عبور الأطلسي.. ما الذي يمكن أن يصنعه المغرب وموريتانيا معا؟

عبور الأطلسي.. ما الذي يمكن أن يصنعه المغرب وموريتانيا معا؟

عزيز الرباح

سياسي مغربي شغل وزارة التجهيز والطاقة ووزارة المعادن والتنمية المستدامة.

 

تشهد العلاقات الثنائية بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية وثبة تاريخية ونقلة نوعية، تتخطى الأطر التقليدية للتعاون لتؤسس نموذجا لشراكة إستراتيجية شاملة وعميقة. وتستند هذه الشراكة الراسخة إلى أواصر حضارية وتاريخية ودينية وثقافية ضاربة في الجذور، تجعل من البلدين الشقيقين شعبا واحدا في دولتين.

وهي عرى وثقى تزداد اليوم رسوخا بفضل دينامية متصاعدة قوامها التضامن والعمل المشترك الفعال. ولعل أبلغ ما يجسد عمق هذه الرابطة أنها تتوطد وتنمو على الرغم من محاولات افتعال التوتر بين البلدين، ورغم عدم تطابق الموقف الموريتاني تماما مع مقترح الحكم الذاتي، إذ تعلو إرادة البناء والمصير المشترك على كل التباينات الظرفية والتشويشات الإقليمية.

ومن ثَم، لم تعد هذه الروابط حبيسة التبادل التجاري المألوف، بل امتدت لتنسج شبكة واسعة من القطاعات الحيوية والإستراتيجية. ويبدأ ذلك بإحداث مناطق صناعية كبرى وتثمين الثروات المعدنية، ويمر بتطوير بنى تحتية متينة كالربط الطرقي والجوي والطاقي، ويصل إلى الاستثمارات الفلاحية الواعدة والتعاون الأكاديمي، بما يعيد رسم خارطة التكامل الإقليمي والقاري في أفريقيا.

أولا: ركائز التعاون الميداني والتنموي

تتجلى معالم الشراكة المغربية الموريتانية ميدانيا وتنمويا في شبكة من الأوراش الهيكلية الكبرى والقطاعات الحيوية. ولا تقتصر هذه الأوراش على الإنتاج والبنى التحتية، بل تمتد لتشمل الاستثمار الزراعي والتعاون المعرفي، فترسي بذلك دعائم صلبة للتكامل المباشر وفق المحاور الآتية:

منطقة صناعية عابرة للحدود بمقاييس قارية

يبرز الإعلان عن مشروع إقامة منطقة صناعية مشتركة تمتد على مساحة 800 هكتار، لتغدو من أكبر المشاريع الصناعية من نوعها في القارة الأفريقية. ويرمي المشروع إلى بناء سلاسل إنتاج مشتركة عابرة للحدود، مع منح الشركات المغربية أولوية الاستثمار وحقوقا مماثلة لنظيراتها الموريتانية. ومن شأن ذلك أن يعزز حضور رأس المال والخبرة المغربيين، وأن يتيح لنواكشوط شريكا يمتلك خبرة صناعية ولوجيستية متقدمة.

التعاون المعدني والتعديني وتثمين الثروات

يعد قطاع التعدين ركيزة أساسية أخرى للتعاون الثنائي. فموريتانيا تزخر بثروات معدنية وازنة كالحديد والذهب والنحاس، في حين يمتلك المغرب خبرة واسعة في مجالات الاستكشاف واستغلال المعادن وتثمينها وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها، عبر مؤسسات رائدة مثل مجموعة المكتب الشريف للفوسفات، وشركة "مناجم". ويفتح هذا التكامل آفاقا رحبة لإقامة مشاريع تعدينية مشتركة تنقل القيمة المضافة مباشرة إلى اقتصاد البلدين.

