دعوات متصاعدة لتمكين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من ولاية ثالثة (Photo by JOHN WESSELS/AFP via Getty Images)
عبد الله ولد سيديا
كلما اقتربت الأنظمة السياسية من نهاية دورة حكم، تظهر أصوات ترى في الدستور عقبة ينبغي تجاوزها، لا عقدًا ينبغي احترامه. وفي موريتانيا، أعادت الدعوات المتصاعدة إلى تمكين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من مأمورية ثالثة سؤالًا اعتقد كثيرون أن المشرّع حسمه منذ سنوات: هل يمكن أن تتحول الرغبة السياسية، مهما كان أصحابها أو مبرراتها، إلى مدخل للمساس بقواعد التناوب على السلطة؟
السؤال لا يتعلق بشخص الرئيس، ولا بتقييم حصيلة حكمه، بقدر ما يتعلق بفكرة الدولة نفسها. فالدساتير لا تُكتب فقط لتنظيم الوصول إلى السلطة، وإنما لتحديد اللحظة التي يجب فيها مغادرتها أيضًا. وعندما تصبح القاعدة الدستورية قابلة للتغيير كلما اقتربت نهاية مأمورية حاكم، تفقد معناها بوصفها قيدًا أعلى على السلطة.
نصوص لا تحتمل التأويل
في الحالة الموريتانية تبدو المسألة أكثر وضوحًا من مجرد خلاف فقهي حول تفسير مادة دستورية. فالمادة 26 تحدد مأمورية رئيس الجمهورية بخمس سنوات، بينما تنص المادة 28 بوضوح على أنه "يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة". وبذلك يكون السقف الدستوري مأموريتين رئاسيتين.
لكن المشرّع لم يكتف بذلك.
فالمادة 99 ذهبت أبعد حين حصّنت مبدأ التناوب نفسه، ونصت على عدم جواز الشروع في أي مراجعة دستورية تمس "مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة" أو المبدأ الملازم له المتعلق بكون مأمورية الرئيس خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
وهنا تكمن خصوصية الحالة الموريتانية: النقاش ليس ببساطة حول استخدام آلية دستورية متاحة لتعديل عدد المأموريات، لأن النص وضع هذه القاعدة ضمن الحدود التي لا يجوز أن تطالها المراجعة أصلًا.
إنها، بالمعنى السياسي قبل القانوني، منطقة أراد المشرّع إخراجها من حسابات الأغلبية والظرف السياسي.
تكمن خصوصية الحالة الموريتانية: النقاش ليس ببساطة حول استخدام آلية دستورية متاحة لتعديل عدد المأموريات، لأن النص وضع هذه القاعدة ضمن الحدود التي لا يجوز أن تطالها المراجعة أصلًا
قسم أمام الشعب والتاريخ
هناك ضمانة أخرى ربما تكون أكثر رمزية وقوة أخلاقية، تتمثل في اليمين التي يؤديها رئيس الجمهورية قبل تسلمه مهامه.
فالمادة 29 لا تلزمه باحترام الدستور والقوانين فحسب، بل تضع على عاتقه التزامًا محددًا تجاه المأموريات الرئاسية. وقد أقسم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، عند تنصيبه، بالله العلي العظيم ألا يتخذ أو يدعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أي مبادرة تؤدي إلى مراجعة الأحكام المتعلقة بمدة مأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها الواردة في المادتين 26 و28.
وهذا القسم ليس تفصيلًا بروتوكوليًا في مراسم التنصيب، ولا عبارة احتفالية تنتهي بانتهاء المناسبة. إنه التزام دستوري علني أمام مؤسسات الجمهورية والشعب.
بل إن رئيس المجلس الدستوري، عند تنصيب ولد الشيخ الغزواني لمأموريته الثانية في الأول من أغسطس/آب 2024، شدد على احترام الدستور والمؤسسات، في سياق الحديث عن حدود المأموريات الرئاسية.
أصوات المأمورية الثالثة
مع ذلك، انتقلت الدعوات إلى مأمورية ثالثة خلال الأشهر الأخيرة من الهمس السياسي إلى المجال العام. وصدرت مواقف عن مسؤولين ومنتخبين وشخصيات في الأغلبية تدعو إلى استمرار الرئيس بعد 2029، فيما برر بعض أصحابها موقفهم بالحاجة إلى استكمال المشاريع والمحافظة على الاستقرار واستمرار ما يعتبرونه إنجازات تحققت خلال عهده.
