في "ظلال الحروف" يحول المختار السالم الذاكرة إلى أدب

في "ظلال الحروف" يحول المختار السالم الذاكرة إلى أدب

في "ظلال الحروف" يحول المختار السالم الذاكرة إلى أدب/الولي سيدي هيبه
في إحدى خواطره الثرية، المنشورة ضمن زاويته الأدبية السردية "في ظلال الحروف"، قدم الشاعر والروائي المختار السالم نصا تجاوز حدود الاستذكار الشخصي، ليفتح نوافذ على الذاكرة الجماعية، حيث لا يعود البحر مجرد فضاء طبيعي تتعاقب على صفحته الأمواج، ولا "المحظرة" مجرد حيز تعليمي أصيل، بل شكل الاثنان مدخلين لاستكشاف عوالم المجتمع الشنقيطي، بما تختزنه ذاكرته من حكايات ودلالات وتجارب إنسانية جديرة بالإنصات والتأمل، وبما تنطوي عليه من ملامح ثقافية تستحق إعادة الاكتشاف والقراءة في ضوء ما تحمله من عمق تاريخي وثراء رمزي.
وتتجلى إحدى أبرز نقاط قوة النص في قدرته على الانتقال من المجاز إلى الواقع وجعله بحق سهلا ممتنعا، ومن التأمل الفلسفي في حركة البحر وتقلبات أحواله في حركة أموجه إلى استحضار جانب خفي من تاريخ التعليم "المحظري"، بما يحمله من مفارقات إنسانية تكشف أن المؤسسات الراسخة في الوجدان الجمعي لم تكن بمنأى عن التوترات اليومية، وأن التعلق بالعلم وطلبه لم يلغ دائما رغبة بعض الناشئة في التمرد على صرامة الدرس وما يقتضيه من انضباط ومجاهدة.
ويبقى الأجمل في هذه الكتابة الرصينة أنها لا تنظر إلى الماضي بعين التقديس المطلق، ولا تستدعيه بمنطق الإدانة أو الانتقاص، وإنما تقاربه من زاوية إنسانية تنصف تعقيداته، وتعيد الاعتبار إلى تفاصيله الصغيرة التي قد تبدو هامشية، لكنها في حقيقتها مفاتيح لفهم أعمق للبنية الاجتماعية والثقافية. فالحكايات التي يرويها الكاتب عن حيل الصبية ومغامراتهم، على ما تنطوي عليه من طرافة ومبالغة سردية محتملة، لا تقف عند حدود الإضحاك، بل تفتح نافذة على طبيعة العلاقة بين الشيخ والطالب، وعلى المسافة التي كانت تفصل بين هيبة المحظرة ورغبات الناشئة، كما تكشف عن جانب من التربية التقليدية لم يكن يظهر في الصورة المثالية التي استقرت في الذاكرة المجتمعية.
كما برزت اللغة في البناء الفني للنص بوصفها عنصرا أساسيا في تشكيل الرؤية، لا مجرد وعاء لنقل الحكايات لأن الكاتب استثمر صورة البحر وأمواجه ومده وجزره ليؤسس لمجاز جامع يربط تقلبات الطبيعة بتحولات المجتمع، ويمنح الذاكرة بعدها الحي الحركي، وإن كان الاستهلال، بما يحمله من كثافة تصويرية وتراكم في الاستعارات، يوشك أحيانا أن يحجب الفكرة المركزية تحت ظلال المجاز. غير أن النص يستعيد توازنه حين ينتقل إلى الحكاية، حيث تتقدم الوقائع والشخصيات، وتتراجع الزخرفة لمصلحة السرد لتنبثق الطرافة من قلب التجربة نفسها، ويصبح القارئ شريكا في استعادة عالم كان مألوفا لأجيال، لكنه آخذ في الابتعاد عن الذاكرة الحية.
وتكتسب الحكايتان اللتان يسوقهما الكاتب قيمة تتجاوز غرابتهما، لأنهما تحفظان شيئا من تاريخ المجتمع غير المكتوب والذي لا تصنعه القرارات الكبرى وحدها، وإنما تصنعه أيضا يوميات الناس، ومشاغباتهم، ومخاوفهم، وأساليبهم في التكيف مع السلطة، مهما كان نطاقها محدودا. ومن هنا كانت تجلت أيضاأهمية هذا اللون من الكتابة، فهو لا ينافس التاريخ الموثق بقدر ما يرفده بما قد تعجز الوثيقة عن التقاطه من أحاسيس البشر وتناقضاتهم، ويمنح الثقافة الشعبية مكانتها بوصفها رصيدا معرفيا وجماليا يستحق الجمع والتدوين والقراءة النقدية.
يتجلى نص المختار السالم، في جوهره، كدعوة إلى إنقاذ الذاكرة من النسيان، وإلى النظر في تراثنا الاجتماعي والثقافي بعين أكثر اتساعا وموضوعية، فلا نكتفي بما يضيء صورته المثالية، ولا نهمل ما تختزنه هوامشه من تجارب ودلالات. وهو بذلك يذكرنا بأن المجتمعات لا تعرف نفسها من خلال أمجادها وحدها، بل أيضا من خلال مفارقاتها وحكاياتها الصغيرة، وأن ما يبدو اليوم طرفة عابرة قد يصبح غدا وثيقة إنسانية ذات قيمة، متى أحسن الكاتب التقاطه وصياغته وإدراجه في سياقه الثقافي.
تحية للمختار السالم، الذي يثبت بهذا النص أن الكتابة الجميلة ليست استعادة للماضي فحسب، بل هي قدرة على استخراج المعنى من تفاصيله المنسية، وتحويل الحكاية العابرة إلى مرآة يرى المجتمع فيها بعضا من ذاته، في عفويتها وتناقضاتها وثرائها الإنساني.

 

الولي سيدي هيبه
 

كاتب موريتاني