"الريميتي".. رواية تستعيد سيرة رائدة الراي التي صنعت من الألم أغنية

"الريميتي".. رواية تستعيد سيرة رائدة الراي التي صنعت من الألم أغنية

امرأة تحمل ذاكرة وطن

الطيب ولد العروسي

 

 

تواصل الرواية العربية مساءلة التاريخ من خلال استعادة الشخصيات التي صنعت الذاكرة من خارج السرديات الرسمية. وفي هذا السياق، يقدّم واسيني الأعرج رواية تستنطق سيرة الشيخة الريميتي، محولًا حياتها إلى نص أدبي يكشف تداخل الفن بالمقاومة، والذاكرة بالهوية، وصوت الهامش بتاريخ الوطن.

تستعيد رواية واسيني الأعرج الجديدة سيرة الشيخة الريميتي، واسمها الحقيقي سعدية بضياف، التي تُعدّ واحدة من أبرز رموز فن الراي الجزائري والمغاربي، ورائدة هذا الفن، إذ تركت أثرًا عميقًا في وجدان أجيال من المغنين والمستمعين على حدّ سواء.

 وتسلّط الرواية الضوء على مسيرتها الفنية التي امتدت منذ فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر حتى ما بعد الاستقلال، حيث شكّلت بصوتها الصادق والجريء لسان حال البسطاء والمهمشين، ولاسيما النساء والفقراء، معبّرةً عن قضايا الهوية والذاكرة والمقاومة من خلال الغناء الشعبي.

الثنائية المأساوية

 

الرواية تعيد الاعتبار إلى الريميتي بوصفها شخصية ثقافية ووطنية، كما تطرح تساؤلات حول طبيعة الذاكرة الوطنية

تتوقف الرواية عند محطات بارزة في مسيرة الشيخة الريميتي، من بينها أغنيتها الشهيرة “الرقبة يروح يجاهد، والهانة يبيع خوه” سنة 1959، التي ذاع صيتها حتى بين الجنود، بما عكس قوة تأثير فنها في الوجدان الشعبي، ورسّخ حضورها بوصفها صوتًا مقاومًا للاحتلال. كما تُبرز الرواية كيف وظّف واسيني الأعرج سيرتها وصوتها للتأكيد على دور الهامش في إنتاج ثقافة بديلة، تُشكّل ذاكرة موازية للتاريخ الرسمي.

وتمثل الرواية محاولة لإعادة الاعتبار إلى الريميتي بوصفها شخصية ثقافية ووطنية، كما تطرح تساؤلات حول طبيعة الذاكرة الوطنية، وكيفية تمثيل الهامش في الفن والمجتمع. وتكشف أيضًا أن الريميتي، رغم تأثيرها الواسع، لم تحظَ بالتقدير الذي تستحقه داخل وطنها، مقارنة بما نالته من تكريم في الخارج، ولاسيما في باريس. وفي الوقت نفسه، يعكس العمل التناقضات الاجتماعية والازدواجية في نظرة المجتمع إلى المرأة والفن الشعبي.

ولا تقتصر الرواية على سرد سيرة مغنية شعبية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتغدو ملحمة روائية ترصد التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع الجزائري، من الاستعمار إلى الثورة ثم الاستقلال، مبرزةً الأثر الثقافي والسياسي العميق للفن الشعبي، ودوره في حفظ ذاكرة الناس البسطاء.

إلى ذلك يتابع النص تفاصيل حياة الريميتي منذ طفولتها القاسية، وصولًا إلى نجوميتها وتأسيسها مدرسة فنية في الراي، وسط تحديات اجتماعية قاسية، وقمع، وتمييز، وصراع دائم من أجل إثبات الذات.

اعتمد واسيني الأعرج في الرواية على تقنية سردية تمزج بين الوثيقة التاريخية والخيال الروائي، فتغدو الريميتي شخصية أدبية تجسد أبعادًا إنسانية وثقافية واجتماعية متعددة، مع التأكيد على أهمية قراءة الرواية قراءةً متأنية قبل إصدار الأحكام عليها. ومن خلال ذلك، يدعو الكاتب إلى إعادة النظر في مفهوم التاريخ، بحيث يشمل أصوات المهمشين والمتمردين والبسطاء والمسكوت عنهم وثقافتهم، بعيدًا عن احتكار السرديات الرسمية.

كما تكشف الرواية عن أزمة أعمق في العلاقة بين الفعل الثقافي والذاكرة الجماعية، وتدعو إلى الاعتراف بالقيمة الحقيقية للمبدعين الذين عبّروا عن واقع شعوبهم من خلال فنهم، مؤكدةً أن الرواية أداة لفهم تاريخ الهوامش، والنسيان، والذاكرة، من منظور إنساني وفني جديد.

تأتي رواية “الريميتي… أناشيد الجمر والنار”، الصادرة حديثًا في الجزائر عن منشورات “الفضاء الحر”، في 372 صفحة موزعة على ثمانية فصول، لتقدم للقارئ عملًا روائيًا يتجاوز حدود السيرة الشخصية، ويغدو شهادة أدبية على مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر، حيث يتقاطع الخاص مع العام، ويتداخل مصير الفرد بمصير الوطن.

وعليه فإن الرواية تتمحور حول رهانات شخصية سعدية، الطفلة اليتيمة التي فقدت والديها إثر إصابتهما بمرض التيفوس، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة عالم قاسٍ لا يعرف الرحمة. ومنذ الصفحات الأولى، يضع واسيني الأعرج بطلة روايته في قلب معاناة اجتماعية وإنسانية مركبة، يتحول فيها اليتم إلى مدخل لكل أشكال الاستغلال والعنف.

