خرج اثنان من كبار علماء أوبن إيه آي وأنثروبيك، كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في أمريكا، لإدانة سباقها المحموم لتطوير الذكاء الاصطناعي واتهامها بعدم التصرف بمسؤولية، وهو ما أثار حالة من القلق ليس في الأوساط التكنولوجية فحسب، بل على الصعيدين السياسي والحكومي، في ظل رفض الولايات المتحدة إخضاع شركات تطوير الذكاء الاصطناعي للقوانين والمعايير الأخلاقية.
وقد أعلن جيكوب كوكسون -الباحث السابق في شركتي الذكاء الاصطناعي أوبن إيه آي وأنثروبيك- استقالته، محذرا من أن الشركتين تخوضان سباقا غير مسؤول لابتكار ذكاء فائق، ومؤكدا أن بعض القائمين على بناء هذه الأنظمة مقتنعون بإمكانية تسببها في كوارث تنهي الوجود.
ولم تكن تحذيرات كوكسون معزولة، إذ أيده في طرحه إيفان هوبينجر -باحث السلامة في شركة أنثروبيك- مرجحا بنسبة تتجاوز 10% وقوع حادثة كارثية خلال العقد القادم.
ومن جانبه، شدد بول كريستيانو -عضو مجلس إدارة المؤسسة غير الربحية التابعة لأوبن إيه آي- على خطورة الاندفاع نحو الذكاء الفائق دون وجود أنظمة مواءمة حقيقية، محذرا من فقدان دائم وغير قابل للترميم للسيطرة البشرية.
ورغم كل هذه المخاوف لم تفرض الولايات المتحدة أي قيود على تطوير الذكاء الاصطناعي، بل ترفض بشكل قاطع إبطاء وتيرة تطويره، بحسب ما تناولته مراسلة الجزيرة رانيا حلبي في تقريرها على شاشة الجزيرة.
ويشير التقرير إلى أن البعض يرى أن فرض أطر قانونية وتنظيمية وأخلاقية تحكم عمليات تطوير التقنيات -وهو ما يعرف اصطلاحا بـ"حوكمة الذكاء الاصطناعي"- تقييد لحرية البحث والتطوير، بينما تعد الصين الدولة الوحيدة التي نجحت في تفكيك شركات تقنية خلال حملة تطهير استمرت 3 سنوات. غير أن الاتحاد الأوروبي بات الجهة التنظيمية الأبرز عالميا في وضع تشريعات شاملة لتنظيم آليات وحدود عمل الذكاء الاصطناعي.
قوة المال والبيانات
وتكشف لغة الأرقام التي استعرضها التقرير حقيقة موازين القوة، إذ رصدت 4 شركات تكنولوجيا عملاقة عام 2026 وحدها 650 مليار دولار للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وهو مبلغ يتجاوز موازنات الدفاع لجميع دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة.
ويمثل هذا الرقم قفزة متسارعة مقارنة بالعام الماضي الذي شهد إنفاق 155 مليار دولار، متجاوزا ما أنفقته الولايات المتحدة آنذاك على التعليم والتدريب والخدمات الاجتماعية مجتمعة.
ويرصد تقرير الجزيرة المخاوف التي تتنامى بشأن السلطة التي يملكها الذكاء الاصطناعي، خاصة عند النظر إليها انطلاقا من قاعدة "من يملك الثروة يملك النفوذ" ومع امتلاك هذه الشركات للأصول الرقمية الإستراتيجية كمراكز البيانات الضخمة والرقائق الإلكترونية، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي تتحول فعليا إلى قوى جيوسياسية وسياسية نافذة.
وباتت هذه الشركات قادرة على التأثير المباشر في الاقتصاد والمجتمعات وفي صناعة القرار السياسي، لتنافس الحكومات والدول في أدوار وسيادات لطالما كانت حكرا عليها، مما يضع مستقبل السيادة البشرية في مواجهة آلات فائقة الذكاء تسير دون أطر قانونية أو أخلاقية حقيقية.
المصدر: الجزيرة
