لماذا تفشل دول وتزدهر أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا؟

لماذا تفشل دول وتزدهر أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا؟

القارة الأفريقية تعاني من تعثر تنموي كبير رغم مواردها الهائلة (رويترز)

 

جيمس روبنسون

عالم اقتصاد حائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية. ويشغل منصب مدير معهد بيرسون لدراسة وحل الصراعات العالمي.

 

 

تظل التساؤلات حول أسباب انهيار الأمم أو ازدهارها اقتصاديا جوهرية لفهم مسارات الدول، وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأنظمة والقواعد التي تحكم المجتمعات وتوجه بوصلتها وتحدد مدى قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.

وعندما نتحدث عن أسباب نجاح الأمم أو إخفاقها، فإننا نتحدث في الواقع عن مستوى أدائها الاقتصادي.

لذا، فإن سؤال: لماذا تفشل الأمم أو تنجح اقتصاديا؟ يرتبط ذلك ارتباطا وثيقا بمؤسسات تلك الأمم؛ وأقصد بذلك القواعد التي تبتكرها المجتمعات لتحديد أنماط الحوافز والفرص.

وتفشل المجتمعات حين ترتهن لما نسميه "المؤسسات الاستخراجية"، وهي مؤسسات صُممت خصوصا لتخدم مصالح قلة من الناس على حساب الأغلبية.

الأزمة الاقتصادية في القارة الأفريقية لا تقتصر على مجرد حسابات مالية، بل هي نتاج مباشر لأزمة سياسية تفتقر إلى مشاريع حقيقية لبناء الدولة

معضلة التنمية في أفريقيا

ومن هنا يمكننا تتبع معاناة القارة الأفريقية؛ إذ يطرح تعثرها الاقتصادي التاريخي تساؤلات ملحة حول جذور المشكلة، بدءا من إرث الاستعمار وصولا إلى تحديات إرساء الديمقراطية.

كما يثير دور المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي، جدلا حول مدى نجاعة حلولها في السياق الأفريقي المعقد، وأعتقد هنا أن نظريتنا تقدم تفسيرا وافيا لذلك، ومفاده أن أفريقيا قد خاضت تجربة مريرة وطويلة مع المؤسسات الاستخراجية.

وهنا يكفينا أن نتأمل في عواقب تجارة الرقيق، والاستعمار، وما كابده عالم ما بعد الاستعمار من مشاق في بناء مؤسسات سياسية فعالة وخاضعة للمساءلة.

ومن الناحية التاريخية، لا يصح القول إن أفريقيا كانت دائما أسيرة للمؤسسات الاستخراجية؛ بيد أن الأفارقة أسسوا مجتمعات لا مركزية سياسيا، مما جعلها عرضة بشدة للآثار المدمرة لتوسع الرأسمالية التجارية الأوروبية والاستعمار.

ونتيجة لذلك، علق الأفارقة في شباك هذه المؤسسات الاستخراجية، ولا يزالون يكافحون للخلاص منها.

ولا يمكن إنكار أن إرساء دعائم الديمقراطية يمثل أحد أبرز هذه التحديات، كما أن بناء مؤسسات وطنية تخضع للمساءلة، وتعمل للصالح العام بدلا من المصالح الضيقة، لا يزال يشكل التحدي الأعظم في أفريقيا ما بعد الاستعمار.

وفي هذا الصدد، لا أعتقد أن البنك الدولي يمتلك رؤية واضحة عما ينبغي اتخاذه في أفريقيا، إذ يعتمد على مقاربة اقتصادية تقليدية للغاية في تفسير مشكلاتها، دون أن يدرك بعمق طبيعة المعضلات المؤسسية أو الحلول الناجعة لها.

وبوجه عام، أرى أن البنك الدولي يضم كوادر حسنة النية، لكنهم ببساطة يفتقرون إلى المعرفة الدقيقة بما يجب فعله، ولهذا، لا أعتبر البنك الدولي جزءا من المشكلة ولا حلا لها.

أكثر ما تحتاجه أفريقيا اليوم هو أفكار من هذا القبيل؛ أفكار تبلور شكلا لمشروع سياسي قابل للتطبيق وطنيا، وتحدد عناصره، وإستراتيجية التواصل الخاصة به، وآليات تنفيذه

أفريقيا ومأزق المشروع السياسي

ومن خلال زيارتي الأخيرة لنيجيريا، بدا لي أن مفارقة الموارد الهائلة والتعثر التنموي في الدول الأفريقية تظل دليلا دامغا على غياب العقد الاجتماعي الفعال.

فالأزمة الاقتصادية في القارة الأفريقية لا تقتصر على مجرد حسابات مالية، بل هي نتاج مباشر لأزمة سياسية تفتقر إلى مشاريع حقيقية لبناء الدولة.

فنيجيريا، على سبيل المثال، تمتلك إمكانات هائلة، ورغم غياب إحصاء دقيق لعدد سكانها، فإنه يتجاوز 200 مليون نسمة بكثير، وربما يلامس 250 مليونا.

كما تزخر بالكفاءات والطاقات البشرية الرائعة، غير أنها تفتقر إلى نظام سلطة حقيقي وشرعي، ولا تقدم حكومتها دعما ملموسا لمساعدة شعبها.

ومنذ الاستقلال، أخفق النيجيريون في معالجة هذه المعضلة.

وإذا زرت إحدى القرى المحلية هناك، فستجد مؤسسات فاعلة، كيانات تحظى بالشرعية، ويؤمن بها الناس ويقدرونها.

ويكمن التحدي الحقيقي في: كيف يمكن استثمار كل ذلك لصياغة عقد اجتماعي متماسك على المستوى الوطني؟ لقد عجزوا عن تحقيق ذلك، ولأكون صريحا، لا أرى حاليا أي نموذج قابلