كاتب ومحلل سياسي أردني.

لا تشبه انهيارات قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من حيث سرعتها، سوى الانهيارات السريعة والمفاجئة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. عشرة أيام، هنا وهناك، كانت كفيلة بإحداث انقلابات جذرية في المشهدين: السوري والإقليمي، والقياس هنا مع الفارق في وزنَي الحدثين.
ومثلما فعلت "البيئة الإقليمية-الدولية" المتغيرة فعلها في إسقاط نظام الأسد، بعد أن سحب الحلفاء أيديهم، وأزاحوا من فوقه المظلة ومن تحته البساط، فإن تطورات البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا هذه الأيام، قد حولت انهيارات "قسد" إلى ضرب من السقوط الحر.
تبددت الرهانات والأوهام، ووقع المحظور، وها هي الحركة الكردية تدفع الأثمان التي طالما حذر كثيرون من احتمالات دفعها.
في السياق السياسي-الإستراتيجي المتغير
اكتسبت "قسد" مكانتها المتميزة من منظور الحلف الغربي بزعامة الولايات المتحدة، وبدعم من بعض العواصم الإقليمية، من دورها في مواجهة "تهديدات" ثلاثة:
- أولها: النظام السابق، وحاجة هذه الأطراف لاستهدافه، وإخراج مناطق شاسعة من تحت سيطرته و"ولايته"، واستتباعا، مواجهة "المحور" الداعم له، من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، مرورا ببغداد.
- ثانيها: تنظيم الدولة "داعش"، والحاجة لكبحه واحتواء انتشاره وتمدده، بعد أن سيطر على كامل شرق الفرات، وأجزاء واسعة من غربه، فضلا عن ثلث مساحة العراق، وثاني أكبر مدنه: الموصل، وذلكم تفويض ظل ممنوحا للحركة الكردية، حتى بعد سقوط النظام، ودخول سوريا بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عهدا جديدا.
- ثالثها: وقد تفاقم بالأساس في ذروة صراع المحاور وحروب الوكالة، في عشرية "الربيع العربي"، إذ رأت بعض العواصم الإقليمية في "قسد" رأس حربة يمكن الاتكاء عليها لإزعاج تركيا، وتهديدها في أمنها واستقرارها وسلامة وحدتها الترابية والوطنية.
يومها، كانت تركيا تتصدر قائمة "مهددات" الأمن القومي والوطني من منظور تلك الدول، قبل أن تتبدل الأحوال، في السنوات الأربع أو الخمس الفائتة، وتنتقل تركيا من موقع التهديد القائم إلى موقع الحليف المحتمل لعدد منها.
سقوط نظام الأسد، وتراجع الدور الإيراني، وانكفاء المحور، أسقطت جميعها عن "قسد" مكانة "الأولى بالرعاية" من منظور واشنطن، وباريس، ولندن، وتل أبيب من خلف ستار.
فالنظام الجديد في دمشق، لم يكن يوما بحاجة لمن "يحرضه" على هذه الأطراف، وهو قاتلَها زمن المعارضة، وقطع "الممر الإيراني" في منتصفه بعد وصوله إلى السلطة، سالبا "قسد" واحدة من أهم وظائفها الإستراتيجية.
ظل الرهان الغربي على "قسد" كرأس حربة في مواجهة إرهاب تنظيم الدولة قائما، برغم تغيير النظام في سوريا. عواصم الغرب، وبعض عواصم العرب، لم يكن لديها يقين بأن الحكم الجديد في سوريا، سيأخذ على عاتقه مهمة محاربة التنظيم ومطاردته، بالنظر لخلفيته السلفية.
لكن نظام الرئيس أحمد الشرع، سينضم بعد مرور أقل من عام على قيامه، إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، لتصبح سوريا الدولة رقم 90 في هذا التحالف، وسيفي، في غير موقع ومناسبة، بالتزاماته في العمل الأمني والاستخباري والميداني ضد "تنظيم الدولة".
ليسقط بذلك ثاني أهم ركن من أركان "التفويض" الممنوح لـ"قسد"، والذي استحقت عليه كل هذا الدعم و"التغطية" من واشنطن وحلفائها.
