غزة… حين يتحول العالم إلى بحر

غزة… حين يتحول العالم إلى بحر

الدكتور محمد صبحي أبو صقر

 

غزة ليست شاطئًا بعيدًا يقف العالم عند حدوده متفرجًا، وليست جزيرةً معزولةً عن ضمير الأرض. غزة، في هذه اللحظة، بحرٌ هائجٌ تتردد في أفقه أصوات العالم كلها؛ بحرٌ تتناوب عليه سكينةٌ عابرة، ورياحٌ عاتية، وأمواجٌ تتكسر على صخور المأساة ثم تعود، أكثر ارتفاعًا وإصرارًا.

في البدء، بدا العالم كبحرٍ ساكن؛ هدوءٌ ثقيلٌ يسبق العاصفة، وسكونٌ يشبه ذلك الذي يخيّم على البحر حين تختبئ الريح في أعماقه. كانت غزة تنزف، وكان كثير من العالم يكتفي بالنظر من بعيد، كما لو أن الموج لا يبلغ شواطئه، وكأن صرخات المدن المدمرة تضيع قبل أن تعبر المسافة. سكونٌ ليس بالضرورة غيابًا للحركة، بل ربما كان حركةً بطيئةً تحت السطح؛ تياراتٌ لا تُرى، لكنها كانت تتشكل في أعماق الشعوب والضمائر.

ثم هبّت الريح، وفجأة، لم يعد البحر كما كان؛ خرجت أصوات من الجامعات والشوارع والساحات، وارتفعت الرايات، وتوالت المواقف، وامتلأت الفضاءات بنداءاتٍ تتجاوز الحدود والجغرافيا. 

صار لغزة صدى في مدنٍ لم تعرفها إلا من خلال الصور والأخبار، وصار اسمها يعبر القارات كما تعبر الريح سطح المحيط. لم تعد الحكاية محصورةً في شريطٍ ضيق من الأرض؛ أصبحت سؤالًا مفتوحًا في وجه العالم عن الإنسان، وعن العدالة، وعن معنى أن يبقى الضمير حيًا وسط الركام.

وهنا بدأت الأمواج تتلاطم؛ موجةٌ تأتي من هنا، وأخرى من هناك؛ موجة احتجاج، وموجة تضامن، وموجة غضب، وموجة مبادرات، ثم موجةٌ سياسية تحاول أن تهدئ البحر، وأخرى تدفعه إلى مزيد من الاضطراب. وفي قلب هذا البحر الهائج، ظلت غزة واقفةً كصخرةٍ صغيرة في عين الإعصار؛ تضربها الأمواج من كل جانب، لكنها تكشف في الوقت نفسه قوة الموج الذي تحركه.

غير أن البحر لا يعرف حالًا واحدة.

فكما يثور، يهدأ، وكما ترتفع أمواجه إلى السماء، تنسحب فجأةً إلى الأعماق. 

وهكذا بدا الحراك العالمي تجاه غزة: لحظاتٌ ترتفع فيها الأصوات حتى تكاد تهزّ جدران العالم، ثم لحظاتٌ يخفت فيها كل شيء، ويعود البحر إلى سكونه الثقيل، كأن العاصفة لم تكن.

لكن البحر حتى حين يبدو ساكنًا؛ لا يكون ميتًا.

في أعماقه تياراتٌ تتحرك، ومياهٌ تتدافع، وأمواجٌ لم تولد بعد. وما يبدو هدوءًا على سطحه قد يكون مجرد استراحةٍ قصيرة بين موجتين.

وهكذا هي غزة؛ قد يخفت الخبر، لكن الجرح لا يخفت؛ قد تتراجع الصور عن شاشات العالم؛ لكن أثرها يبقى في الذاكرة. قد تنشغل العواصم بملفات أخرى؛ لكن البحر الذي صنعته غزة في وجدان الناس لا يعود بسهولة إلى نقطة الصفر.

ولعل أكثر ما يلفت في هذا البحر أن أمواجه لم تعد تتحرك في اتجاه واحد.

هناك أمواجٌ تدفع نحو المرافئ، وأخرى تصطدم بها. 

هناك من يحاول أن يضع سدودًا أمامها، وهناك من يرى أن لا سبيل إلى إيقافها إلا بفتح الطريق نحو شاطئ العدالة. 

وفي المسافة بين هذه الأمواج تتشكل صورة العالم: عالمٌ منقسم في المواقف، متقاطع في المصالح، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن إخفاء حقيقة أن غزة أصبحت نقطةً تختبر عندها الكلمات معناها الحقيقي.

فالحرية التي تُقال في قاعةٍ مغلقة شيء، والحرية حين تُختبر تحت السماء شيء آخر.

والعدالة حين تكون شعارًا شيء، وحين يصبح طفلٌ تحت الركام هو السؤال كله، شيء آخر.

والإنسانية حين تُكتب في البيانات شيء، وحين تقف أمام مشهد الموت والتهجير والجوع، تصبح امتحانًا لا ينجح فيه الكلام وحده.

لهذا فإن البحر الذي صنعته غزة ليس بحرًا من الماء فقط، بل بحرٌ من الأسئلة.

أسئلةٌ تتقدم كالأمواج: أين تقف الإنسانية عندما يُختبر الإنسان؟ ما قيمة القانون إذا بقي عاجزًا أمام المأساة؟ 

كم تستطيع الشعوب أن تصرخ قبل أن يصير الصراخ فعلًا؟ 

وهل يستطيع العالم أن يعود إلى هدوئه القديم بعدما رأى ما رأى؟

قد تتراجع العاصفة، وقد تنخفض الأمواج، وقد يبدو الأفق صافياً لبعض الوقت؛ لكن البحر لا ينسى.

إنه يحتفظ في أعماقه بكل عاصفة مرّت به، بكل سفينةٍ انكسرت، وبكل موجةٍ بلغت الشاطئ ثم عادت.

وغزة كذلك؛ تحفظ في ذاكرتها كل يدٍ امتدت، وكل صوتٍ ارتفع، وكل مدينةٍ خرجت منها مظاهرة، وكل قلبٍ بعيد شعر أن المسافة بينه وبين غزة ليست آلاف الكيلومترات، بل نبضة واحدة.

لذلك، حين ننظر إلى العالم اليوم من شاطئ غزة، لا نراه كتلةً واحدة، بل نراه بحرًا واسعًا: مناطق هدوء، ومناطق اضطراب، رياحٌ متبدلة، تياراتٌ خفية، وعواصف تتشكل في الأفق.

لكن البحر، مهما بدا هادئًا، لا يكف عن الحركة، والموجة التي تنكسر على الشاطئ لا تعني نهاية البحر.

بل ربما تكون إعلانًا عن موجةٍ أخرى أعلى، وأبعد، وأشد حضورًا.

وفي النهاية، تبقى غزة في قلب هذا البحر كجزيرةٍ صغيرةٍ تواجه محيطًا من الأسئلة، بينما يظل العالم واقفًا على شواطئه، يراقب الموجة وهي تتقدم.

وقد يظن بعضهم أن البحر سيسكن؛ لكن البحر لا يسكن إلى الأبد.

فما دام في الأعماق تيار، وما دامت في السماء ريح، وما دام في قلب الإنسان سؤالٌ لم يجد جوابًا، فإن الموج سيعود.

وغزة… ما زالت في قلب الموج.

محمد صبحي أبو صقر