عودة للشِّعر؟

عودة للشِّعر؟

أبو العباس أبرهام

 

 

أظهَرت جوائز نوبل هذا العام لبّ تاريخ الأفكار. ففي الطبّ عبر علم النفس خطّ بارليف إلى الفيسيولوجيا وكشَف عن الـoptogenetics، حيث  تتعانَق البصريات مع الجينات؛ ويمكن التحكّم في الدماغ، ومن ثمّ الشعور، بضبطِ إضاءاته. أمّا في الأدَب فقد فاز الشعر مرّةً أخرى على الرواية (للمرة الثالثة منذ  العقد الماضي). أي حدَث عكس ما حدَث في الطبّ: فاز الشعور على الآلة. وفازت المشيئة على الروبوتية. منذ فترة وهذا ميسَم الفِكر والمستقَبل الإنساني. أوّلاً تؤدّي التقانة إلى تدمير المشيئة وإلى نوعٍ من الوضعانية والفيتغنشانية الأولى، التي تُلغي المشيئة والأدب والفلسفة والمعنى. ومن ناحية أخرى تنصِرف الآداب الإنسانية إلى مزيدٍ من المشيئة والصوت الإنساني الأصلي.

-2-

لقد رأى هيغل وهايدِغر هذا. فنهاية التاريخ، التي بشّر بها هيغل، ألغت الأدب عند اكتمال العقل وتجسّده في الدولة الوطنية. أما هايدِغر، عدو التقانة، فقد رأى أن العقل التقاني دمّر العقل الأدبي. بعكس هيغل، رأى هايدِغر إمكانية للشعر. فالشعر ما سيُعيد الأصالة والصوت الإنساني. إنّ الشعر عنده، خلافاً لهيغل، هو في المستقبَل، لا التاريخ.

3

يمكننا جعل هذا قصة بين الشرق والغرب. ففي بواكير الاستشراق كان الشرق شاعِرياً؛ وكان الغرب عقلانيا أو علمياً. كانت مصر القرن التاسِع عشر بلاد المليون شاعِر. وكانت جلّ البلدان إيتانها بلاد المليون شاعر. وإنّما أفقنا على هذا الشكل مربوطاً بموريتانيا في الستنيات لأنّها كانت لمّا تزال تخرُج من عصر المحظَرة إلى عصر المدرسة. ومن عصر الأنظام إلى عصر الأنظِمة. وكانت القصيدة ما زالت يومية، كما كانت في عصر الملحمة وما قبل الرواية. فأدرك التلفزيون المرحلة الشعرية والانظامية.

-4-

ولكن الشعر لا يعرِف كثيراً العيش في الحداثة. طبعاً يتعيّن علينا احترام تي أس إليوت ووالت ويتمان وبابلو نيرودا وناظم حكمت وومحمود درويش ومحمد الماغوط. ولكنّهم وإن قالوا شِعراً تتشوعَر به الطبقة الوسطى والمثقّفون والفنانون إلاّ أنّهم لم يُفلِحوا في إبقاء الشعر ديواناً للشعب ولا للعرب. وسرعان ما أدرَكت "بلاد المليون شاعِر" هذا. ففي الستينيات انهار الشعر الجاهلي الذي كان ديوان شنقيط. ومع الثمانينيات لم يبقَ غير دخان. وظهَرت حركة جديدة اضطلعت بتحديث الشعر الموريتاني. فجاءوا بشيء كإنتاج الماغوط وربحوا لدّى النُقّاد وإن خسِروا الجمهور. وعاشوا دهراً؛ وفتحوا جسوراً مع قبّاني ودرويش. وامتلأت الأندية الأدبية والمراكز الثقافية وأقسام الأدب والنقد بفصيلة جديدة من البشر منفوشة الشَّعر، حاضرة الشِّعر: تقول نغماً وتتأبط جريدة.

ومع الألفية شاخ وداخَ شعراء الثمانينيات. والتحق بعضهم إمّا بالبلاط أو بقيصر أو بالرفيق الأعلى. وظهرت حركة شبابية جديدة في سياق "شاعر المليون". وأطلقوا دواوين جديدة وطرائق إلقاء جديدة. واليوم تقريباً ماتوا وامتصّتهم الوظيفة العمومية وتكاليف الحياة وهمومها. ومن يعش ثمانية أحوال يسأم.

ولمّا لم يعد الشرق شاعرياً عادَ الغرب، الذي لم يعد استشراقياً، وجمع ما كُتِب من الشعر وإعاد العمل به. الشعر يجول اليوم في الغرب. ولعلّ الغرب اليوم يعرِف الرومي والعطّار وحافِظ والخيام، أكثر من الشرق. صحيفة الغارديان تنشُر أسبوعياً "قصيدة الأسبوع". جريدة الشعب لم تعد تنشر قافية. وكان الغرب، مثله مثل الشرق، قد فصل القافية عن الشعر، والقصيدة عن الأغنية أو الأنشودة، التي لم تعد تتعلّق بالكلمة، بل باللحن. وظهر علم الراپ أو الخنكرة كنوعٍ من الشعر الشعبي.

-5-

إنّ رسالة هايدِغر أنّ التقانة ستُدمّر الحقيقة والأصالة. لقد ذكَر هذا جان بودريار في رصدِه لانتصار الخيال على الحقيقة في مطلع التسعينيات. وسبَقه إلىه جي دو بور، وحتّى برغسون، ونيتشة، بل وأفلاطون، ولكنّه مع الذكاء الاصطناعي صارَ واقِعاً. تدمّرت القريحة والحقيقة. وصارَ الذكاء يُنتِج طريقة تفكير وتكلّم سرعان مايستهلُكها ويتمثّلها الإنسان فيستدخِل الروبوتية. احتباس حراري وتغيّرات مناخية في طرائق التفكير.

إنّ الشعر بهذا المعنى هو الحقيقة. لأنّه يعني وضع الألوان والأحاسيس في الحياة وجرفها بعيداً عن الافتراضية. وحدَه الشعر، أو بالأصحّ الشاعرية، ما سينقِذُنا. ولكن طبعاً قبل ذلك يجب تمييز الشعر عن الهراء.