فما الذي يمكن لـ"قسد" أن تقدمه لهذا الحلف، ولا تستطيع دمشق تقديمه أضعافا مضاعفة؟ ذلكم هو السؤال الذي كان يتعين على قادة "قسد" البحث عن جواب عنه
أما الدعم الذي كانت تحظى به "قسد" من عواصم عربية، راهنت على تحويل مظلوم عبدي إلى "حميدتي 2" أو "حفتر 2" أو "عيدروس الزبيدي 2″، فقد كثيرا من أهميته وإلحاحيته، في ضوء ما شهدته علاقات دول عربية بتركيا من مصالحات وتسويات.
ليست كل العواصم انخرطت في ملف "توظيف قسد" ضد أنقرة بالطبع، وليست كلها تحتفظ بالدرجة ذاتها من الثقة والاطمئنان للدور التركي الراهن، لكن بالنسبة لها جميعها، فإن تركيا اليوم، غادرت موقع "العدو" الذي كانت فيه زمن ثورات "الربيع العربي".
وأحسب أن تفكيرا عاقلا وواقعيا، كان يُملي على قادة "قسد" قراءة المشهد بحركته وديناميته، لا أن تبقى نائمة على حرير أوهامها ورهاناتها الخائبة، وأن تشرع في التمييز بين ما هو واقعي وممكن من مطالبها، وما هو خارق لكل السقوف والخطوط الحمراء، وينتمي إلى عهد أفل.
مياه تحت البيت الكردي
ثمة أقطاب "تاريخية" ثلاثة دارت الحركات الكردية في المنطقة، وتدور حولها: زعامة الطالباني الآفلة بعد رحيله، وعجز السليمانية عن إنتاج قيادة كاريزمية بديلة عابرة للحدود المحلية.
زعامة البارزاني التاريخية، التي لم تكن يوما على وفاق مع "قسد"، واحتفظت بالحد الأدنى من "روابط الأخوة" مع التنظيم، وآثرت عليه مجموعات وأحزابا انضوت في المجلس الوطني الكردي، على اعتبار أن "قسد" محسوبة على الزعامة الكاريزمية الثالثة للكرد، ذات الامتداد العابر للحدود، والمقصود عبدالله أوجلان، أكثر القادة الأكراد تأثيرا على الأكراد داخل بلاده وخارجها.
وما زالت الذاكرة حافلة بمحطات من "تأزم العلاقات" على ضفتي الحدود بين "روج آفا" وإقليم كردستان العراق، بدءا بإغلاق المعابر، مرورا برفض استقبال قادة ومواطنين في أربيل، وقصص عن تسهيلات قُدمت لمرور قوات وسلاح، لأطراف مناهضة لـ"قسد" متجاوزة الحدود العراقية والتركية معا.
ما كان ممكنا لزعيم كردي-تركي، جنح للسلم، وحل حزبه، وألقى سلاحه، أن يستمر في مطالبة مريديه من أكراد سوريا، بالاحتفاظ بسلاحهم، والإبقاء على نزوعهم "الانفصالي" تحت مسمى الفدرالية واللامركزية الموسعة.
إعلان
ما كان للأب الروحي، أن يحصر نظريته للدولة والمجتمع الديمقراطيين في محبسه بجزيرة إمرالي، أو إبقاءها داخل حدود بلاده، وأن "يستكثرها" على جواره السوري، وأكراد سوريا بالذات.
وأحسب أنه منذ المصالحة التركية، وقرار حل حزب العمال الكردستاني، وإلقاء السلاح، وبدء رحلة الهبوط من جبال قنديل، فقدت "قسد" صخرة كانت تستند إليها، وهي وإن احتفظت في صفوفها وقيادتها برموز قيادية من الحزب المذكور، إلا أن الأثر الذي أحدثته تحولات أوجلان على "قسد" لا يمكن نكرانه، أو التقليل من شأنه.
ما الذي يمكن لـ"قسد" أن تقدمه لأميركا وحلفائها، ولا تستطيع دمشق تقديمه أضعافا مضاعفة؟. ذلكم هو السؤال الذي كان يتعين على قادة "قسد" البحث عن جواب عنه.
