د. محمدُّ أحظانا
اطلعت على بعض الآراء التي ترى أن حل جميع مشاكلنا النموية منوطة بمزيد من الليبرالية المالية وذلك بتقوية الطبقة المالية الخاصة وانحسار حضور الدولة في تسيير الموارد الوطنية.
ثمة من يرى منا أن مزيدا من استقالة الحكومات وتحويل صلاحياتها المالية والاقتصارية إلى الشركات والمؤسسات الخاصة، هو السبيل الوحيد لإصلاح الحال والقضاء على الفساد، وتحقيق الرفاه العام والتطور.
فهل التمليك المالي لنخبة ما والتمكين لأقلية مالية هو الحل؟
ابتداء نلاخظ أن النسخة الحالية من الليبرالية الغربية المتوحشة تحتضر حسب مؤشرات اقتصادية واجتماغية وسياسية واستراتيجية، من فساد في رأسها مثل فساد السمكة، لأنها تحولت بالتقادم والشيخوخة إلى "دكتاتورية مالية ضارية صريحة"، لإشباع نهم أقلية لا تزيد على ألف غني مفرط الغنى، عبر العالم الغربي ودول الجنوب معا، حسب آخر التقديرات، وهي فئة أصبخت مهيمنة على السياسة عن وعي بالترغيب والترهيب والحرمان، والرشوة، والعمل الدائب لتجويع وقهر واضطهاد شعوبها، وجلدها واستلابها بشعارات إعلامية براقة، وذكاء اصطناعي مشبوه الاستخدام والتوظيف الانتهاي اللا أخلاقي، بعناوين جذابة. لتحمي نفسها بمزيد القهر والإذلال وتعميم الجوع وإفقار البشرية جمعاء .
لذا فإنني سأؤكد وأعيد التأكيد -هنا- على ثلاثة أمور في وجه الرأي الداعي إلى تكين كامل للنخب المالية:
الأول: أن مسار الليبرالية الغربية الحالية غير قابل للاستمرار هيكليا حيث يمكن لرجل واحد -نثلا- أن يخرب كل الوفرة بكلمة مزاجية واحدة. والنظام المكين أصلب عادة من تغيره الأهوا، فإن تغير بها فهو يُحتضر .
لأنه أصبح دكتاتورية مالية فردية لا ضمان لها. .
الثاني: التأكيد على ما استتشرفته سابقا حول عشرية2019- 2029 بأنها عقد حروب وجوع واضطراب بسبب الغبن الذي يحميه التنظيم الليبرالي الغربي المتوحش .
الثالث: أن هذه الليبرالية المتهالكة ليست حلا للتردي اشعوب المتخلفة؛ بل هي سبب تكريس تخلفها؛
لذا فإن على نخب هذه الدول أن تبحث عن نموذج تنظيم وتنمية مختلف جديد، نابع من واقعها و من مشتقات إبداعها الخاص، على نحو ابتكاري غير متداول. فهذه الشعوب وأنظمتها الحالية تحفر في القاع طمعا في الصعود من بئر تخلف سحيقة القرار.
من هذه النقطة الثالثة، أتساءل سؤال مراجعة وتقويم المسار الحالي لدول الجنوب، لإعادة التفكير في وجهة جديدة؟
فأستنتج اعتراضا على ما ذهب إليه أحد القانونيين الموريتانيين البارزين من أن:
تفكيك واقع الفساد المتراكم، والقضاء على الفشل التنموي ومفتاح التقدم.. لن يكون إلا بتراجع صلاخيات الدولة المركزية، ومنح اختصاصها -تقريبا- لرأس المال الخاص ليتحمل مسؤولية النهوض بالأمة الموريتانية وإخراج المجتمع من دائرة الفساد المتراكم منذ عقود، وتخقيق المطلوب.
إن هذا الطرح يستدعي نقاشا أوسع لكنني ألاحظ هنا أوليا أن "نظام الممونين الخواص" المعتمد في دول الجنوب بتخطيط من صندوق النقد والبنك الدوليين، ونظم الإقراض الفبني.. هي أهم مصادر ومسارب عملية الفساد ونهب المقدرات الوطنية للشعوب والدول، وهو ملاذها الآمن المحمي. إذ لا يستطيع مسير مهما بلغ فساده ونهمه أن يختلس أوقية واحدة ولا دولارا إلا من خلال ممون خاص يفوقه فسادا في الخبرة المتراكمة بذلك،
إن الفساد في بلدان العالم الثالث والثاني وحتى الأول حالة سعار أناني جنوني، يقودها سدنة الخواص المهنيون بالتمالؤ.مع مؤسسات مالية ليبرالية دولية متوحشة وقاهرة تقود عالمنا الثالث إلى مزيد من نهب الشعوب وتجويعها، وترتيب تخلفها،
إن منح رأس المال الخاص مهمة الإصلاح العام والنهوض، بتحييد وتقليص دور الحكومات االمركزية في التوجيه والتخطيط المركزي ورقابة الدولة.ليس مبدأ صحيحا -كما أرى- إلا من باب تطبيق المثل الشعبي الحساني "السارگ ودع له."
والدرس المستخلص من وباء كوفيد وسوء أداء المال الخاص عالميا في مكافحته، وانتهازيته التجارية والمالية، والتربح منه، و حقيقة أن الحكومات هي التي تحملت المسؤولية.ابتداء ووسطا ونهاية. تؤكد أهمية الحكومات المركزية عند أي خطر داهم أو تحد قائم،
وبالمقابل يدل ذلك على هشاشة رأس المال الخاص، وعدم مسؤوليته، مهما زاد غناه.
إن ما يجري الآن في قمة الليبرالية من ترسيم الرشوة في انتخابات الكونغرس الآميركي، مثلا، ومن تغول شهبندر العالم: ماسك وزملائه الثلاثمائة، الذين يملكون 90% من ثروة شعبهم وشعوب العالم بينما يمللك كل شعبهم 10%، من ثرواته.
وحيث بلغت ديون دولتهم 40 تريليون دولار، وخدمة دينها السنوي 1.2 ترليون، وفي السنة القادمة سيتزايد هذا الدين تصاغدا.
هذه الوقائع تؤكد أن الرهان على رأس المال الخاص في حل مشاكلنا الاقتصادية ضلال في شرعة الاقتصاد السياسي المستقبلي، لأن الدرب الذي نسير على سفحه مسدود على من هم أغنى منا في أعالي نفس الدرب الاقتصادي العالمي. وحتى ولو كانت أبصارنا حسيرة عن رؤية الانسداد عيانا فإن هذا لا يغير من الواقع شيئا إلا بالتمني والتعلل.
إن أعالي الطريق الجبلي المتعرج القتصاديا وسياسيا في النظام الليبرالي المأزوم واقع شاخص لمن ألقى السمع وهو شهيد.
و إن الضرورة والتسليم بها يسدان خيارات أخرى ممكنة وأجدى، ويجعلان الإكراه سيد الموقف بعقمه وعدم جدوائيته.
تنبيه أخير:
لأهمية هذا الموضوع، وسعيا لتصور تغيير إيجابي لواقع شعوب الجنوب بما فيها أفريقيا والعالم العربي وموريتاني خاصة، سأعود قريبا بالتفصيل والتعليل والمناقشة لهذا الإشكال العميق، إسهاما في الاشهيص وتصور المخارج من بئر التخلف السحيقة في عالم الجنوب و "الليبرالية الدكتاتورية السائدة"...