وقد تبدو مثل هذه الحجج مألوفة في السياسة، لكنها تصبح خطرة حين توضع في مواجهة قاعدة دستورية محصنة.
فالاستقرار الحقيقي لا يصنعه بقاء شخص، مهما كانت كفاءته أو شعبيته، وإنما تصنعه قدرة المؤسسات على الاستمرار بعد رحيله. والدولة التي يتوقف استقرارها على شخص واحد تعترف، من حيث لا تدري، بضعف مؤسساتها.
والأخطر أن تجربة المنطقة المحيطة بموريتانيا تقدم ما يكفي من الدروس. فقد كانت محاولات تمديد فترات الحكم أو إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية من بين أسباب أزمات ثقة عميقة في دول أفريقية عديدة، إذ يتحول الخلاف من منافسة على السلطة داخل الدستور إلى صراع على الدستور نفسه.
الرئيس ينأى بنفسه
حتى الآن، لم يتبنَّ الرئيس ولد الشيخ الغزواني الدعوات المطالبة باستمراره بعد انتهاء مأموريته الثانية. بل حرص في تصريحاته العلنية على النأي بنفسه عنها.
وفي يوليو/تموز 2026، عندما سئل عن الجدل المتعلق بالمأمورية الثالثة، قال إن أكثر من ثلاث سنوات ما تزال متبقية من مأموريته، مؤكدًا أنه ليس مع أي شيء يخالف الدستور أو لا يحظى بإرادة الشعب، وأن أولويته ستظل تنفيذ البرنامج الذي انتخبه الموريتانيون على أساسه حتى آخر يوم من مأموريته.
ومن المهم هنا عدم تحميل كلام الرئيس أكثر مما يحتمل: فهو لم يعلن بتلك الكلمات تعهدًا سياسيًا جديدًا بعدم الترشح، لكن موقفه المعلن الرافض لما يخالف الدستور ينسجم مع قيد دستوري أشد وضوحًا، هو القسم الذي أداه عند توليه الرئاسة.
الدستور ليس ملكًا للأغلبية الحاكمة، كما أنه ليس برنامجًا للمعارضة. إنه المساحة التي يفترض أن يقف داخلها الجميع
التناوب هو الإنجاز الأبقى
موريتانيا التي عاشت تاريخًا طويلًا من الانقلابات والتغييرات غير الدستورية للسلطة تحتاج إلى ترسيخ قاعدة مختلفة: أن يصبح انتقال الرئاسة حدثًا عاديًا، لا أزمة وطنية.
وقد يكون أعظم إرث يتركه أي رئيس ناجح ليس عدد الطرق التي شيدها أو المشاريع التي أطلقها، وإنما المؤسسات التي تركها قادرة على العمل من بعده.
لهذا فإن الخطر في دعوات خرق سقف المأموريات يتجاوز اسم الرئيس الحالي. فتحطيم قيد دستوري اليوم يخلق سابقة يمكن أن يستند إليها رئيس آخر غدًا، وحين تصبح النصوص المحصنة قابلة للكسر تحت ضغط الموالاة، يصعب مطالبة السلطة المقبلة باحترامها.
الدستور ليس ملكًا للأغلبية الحاكمة، كما أنه ليس برنامجًا للمعارضة. إنه المساحة التي يفترض أن يقف داخلها الجميع.
أما التناوب، فلا يعني إقصاء أحد ولا إنكار إنجازاته؛ بل يعني ببساطة أن الدولة أكبر من حكامها، وأن الشرعية لا تكتمل فقط بطريقة الوصول إلى السلطة، وإنما أيضًا باحترام موعد مغادرتها.
وفي بلد يبحث منذ عقود عن تثبيت تقاليد الدولة المدنية والمؤسسات، قد تكون اللحظة الأهم في مسيرة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هي تلك التي يسلم فيها السلطة، عام 2029، إلى رئيس يختاره الموريتانيون وفق الدستور.
حينها فقط يصبح احترام القسم درس للأجيال في أن قوة الرئيس لا تظهر في قدرته على البقاء، بل في قدرته على حماية القاعدة التي تحدد متى يرحل.