وفي أربيل، لم تجد "قسد" عند الزعيم مسعود البارزاني، ما كانت تبحث عنه. الرجل الخارج من صدمة فشل "الاستفتاء"، يبدو أنه تعلم بالطريقة الصعبة، دروس "المغامرات غير المحسوبة"، واتخذ موقع الناصح لـ"قسد" بالاستجابة لنداءات دمشق، والمرسوم الرئاسي حول حقوق أكراد سوريا ومشاركتهم ومواطنتهم.
ولعله أمر ذو مغزى، أن يصدر اتفاق 18 يناير/كانون الثاني من أربيل، وهو بكل المعاني، استبطن هبوطا بسقف التوقعات و"المكتسبات" الكردية، ولو أن "قسد" ذهبت إلى تنفيذ أمين وسلس لاتفاق 10 مارس/آذار، لكانت اليوم في موقع أفضل في تركيبة الحكم والقيادة في سوريا الجديدة، لا سيما أن الاتفاق المذكور أُبرم في مناخات أحداث الساحل الضاغطة على دمشق، وقبل أن تستكمل الأخيرة انفتاحاتها على الساحتين العربية والدولية.
لقد راهنت "قسد"، أو صقورها بالأحرى، على إمكانية الحصول على اتفاق أفضل، فتحصلت على اتفاق أسوأ من منظور تطلعاتها وحساباتها.
فقدان البوصلة
في الأشهر الأخيرة، بدا أن بوصلة "قسد" قد فقدت اتجاهها مرتين:
- الأولى: تظهرت بقيام مصادر ومواقع استخبارية، بتداول تسريبات مفادها، أن "قسد"، إذ أخذت تستشعر سيناريو "التخلي والخذلان"، وتواجه احتمالات سحب غطاء الرعاة وبساطهم معا، تبحث في إمكانية طلب العون من أعداء الأمس: إيران وحزب الله وبقايا النظام السوري القديم.
دمشق اتهمت "قسد" باستخدام مسيرات "الشاهد" إيرانية الصنع في حلب وأريافها، ومصادرها تحدثت عن تجنيد أكثر من سبعة آلاف من "الفلول" في صفوفها، فيما تسريبات استخبارية تحدثت عن وصول وفد منها إلى الضاحية الجنوبية قبل بضعة أشهر.
وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الأنباء أو زيفها، فإن المؤكد أن "قسد" أدركت سريعا، أن هذا ليس خيارا أبدا، ذلك أن نقل البندقية من كتف واشنطن إلى كتف طهران، سيكون مكلفا على "قسد" بالذات، ولن يفضي إلا إلى تسريع مسار "انقلاب الرعاة" عليها وعلى مشروعها، ما سيضع حدا نهائيا لكل تطلعات الأكراد، المشروعة منها وغير المشروعة.
ولقد عزز من صدقية هذه "التسريبات"، التغطية الإعلامية التي اعتمدتها وسائل إعلامية محسوبة على محور طهران، إذ كان واضحا أن ثمة "نفس تعاطف"، أو موضوعية فائضة عن الحاجة، في التغطيات الإخبارية، وفي نوعية الضيوف وانحيازاتهم، لكأن ثمة "حنينا" أو رهانا في "مطرح ما"، على عودة عقارب الساعة إلى الوراء، رغم أن مياها كثيرة، كانت قد جرت في أنهار سوريا والمنطقة، منذ انقلاب المشهد في 8 ديسمبر/كانون الأول.
- والثانية: عندما حاولت "قسد" اختبار نظرية "حلف الأقليات" في مؤتمر القامشلي الشهير، وبدأ بعض من قادتها تجريب خيار الرهان على إسرائيل، والتلويح بطلب العون، والانفتاح على لقاءات إعلامية وسياسية مع مسؤولين ومحطات إعلامية إسرائيلية، وتحريك اللوبي الكردي بالتنسيق مع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن ضد دمشق.
