مهلة بنت سيد أحمد
وزيرة سابقة
هل صحيح أن القادة السياسيين عادةً «ابحورهم ما ينعامو»؟!
يُقال في مأثورنا الحساني إن القادة السياسيين، والحكّام منهم على وجه الخصوص، «ابحورهم ما ينعامو»، في إشارة إلى عمق حساباتهم ودهائهم وصعوبة استكشاف مقاصدهم. فهل يصعب فعلًا الاطمئنان إلى وعودهم، أم أن بعض السياسيين يقرؤون الإشارات وفق ما يتمنّون، ثم يكتشفون أن للسلطة حسابات أخرى؟!
في هذا السياق، يُروى أن شخصيتين مرموقتين شُجّعتا على الترشّح للانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة، إلى جانب مرشح السلطة الرسمي، صديق الرئيس آنذاك. واختلفت التأويلات بشأن الغرض من ذلك: أكان للتمويه و«لتفراك السبه»، أم لتوزيع الأدوار، أم لإرباك حملة المرشح الرسمي نفسه؟!
وبحسب الرواية نفسها، تلقّى كلاهما وعودًا بالدعم، قبل أن ينسحب أحدهما بعدما أوشك على استكمال استعداداته اللوجستية، مدركًا صعوبة منافسة مرشح ذي خلفية عسكرية، يجمع بين صداقة الرئيس ودعم النظام.
أما الآخر، فقد واصل السباق، معتقدًا أن رأس النظام آنذاك يقف إلى جانبه. ويُقال إن ما عزّز هذا الاعتقاد هو إرسال شقيق الرئيس لدعمه، مع ما يربط شقيق الرئيس بالمرشح من علاقات اجتماعية. كما سانده حزب تواصل، في موقف قرأه بعض المراقبين باعتباره محاولة للحفاظ على قنوات مع أكثر من طرف، فضلًا عن دعم جهات أخرى مؤثرة… لينتهي به السباق إلى المرتبة الثالثة.
وسمعتُ كذلك من أحد السياسيين البارزين المحسوبين على «الحزب الجمهوري الديمقراطي والاجتماعي» أن الحكّام أحيانًا «يخبطو العكس»؛ حتى إن أحدهم، بحسب ما روى، طلب من أصدقائه الترويج لشخص لتولّي منصب معيّن، لعلّ ذلك يدفع السلطات إلى استبعاده منه! وكأن أقصر الطرق إلى إبعاد شخص هو إظهار الحماس لتعيينه…
ولأن هذه الحكايات من روايات الكواليس، فإن الجزم بتفاصيلها ومقاصد أصحابها يحتاج إلى شهادات مباشرة. لكنها تفتح بابًا لتساؤل أوسع: كيف تُبنى الثقة في السياسة؟ ومتى يكون الوعد التزامًا، ومتى يكون مجرد إشارة تحتمل أكثر من تأويل؟
قد يُحسب الغموض دهاءً، وقد يحقّق مكاسب لأصحابه في لحظة معيّنة؛ لكن تكراره يستنزف الثقة، ويجعل الجميع أسرى التخمين، حتى أقرب الحلفاء.
اليوم، يتحدث البعض عن إبعاد العسكريين الطامحين إلى الحكم عن سباق الرئاسة، أو انتهاء مرحلة وصول الشخصيات ذات الخلفية العسكرية إلى سدّة الحكم. وبين الأمرين فرق؛ فتجذّر الحكم المدني يُقاس باستقلال مؤسساته، وخضوع الجميع لقواعد التنافس الديمقراطي، وحياد المؤسسة العسكرية والتزامها بمهامها الدستورية.
