تشهد فرنسا موجة متصاعدة من الاحتجاجات في أوساط طلاب المدارس الثانوية، على خلفية مطالب تتعلق بظروف الدراسة، واكتظاظ الفصول، ونقص المدرسين، وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، إلى جانب الاعتراض على الضغوط المرتبطة بنظام التوجيه الجامعي "باركور سوب" (Parcoursup).
ومع اتساع نطاق الاحتجاجات، برزت 3 أسماء شابة في واجهة المشهد الإعلامي والسياسي، يمثل كل منها توجها مختلفا في التعامل مع الحركة الاحتجاجية.
وبحسب تقرير نشرته مجلة لوبوان الفرنسية في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، فإن الاحتجاجات الطلابية الحالية، رغم تشابه مطالبها الأساسية، تضم قيادات تختلف بشكل واضح في توجهاتها السياسية وأساليب تحركها.

من اليمين: قادة الحراك الطلابي في فرنسا سورزا وكومباري وراني (الفرنسية+ صحيفة لوبوان)
ويبرز في مقدمة هذه الوجوه رياض راني، رئيس "الاتحاد النقابي لطلاب المدارس الثانوية"، وناتانايل كومباري من حركة "التجديد الطلابي"، إضافة إلى بيير سورزا رئيس جمعية "طلاب المدارس الثانوية".
ويُعد رياض راني أبرز الأصوات القريبة من اليسار، إذ اكتسب شهرة واسعة بعد ظهوره الإعلامي المتكرر للدفاع عن مطالب المحتجين، ويرتبط اسمه بعلاقات سابقة مع شخصيات من حزب "فرنسا الأبية" اليساري، كما سبق أن شارك في أنشطة مرتبطة بالحزب وترشح في الانتخابات البلدية ضمن قائمة جمعت أحزابا يسارية.
ورغم إقراره بأنه "يساري بشدة"، فإنه يؤكد راني أنه ليس عضوا في أي حزب سياسي، ويرفض اتهامات الحكومة بتوظيف الاحتجاجات من جانب اليسار، كما يدين أعمال العنف التي ترافق بعض التحركات.
في المقابل، يمثل ناتانايل كومباري تيارًا أكثر اعتدالا وأقرب إلى التيار الحاكم، وهو عضو في حزب "النهضة" منذ عام 2024. وقد برز إعلاميا باعتباره أحد الأصوات التي تدافع عن مطالب الطلاب، لكنه في الوقت نفسه يرفض شيطنة نظام "باركور سوب"، ويؤكد ضرورة تحسين أوضاع المدارس ومعالجة نقص المدرسين وتحسين البنية التحتية.
كما أعلن صراحة رفضه أعمال العنف، واتهم حزب "فرنسا الأبية" بمحاولة استغلال الحركة الاحتجاجية سياسيا، وقد أثارت علاقاته السياسية والمهنية السابقة مع شخصيات مقربة من غابرييل أتال انتقادات من خصومه.
حريق الاحتجاجات الطلابية لم يقتصر على حاويات النفايات بل طال عديدا من المدارس (أسوشيتد برس)
أما بيير سورزا، رئيس جمعية "طلاب المدارس الثانوية"، فيمثل الاتجاه الأكثر ارتباطا بالمؤسسات الديمقراطية الرسمية للطلاب، وتملك جمعيته 4 مقاعد من أصل 4 في المجلس الأعلى للتعليم، مما يجعلها المنظمة الطلابية الأبرز من الناحية المؤسساتية في فرنسا.
وعلى الرغم من ابتعاده عن الأضواء مقارنة براني وكومباري، يؤكد سورزا أن المطالب الحالية هي نفسها التي دافع عنها منذ أكثر من عام ونصف عام داخل المؤسسات الرسمية، لكن محدودية صلاحياتها الاستشارية حالت دون تحقيق نتائج ملموسة.
ويرى سورزا أن ضعف تأثير المؤسسات الديمقراطية الطلابية هو أحد أسباب تصاعد الاحتجاجات، داعيا إلى إعادة النظر بصورة شاملة في آليات تمثيل طلاب المدارس الثانوية.
وفي الوقت نفسه، أعلن دعمه لاستمرار عمليات إغلاق المدارس، مؤكدا أن منظمته تسعى إلى استعادة حضورها الإعلامي، بعدما رأى أن الأصوات الأكثر ظهورا في الإعلام أصبحت مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأحزاب سياسية.
وتكشف هذه الشخصيات الثلاث عن تعدد التيارات داخل الحركة الاحتجاجية، فبينما يميل راني إلى اليسار، يتخذ كومباري موقفا أكثر قربا من تيار الوسط والحكومة، في حين يركز سورزا على المسار المؤسساتي والديمقراطي.
ورغم هذا الاختلاف، يجتمع الثلاثة على عدد من المطالب المرتبطة بتحسين ظروف التعليم، وهو ما يعكس اتساع حالة الاستياء بين طلاب المدارس الثانوية الفرنسية.
تكشف الاحتجاجات الحالية في المدارس الثانوية الفرنسية عن حركة شبابية تتجاوز الانقسام السياسي التقليدي، إذ تتقاطع فيها مطالب تعليمية مشتركة مع توجهات سياسية وأساليب مختلفة في التعبير والتنظيم. وبينما يحاول اليسار والحكومة تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية تأجيج الاحتجاجات أو استغلالها، يبرز قادة الحركة الثلاثة كصورة مصغرة للتنوع الذي يميزها.
ويبقى التحدي الأساسي أمام السلطات الفرنسية هو الاستجابة للمطالب التعليمية والاجتماعية للطلاب، قبل أن يتحول الغضب المتراكم إلى أزمة أوسع تتجاوز حدود المدارس والمؤسسات التعليمية.
المصدر: لوبوان
