توازن هش في داكار: هل تهتز ثنائية فاي وسونكو؟

توازن هش في داكار: هل تهتز ثنائية فاي وسونكو؟

 

 

في السنغال، لم يعد الحديث عن العلاقة بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس وزرائه عثمان سونكو مجرد مادة للشائعات السياسية، بل بات موضوعًا تغذيه تصريحات علنية وإشارات متبادلة من داخل قمة السلطة نفسها. فحين يذكّر الرئيس، في مقابلة له يوم أمس، صراحة بأن رئيس الوزراء يبقى في منصبه ما دامت الثقة قائمة، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود الترتيب الدستوري، بل تتجاوزه إلى إعادة تثبيت هرم السلطة داخل المعسكر الحاكم. وفي الظرف السنغالي الحالي، لا يُقرأ هذا التذكير باعتباره مجرد بديهية مؤسساتية، بل كإشارة إلى أن الحاجة ظهرت بالفعل لتأكيد من يملك الكلمة الأخيرة.

ما يزيد حساسية هذا التصريح هو أنه جاء بعد مواقف أكثر مباشرة من عثمان سونكو نفسه. ففي مارس 2026، قال رئيس الوزراء إنه مستعد لإخراج حزب باستيف من الحكومة والعودة إلى المعارضة إذا انحرف الرئيس عن “رؤية” الحزب، وذلك وسط شائعات متصاعدة عن صراع نفوذ بين الرجلين. هذا التطور نقل العلاقة من مرحلة الإنكار المتبادل لوجود خلافات إلى مرحلة باتت فيها الرسائل السياسية تُقال علنًا، ولو بصيغ محسوبة. ومن هنا يمكن فهم كلام فاي بوصفه ردًا غير مباشر على محاولة سونكو تذكير الجميع بأن الشرعية الحزبية والتنظيمية لا تزال في يده بدرجة كبيرة.

جوهر التوتر المحتمل بين الرجلين لا يتعلق فقط بالخلاف في الطباع أو الأسلوب، بل بازدواجية الشرعية داخل المعسكر نفسه. ففاي هو الرئيس المنتخب وصاحب الشرعية الدستورية الكاملة، لكن سونكو يبقى الزعيم الأكثر تأثيرًا داخل باستيف، وهو الشخصية التي مهدت سياسيًا لوصول فاي إلى الرئاسة حين تعذر ترشحه هو نفسه. هذه الثنائية كانت مصدر قوة انتخابية في 2024، لكنها تحمل في داخلها قابلية عالية للاحتكاك حين يبدأ سؤال القيادة الفعلية: من يقود الدولة؟ ومن يقود المشروع السياسي؟ ومن يملك أولوية الترشح والتموقع في أفق 2029، خاصة بعد تعديل انتخابي أقره البرلمان ويفتح الطريق نظريًا أمام سونكو لخوض السباق الرئاسي المقبل؟

وتزداد هذه الحساسية لأن الخلاف، إن وجد، لا يتشكل في فراغ، بل في بيئة حكم مضغوطة اقتصاديًا وسياسيًا. السنغال تواجه تبعات أزمة ديون خانقة ومفاوضات شائكة مع صندوق النقد، فيما تتزايد الضغوط الاجتماعية على السلطة الجديدة. وفي مثل هذه الظروف، تميل الأنظمة ذات القيادة الثنائية إلى إظهار التباين بسرعة أكبر: الرئاسة تميل إلى منطق الدولة والتوازنات، بينما يميل الحزب أو زعيمه التعبوي إلى خطاب أكثر حدّة وتوقعات أعلى من القاعدة الشعبية. لذلك يمكن قراءة التصريحات المتبادلة على أنها جزء من صراع مبكر حول إدارة الإخفاقات والبطء في الوفاء بالوعود، بقدر ما هي صراع على الصلاحيات أو الرمزية.

مع ذلك، سيكون من المبكر اعتبار الأمر قطيعة نهائية بين الرجلين. فالمعطيات المتاحة توحي أكثر بوجود برودة واضحة، وشدّ سياسي مضبوط، ومحاولة متبادلة لإعادة رسم الحدود داخل الحكم، لا بإعلان انفصال كامل. لكن الخطورة تكمن في أن هذا النوع من التوتر، إذا استمر في الظهور عبر الرسائل العلنية، قد يحول الثنائية التي صنعت نصر 2024 إلى مصدر استنزاف داخلي. لذلك فإن التصريح المنسوب إلى فاي مهم ليس لأنه يعلن نهاية العلاقة، بل لأنه يكشف أن الشراكة بينه وبين سونكو دخلت مرحلة جديدة: أقل انسجامًا، وأكثر حساسية تجاه سؤال السلطة الفعلية ومن يمثل المشروع الحاكم حقًا..

المصدر: أقلام"