وإذا شاء القدر أن يكون الرئيس الغزواني آخر رئيس يأتي من المؤسسة العسكرية، وأن تعقبه مرحلة يترسّخ فيها الحكم المدني الرشيد والتداول الديمقراطي، فسيكون ذلك من أكبر الإنجازات السياسية التي يمكن تحقيقها، مع تفرّغ العسكريين لحماية الوطن، معزّزين مكرّمين. أما استمرار التأثير من وراء الستار، إن حدث، فسيُبقي السؤال حول حقيقة هذا الانتقال قائمًا، حتى لو رأى فيه البعض أمرًا مفهومًا في ظل هشاشة الأوضاع في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تُطرح تكهّنات بشأن احتمال تراجع فكرة المأمورية الثالثة بصيغتها المباشرة، وظهورها في صيغة «مستعارة»، يُحافَظ فيها على النفوذ من خلال رئيس آخر من بين أقرب المقرّبين من الرئيس الحالي. كما تُطرح قراءة تربط خروج ثلاث شخصيات نافذة ومقرّبة من الرئيس الغزواني من التشكيلة الحكومية الأخيرة باحتمال ترشّحها للرئاسة لاحقًا، ليُترك الاختيار للناخبين…
وفي هذا السياق، تُذكر أسماء السادة محمد أحمد ولد محمد الأمين، ومولاي ولد محمد لغظف، الذي يُقال إن استعداداته للترشّح عام 2019 كانت قد قطعت شوطًا متقدمًا، قبل عدوله عن الترشّح ودعمه للرئيس الغزواني. ولمَ لا السيد حننه ولد سيدي، الذي يرى فيه بعض المتابعين مرشحًا محتملًا، إذا استمرّ حضور الشخصيات ذات الخلفية العسكرية في السباق الرئاسي؟
وقد تظهر أسماء أخرى، كما قد يفاجئنا المشهد ببروز شخصية جديدة… مدعومة. وتبقى هذه كلها قراءات واحتمالات، إلى أن يعبّر المعنيون عن مواقفهم وتُعلَن الخيارات.
ومهما تكن الأسماء، فإن قيمة تعدّد المرشحين تتوقف على ما يتيحه للناخبين من اختيار حقيقي بين برامج ورؤى واضحة، في ظل تكافؤ الفرص وحياد مؤسسات الدولة. ومن حقنا جميعًا أن نطمح إلى ممارسة سياسية تكون فيها المواقف واضحة، والتحالفات معلنة، والالتزامات محترمة.
وما أخشاه هو أن يغيب (عن بعض أصدقائي) أصحاب تلك الحسابات، مهما بلغ عمق بحورهم، درسٌ من دروس التاريخ الإنساني وتقلّبات المصائر السياسية: أن الدهاء السياسي لا يضمن سلامة العواقب، وأن القرارات المصيرية غير العادلة، والقائمة على الإضرار بمصالح الشعوب، قد تنقلب على أصحابها، مهما بدت حساباتهم محكمة، ومهما طال الزمن.
وبعيدًا عن الإشارات الملتبسة والتأويلات المتداولة هنا وهناك، نبقى نحن، عامة الناس، ننتظر كلامًا واضحًا وصريحًا… ولعلّ بعضنا يشبه تلك السيدة الموريتانية التي تحكي الطرفة أن زوجها قرّر تطليقها، لكنه أبدل اللام نونًا عند نطق العبارة الحسانية، فقال لها: «أرانك تخنيتي»، بدلًا من «اتخليتي»؛ فرفضت الاعتراف بالقرار ما لم ينطق به بلسان فصيح!
فهل نسمع، نحن أيضًا، كلامًا سياسيًا فصيحًا، تُفهم منه المواقف وتُبنى عليه الثقة؟ أم سنظل نتساءل: هل الحكّام فعلًا «ابحورهم ما ينعامو»… أم أننا بحاجة إلى تغيير قواعد الإبحار؟!
نسأل الله لنا وللرئيس الغزواني التوفيق والسداد، وأن يوفّقه إلى خيارات واضحة تخدم موريتانيا وشعبها الأبي، وتحفظ له مكانته المشرفة، وتصون استقرار البلاد، وتعزّز مؤسساتها، وتفتح أمامها آفاق تداول ديمقراطي رشيد.