رهان خائب آخر، لا تبرره مسارات التطبيع الرسمية بين عرب وإسرائيل، كما لا تسوغه مفاوضات رسمية بين دمشق وتل أبيب للوصول إلى اتفاق حول جنوبي البلاد، واصطدم وسيصطدم بموقف شعبي عربي رافض هذا الكيان، لا يرى فيه إلا صور العنصرية والإبادة والتطهير العرقي.
إعلان
مفاجأة الميدان
أن تتقدم قوات الجيش السوري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بل وفي كل مناطق غرب الفرات، فهذا أمر مفهوم، وله ما يفسره ويبرره. لكن المفاجأة التي أتت على "قسد"، وأصابت سيطرتها في "مقتل"، إنما تمثلت في "انتفاضة العشائر العربية" على التنظيم الكردي.
لقد عاشت "قسد" حالة إنكار مديدة، لوجود فجوة بين الحكم والمحكومين في مناطق سيطرتها: أقلية كردية، عقائدية (يسارية-علمانية)، تمسك بتلابيب السيطرة والتحكم بأغلبية عربية محافظة، عشائرية في هويتها ومبناها، ولم تفلح كل السردية التي تبنتها "قسد" في التغطية على حقيقة أنها تفرض سيطرتها بالقوة على مناطق الأغلبية العربية "الكاسحة"، بالذات في دير الزور والرقة وأنحاء من الحسكة ذاتها.
لم تفلح عمليات "التطعيم" التي أجرتها "قسد" للإدارة الذاتية، بعناصر عربية، في إخفاء الطابع المهيمن للتنظيم الكردي على هذه الإدارة، فكان العرب فيها، بمن فيهم بعض الأسماء المحترمة، ليسوا أكثر من "خرزة زرقاء"، تضفي طابعا وطنيا زائفا على جوهر مؤسسات الحكم والإدارة، الممسوكة أساسا من التنظيم.
وإذا كان نظام الأسد قد لعب دورا منفرا للعشائر العربية، دفعها لحضن "قسد"، وإذا كان ذاك النظام قد أبدى اهتماما أقل بهذه المناطق وأهلها، من منطلق نظرته الخاصة إلى "سوريا المفيدة"، فقد جاء إلى رأس الحكم في سوريا نظام جديد، بأولويات مختلفة، رأت فيه العشائر فرصة للتخلص من سيطرة "قسد"، فخرجت عن بكرة أبيها لملاحقة وحداتها وقواها الأمنية، واستبقت الجيش في إسقاط هذه المناطق واسترجاعها.
تلكم كانت "قاصمة الظهر" بالنسبة لنفوذ "قسد" المتمدد في فراغ السلطة والنظام، وعلى مساحة تزيد عن ربع مساحة سوريا، ذات أغلبية عربية وازنة.
والخلاصة:
- أولا: أن "قسد" لم تتعلم من دروس تجربتها الخاصة، ولا من دروس أشقائها في تركيا والعراق، فأقدمت، بما يصل حد العمد والإصرار، على مقارفة الأخطاء ذاتها، والبناء على الرهانات الخائبة ذاتها، و"التغطي" بواشنطن، دون الأخذ بالحكمة الذائعة: "المتغطي بأميركا عريان".
- ثانيا: أن "قسد" كانت محاميا فاشلا عن قضية عادلة، وهنا نفتح قوسين للتشديد على قناعتنا، بأن للأكراد حقوقا فردية وجماعية مهدرة بأقدار متفاوتة، في الدول التي يتوزعون عليها، ومن ضمنها سوريا، ولقد ازداد الأمر سوءا في السنة الأخيرة، حين لاحت في الأفق، معالم انسداد لمشروعها.
- ثالثا: أن لا حلَ عسكريا لمشكلة الأكراد وسوريا على الإطلاق، لا من جانب السلطة ولا من جانب الأكراد، فالحل يمر عبر الحوار حصرا، وبالوسائل السلمية، من دون استقواء بالخارج أو استدعائه، وبدستور مدني-ديمقراطي لسوريا، يكفل لكل المواطنين والمواطنات، الكيانات والمكونات، حقوقهم الفردية والجماعية. تلكم رسالة للقامشلي ولدمشق سواء بسواء.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