تجسيدا لرؤية مشتركة تروم توسيع آفاق البنية التحتية الإستراتيجية، أبرم البلدان مذكرات تفاهم للربط الكهربائي، شملت التعاون بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في المغرب والشركة الموريتانية للكهرباء "صوملك". ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز الأمن الطاقي للبلدين

تطوير الربط الطرقي وشبكات النقل العابرة للحدود

في إطار تعزيز اللوجيستيك وتيسير حركة الأفراد والبضائع، يشهد قطاع البنية التحتية الطرقية قفزة نوعية، توجت بتوقيع اتفاقية إطار إستراتيجية مشتركة بين البلدين. وتقضي هذه الاتفاقية بتهيئة محور طرقي حيوي وتوسيعه وصيانته، يمتد على مسافة 480 كيلومترا ويربط العاصمة نواكشوط بنواذيبو عبر النقطة الكيلومترية 55.

ويواكب هذا المشروعَ الضخم إنشاء مكتب دراسات مشترك، مع مراعاة معايير الصمود في وجه التغيرات المناخية. ويهدف المشروع إلى تيسير تنقل الفاعلين الاقتصاديين والناقلين، وإضفاء مزيد من السلاسة على المبادلات التجارية، بما يحول الحدود المشتركة إلى ممر فعال يدعم الاندماج الإقليمي نحو دول غرب أفريقيا.

تطوير الربط الجوي وتعزيز حركة التنقل

تتكامل البنية اللوجيستية للبلدين من خلال إطلاق اتفاقيات متقدمة وتفعيلها لتعزيز الربط الجوي وتطوير الخطوط الجوية المباشرة، ومنها الخط الرابط بين الدار البيضاء ونواكشوط. وتسهم هذه الخطوات في توفير تجربة سفر مريحة وسلسة لرجال الأعمال والمسافرين، كما تذلل العقبات أمام التفاعل الإنساني والسياحي والاقتصادي المتنامي بين الشعبين الشقيقين.

اتفاقيات الربط الكهربائي والطاقي

تجسيدا لرؤية مشتركة تروم توسيع آفاق البنية التحتية الإستراتيجية، أبرم البلدان مذكرات تفاهم للربط الكهربائي، شملت التعاون بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في المغرب والشركة الموريتانية للكهرباء "صوملك". ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز الأمن الطاقي للبلدين، وتشكيل نواة أساسية لشبكة ربط إقليمية أوسع تتصل بتجمع الطاقة في غرب أفريقيا ("إيكواس")، بما يسهم في خفض التكاليف وضمان استدامة الإمدادات.

الاستثمار الفلاحي والزراعي للمغاربة في موريتانيا

على صعيد الزراعة والأمن الغذائي، تشهد العلاقات الثنائية دينامية متصاعدة، إذ يتجه عدد من الفلاحين والمستثمرين المغاربة إلى نقل أنشطتهم الفلاحية أو توسيعها نحو الأراضي الموريتانية. ويحظى هذا التوجه بدعم من تسهيلات وحوافز حكومية موريتانية توفر الأراضي والمساندة اللازمة، مع الاستفادة من الإمكانات المائية والزراعية الواعدة في موريتانيا، مما يسهم في تحقيق إنتاج زراعي تكاملي يلبي حاجات أسواق البلدين.

التعاون الجامعي والعلمي والثقافي

يمتد التكامل ليشمل البعد البشري والمعرفي، من خلال تعزيز التبادل الطلابي وتوسيع قاعدة المنح الدراسية التي يقدمها المغرب للطلبة الموريتانيين في الجامعات والمعاهد العليا ومراكز التكوين المهني. ويسهم هذا التعاون في إعداد جيل من الكفاءات المشتركة القادرة على مواكبة التحولات التنموية في البلدين، فضلا عن ترسيخ روابط ثقافية وأكاديمية مستدامة.

ثانيا: البعد الإستراتيجي للشراكة الثنائية

على مستوى الأفق الإستراتيجي والجيوسياسي، تتجاوز هذه الشراكة الإطار القطاعي البحت لتتبنى رؤية شمولية. وتستهدف هذه الرؤية تنويع الاقتصاد، وترسيخ الاندماج الأطلسي، وتحصين المجال الإقليمي، وهو ما تترجمه المحاور الإستراتيجية الكبرى الآتية:

على صعيد الزراعة والأمن الغذائي، تشهد العلاقات الثنائية دينامية متصاعدة، إذ يتجه عدد من الفلاحين والمستثمرين المغاربة إلى نقل أنشطتهم الفلاحية أو توسيعها نحو الأراضي الموريتانية. ويحظى هذا التوجه بدعم من تسهيلات وحوافز حكومية موريتانية

تنويع الاقتصاد الموريتاني وتكامل المقومات

تأتي هذه الشراكة في وقت تسعى فيه موريتانيا إلى تنويع نسيجها الاقتصادي والحد من الاعتماد الحصري على تصدير المواد الخام الأساسية، إذ تتركز صادراتها التقليدية على الذهب وخام الحديد والمنتجات البحرية.

