- إلى متى ونحن العرب ننتظر "عودة القارظين"؟!
ما حدث خلال السنوات الأخيرة من انهيار النفوذ الفرنسي في دول الساحل الأفريقية بتسارع ملفت، بدأ يحدث للولايات المتحدة الآميركية في الخليج العربي، لكن حسب متتالية أكثر تعقيدا..
السبب في تأخير الانهيار هو تعود نخبنا السياسية على تراكم تراث الرعب والمبالغة في الإعجاب بالقوة المتلاشية. التي لم تعد موجودة إلا في وعي هذه النخب السياسية بإيمان أعمى، ترسخه سلفية التسليم بالمعتاد وتكريس ذاكرة الهيمنة، ووهم أبدية السيادة الغربية، استنئناسا من نخبنا بتجربة جن سليمان الذين لم يشعروا بموته إلا بعد أن أكلت دابة الأرض منساته.
لقد تكسرت لوحة الجبروت الآميركية المطلقة والغربية من ورائها، في واقع الحال وتجلى ذلك في المنطقة وفي عقر الأوطان، وخلال الديار؛ وتبخرت الهيبة مع تدفق صهارة العجر عن المزيد من استدرار "بوابات الجحيم"،
لكن بقي انعكاس اللوحة كالصدى يتردد في عقول البعض ممن وجدوا آباءهم على أمة وهم على آثارهم مقتدون..
وإلى أن تتلاشى تلك الصورة المنعكسة من ماضي النفوذ السابق سيبقى التردد سيد الموقف في سياسات زعماء المنطقة ونخبها الحاكمة، وخبرائها المتخشبين، رغم الضرر المروع الذي تكلفه صداقة اترامب لدول الخليج العربي، أصدقاء قبل الأعداء.
إن الإيمان بجدوى اترامب الذي تقاعس عن حماية دول الخليج في وجه القصف الإيراني القاسي؛ ولم يستطع حماية قواعده في هذه الدول؛ وصب كل جهوده الدفاعية لصالح قرينه النتن.. ياهو دون جدوى واضحة؛ ولم يبال أمس بتدمير خط شرق غرب السعودي الاستراتيجي أثناء لعبه للگولف بعيدا عن أرضه؛ وعجز عن مكافحة التضخم في بلاده؛ وحصد أسوأ مؤشرات رأيه العام الأميركي في تاريخ رؤسائه؛ وحقق رقما قياسيا في سقف الديون الاتحادية ب 40 اتريليون دولار، وبلغت خدمة ديون بلاده الاتحادية السنوية اتريليونا ومائتي مليار سنويا على نحو تصاعدي غير مسبوق؛ وبلغ سعر غالون الذيزل 6 دولارات، وهو رقم قياسي جديد في جنون التضخم القياسي؛ وعجز عن فتح مضيق هرمز بالقوة أو بالدبلماسية أو باللسان الأعزل؛ وبلغ من الكبر عتيا؛ ومن الغرور والإنكار عتوا؛ ومن الانجذاب لمكر النتن.. ياهو غلوا عظيما؛ ولم يبق منه إلا لسان يسكن في الدفء ويدعي ما يشاء متحررا من كل قيد أو اعتبار..
إن من ينتظر من شخص هذه إنجازاته لنفسه ولأصدقائه وللعالم، وتلك خيباته الكارثية تجاه أعدائه.. من ينتظر منه حماية، أو يرجو منه خيرا، أو يتوقع منه لفتة، كمن ينتظر "غودو" الذي لن يعود مهما طال انتظاره. أو بلغة العرب: من ينتظر أن يعود القارظان.
للأسف لا يزال منا من ينتظر عودة القارظين لإيقاف تحطيم بلادنا على رؤوسنا بأيدينا، وبأيدي أعدائنا/الأصدقاء، وأصدقائنا/ الألداء.
د. محمدُّ أحظانا
كاتب ومفكر موريتاني
