونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، في نهاية أكتوبر عام 2025، والذي تحدث فيه عن توقيع اتفاق سلام خلال شهرين، فقد اتضح أنه مجرد تفاؤل مفرط ولم يترجم إلى أي خطوة عملية. كما يصعب تحديد من يتولى فعلياً هذا الملف في واشنطن: ويتكوف أم مستشار الشؤون الأفريقية مسعد بولس.
يُضاف إلى ذلك، انتظار المجتمع الدولي توضيحات من الرباط بشأن مستوى الحكم الذاتي الذي تعتزم منحه للإقليم، والإصلاحات المبتكرة والبراغماتية في مجال الحوكمة التي يتطلبها هذا الخيار، وهو ما يدفع إلى اعتماد سياسة “إعطاء الوقت للوقت”. ويأتي ذلك في ظل استمرار الجزائر في التمسك بموقفها، رغم بعض المرونة في خطابها، والمتمثل في الإصرار على استفتاء تقرير المصير ورفض اعتبارها طرفاً مباشراً في النزاع، تتابع “جون أفريك”.
ضبط النفس العسكري
ومضت “جون أفريك” مُعتبرةً أن استمرار الوضع الراهن أيضاً يدل على قدرة المغرب والجزائر المثبتة على ضبط النفس عسكرياً. فرغم انهيار وقف إطلاق النار عام 2020، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد ذلك بعام، فإن عوامل التصعيد ما تزال قائمة. غير أن الطرفين يدركان جيداً الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها.
ففي مقابل إطلاق جبهة البوليساريو صواريخ متفرقة، يرد الجيش المغربي بضربات عبر طائرات مسيّرة تظل محصورة بدقة داخل المنطقة العازلة. من جانبها، حرصت الجزائر حتى الآن على عدم تزويد “وكلائها” في البوليساريو بالأسلحة الحديثة التي يطالبون بها، ولا بتكنولوجيا التشويش المضادة للطائرات المسيّرة، وفق “لوموند”.
أما نحو 175 ألف صحراوي في مخيمات تندوف، حيث تشكل الأجيال المولودة بعد نزوح 1975 الغالبية، فيُنظر إلى استمرار معاناتهم باعتباره نتيجة جانبية لغياب الحل. غير أن واقعهم بين التهريب والرغبة في الهجرة وإغراء الكفاح المسلح، يشكل قنبلة موقوتة حقيقية.
سيناريوهات أخرى
هناك سيناريوهان آخران أقل احتمالاً في أفق عام 2026، تضيف “جون أفريك”: الأول يتمثل في أن تُقدم إدارة ترامب على ممارسة ضغوط مباشرة على الجزائر لدفعها إلى القبول بمقترح الحكم الذاتي المغربي، من خلال التهديد بالعزلة الدبلوماسية أو حتى العقوبات الاقتصادية. غير أن نجاح هذا الخيار يظل مستبعداً، إذ يصعب تصور قبول الجيش الجزائري، الذي يمثل الرئيس عبد المجيد تبون واجهته السياسية، بما قد يُعتبر إهانة وطنية، وهو ما قد يؤدي إلى تشدد أكبر وربما إلى تصعيد عسكري.
أما السيناريو الآخر، وهو الأكثر واقعية بعد استمرار الوضع القائم، فينبع من قناعة مغربية متزايدة بأن خيار التفاوض بات متجاوزاً، في ظل الرفض الجزائري المستمر لمقترح الحكم الذاتي. وقد يدفع ذلك الرباط إلى شن هجوم دبلوماسي على ثلاثة محاور.
يتمثل المحور الأول في السعي إلى تصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة لإخراج الصحراء الغربية من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، المدرجة منذ عام 1963 ضمن أعمال اللجنة الرابعة إلى جانب جبل طارق ونيو كاليدونيا وعدد من الجزر في المحيطين الهادئ والكاريبي.
وبالنظر إلى ميزان القوى داخل الجمعية العامة ومجلس الأمن، فإن الحصول على أغلبية مؤيدة يبقى أمراً ممكناً، تقول “جون أفريك”، مضيفةً أنه في حال تحقق ذلك، قد يتوجه المغرب إلى الاتحاد الأفريقي للمطالبة بمراجعة قرار الاعتراف بـ“الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” كعضو في المنظمة منذ عام 1982. ورغم أن النظام الأساسي للاتحاد لا ينص صراحة على إمكانية التراجع عن الاعتراف، فإن تعليق عضوية هذا الكيان، الذي تتراجع الاعترافات به منذ سنوات، يبقى نظرياً وارداً.
أما المحور الآخر، فيتمثل في تحرك مغربي لدى الشركاء الأمريكيين والأوروبيين من أجل تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، استناداً إلى علاقاتها المفترضة بإيران وحزب الله. وهو خيار بالغ الخطورة، لأنه قد يعني اعتبار الجزائر دولة متواطئة، وهو خط أحمر لا يبدو أن حلفاء المغرب مستعدون لتجاوزه.
وأشارت “جون أفريك” إلى تجديد الملك محمد السادس، هلال خطاب العرش في يوليو عام 2025، دعوته إلى “حل توافقي” يسمح لجميع الأطراف “بحفظ ماء الوجه”، دون غالب أو مغلوب. لكن هذه اليد الممدودة، البعيدة عن أي نية لإذلال الجيران، لم تجد من يمسك بها.
ومن المرجح، بحسب المجلة، أن يستمر هذا الغياب للتجاوب خلال عام 2026، لأن النظام الجزائري لا يتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها قضية وطنية بقدر ما يراها أداة لإضعاف المغرب ووسيلة لتدبير توازناته الداخلية، وهو ما يجعل عزلته الدبلوماسية عاملاً في مزيد من الهروب إلى الأمام بدل البحث عن تسوية.