وقد شهدت المبادلات التجارية بين البلدين نموا ملحوظا، فتجاوزت 400 مليون دولار عام 2025، بزيادة تقارب 30% مقارنة بعام 2023. ويستفيد هذا التكامل من الخبرة الوازنة التي راكمها المغرب في تدبير المناطق الصناعية والموانئ الكبرى، كميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي المرتقب تشغيله عام 2028.

ممر اقتصادي وبوابة نحو أفريقيا وأوروبا

لا تقتصر هذه المنظومة على الإنتاج المحلي داخل موريتانيا، بل تستهدف بلوغ الأسواق الأوروبية عبر البوابة المغربية، والانفتاح على منطقة الساحل وغرب أفريقيا من خلال سلاسل قيمة مشتركة في الصناعة والتعدين والطاقة.

ويندرج هذا التوجه ضمن رؤية أطلسية أوسع تصل فضاء المتوسط بالأطلسي، وتمنح موريتانيا موقعا إستراتيجيا وبوابة نحو الساحل وغرب أفريقيا. كما يتكامل مع المبادرات الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومع مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي.

التنسيق الأمني والإستراتيجي

في ظل التحديات الإقليمية المعقدة، يشكل التنسيق الأمني والعسكري المتبادل بين البلدين حصنا منيعا للاستقرار. ويرتكز هذا التعاون على تبادل الخبرات، وتأمين الحدود المشتركة، ومكافحة الجريمة المنظمة، مما يعزز مناعة البلدين في مواجهة التهديدات والمخاطر المشتركة.

البعد الإقليمي والدولي في ظل الأزمات المركبة

في خضم الأزمات الدولية المركبة التي يشهدها العالم، يقدم البلدان نموذجا حيا للاستقرار والشراكة الموثوقة. وهو ما يلبي تطلعات الشريك الأوروبي الساعي إلى تعزيز علاقاته الإستراتيجية مع فضاء جنوب المتوسط، وضمان استقرار موارد الطاقة واستدامة الاقتصادات الإقليمية.

الخاتمة

وصفوة القول، تمتد حزمة الاتفاقيات والمشاريع الإستراتيجية المتكاملة بين المغرب وموريتانيا على مستويات عدة. فهي تنطلق من المنطقة الصناعية العابرة للحدود والتعاون التعديني، وتشمل شبكات النقل والطاقة والفلاحة والتعاون المعرفي.

وتبلغ الغايات الإستراتيجية الكبرى المتعلقة بتنويع النسيج الاقتصادي وتأمين الممر الأطلسي والتنسيق الأمني. وتؤكد هذه الحزمة، بما لا يدع مجالا للشك، أن التكامل الإقليمي بات واقعا ملموسا وضرورة حتمية لتحقيق تطلعات شعوب المنطقة إلى النماء والاستقرار. ومن خلال صهر الروابط الجغرافية والحضارية العميقة في بوتقة شراكات حية تنبض بروح الأخوة ووحدة المصير، يرسم البلدان الشقيقان معا معالم مستقبليهما.

 

 

  • عزيز الرباح

    سياسي مغربي شغل وزارة التجهيز والطاقة ووزارة المعادن والتنمية المستدامة.

    مهندس مغربي، تقلد مناصب وزارية في الحكومة المغربية، وأشرف خلالها على مشاريع كبرى لتطوير البنية التحتية. كما ركز على تعزيز مشاريع الانتقال الطاقي والطاقات المتجددة في المملكة. وإلى جانب مساره الحكومي، لعب دورا محليا بارزا بانتخابه رئيسا للمجلس الجماعي لمدينة القنيطرة لولايتين متتاليتين. ويرأس حاليا مبادرة "الوطن أولا وأبدا"