واسيني الأعرج يخلق مساحة للحوار بين التاريخ والأدب، وبين الوثيقة والخيال، وبين الذاكرة الرسمية والذاكرة الشعبية

فبعد وفاة والديها، تقع سعدية تحت سلطة ابن عمها، المعروف بـ”الموستاش”، الذي لم يكتفِ باستغلالها في رعي الأغنام وخدمة المنزل، وتجويعها وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية، بل مارس عليها أبشع صور العنف الجسدي والنفسي، من خلال اغتصابها مرارًا، في مشاهد تكشف الوجه المظلم لمجتمع أنهكته الحرب والاستعمار، فاختلط فيه الظلم الاجتماعي بالقهر الاستعماري.

غير أن الرواية لا تحصر مأساة بطلتها في إطارها العائلي، بل تضعها في سياق تاريخي شديد التعقيد. فقد كانت الجزائر تعيش فترة من أكثر مراحلها اضطرابًا، إبان الحرب العالمية الثانية، ومع نزول القوات الأميركية إلى بعض مناطق البلاد، في حين ظل الاستعمار الفرنسي ممسكًا بمفاصل السلطة كافة، ومواصلًا سياسات القمع والتنكيل.

وفي ذلك الزمن، كان الجزائري يعيش بين نارين؛ فإن رحّب بالقوات الأميركية ظل تحت أنظار الإدارة الاستعمارية التي كانت تراقب كل حركة وكل موقف، وإن ابتعد عنها أصبح عرضة للشك والوشاية من العملاء والمتعاونين. أما إذا فكّر في المقاومة أو رفع صوته مطالبًا بالحرية والكرامة، فإن آلة القمع الفرنسية لم تكن تعاقبه وحده، بل كانت تنتقم من القرى والأحياء والمدن بأكملها، كما حدث في مجازر سطيف وخراطة وقالمة في الثامن من مايو 1945، حين احتفل الفرنسيون بانتصارهم في الحرب العالمية الثانية، بينما خرج الجزائريون في مظاهرات سلمية يطالبون بالحرية والعدالة والاستقلال، فقوبلوا بواحدة من أبشع المجازر في تاريخ الاستعمار الفرنسي.

وفي خضم هذه الثنائية المأساوية، بين الاحتلال الخارجي والظلم الداخلي، تنمو شخصية سعدية. لكنها، على الرغم من كل ما عانته من قهر، لم تستسلم. فمنذ طفولتها كانت تصغي إلى صوتها الداخلي، ذلك الصوت الذي ظل يقود خطواتها ويمنحها القدرة على مقاومة الانكسار. وكانت تؤمن، بفطرتها، وأن قدرها ليس الاستسلام، بل الغناء، وأن صوتها سيصبح يومًا لسان حال البسطاء والمقهورين.

الصوت وطن

إنها رواية عن الريميتي، لكنها في جوهرها رواية عن الجزائر؛ عن الذاكرة الجماعية التي قاومت النسيان، وعن الثقافة التي صمدت في وجه الإقصاء

ولا تقتصر أهمية الرواية على استعادة شخصية الريميتي، بل تكمن أيضًا في إعادة الاعتبار لفئة كاملة من المبدعين الذين صنعوا وجدان الشعوب، دون أن ينالوا ما يستحقونه من اهتمام في الدراسات التاريخية والثقافية. فالرواية تطرح سؤالًا جوهريًا: من يكتب التاريخ؟ وهل يقتصر على السياسيين وقادة الحروب، أم يشمل أيضًا الفنانين والشعراء والمغنين الذين أسهموا في تشكيل الوعي الجمعي؟

وفي هذا السياق، ينجح واسيني الأعرج في تحويل الرواية إلى مساحة للحوار بين التاريخ والأدب، وبين الوثيقة والخيال، وبين الذاكرة الرسمية والذاكرة الشعبية. وهي رؤية تمنح النص بعدًا فكريًا يتجاوز حدود المتعة الجمالية، ليصبح دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم التاريخ نفسه، وإلى الاعتراف بأن الأمم لا تُبنى بالانتصارات العسكرية وحدها، وإنما أيضًا بالأغاني، والحكايات، والأصوات التي تحفظ وجدانها من النسيان.

وفي المحصلة، تمثل “الريميتي… أناشيد الجمر والنار” إضافة مهمة إلى مشروع واسيني الأعرج الإبداعي، وإلى الرواية الجزائرية والعربية عمومًا. فهي رواية تحتفي بالإنسان البسيط، وتمنح المرأة صوتًا جديدًا، وتعيد للفن الشعبي مكانته بوصفه أحد روافد الهوية الوطنية. كما تؤكد أن الأدب قادر على أن يؤدي دورًا لا يقل أهمية عن التاريخ، لأنه يكشف ما تغفله الوثائق، ويضيء المساحات التي يتركها المؤرخون في الظل.

إنها رواية عن الريميتي، لكنها في جوهرها رواية عن الجزائر؛ عن الذاكرة الجماعية التي قاومت النسيان، وعن الثقافة التي صمدت في وجه الإقصاء، وعن الإنسان الذي ظل، رغم كل ما مر به من محن، قادرًا على أن يحول الجمر إلى أغنية، والألم إلى أمل، والصوت إلى وطن.

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري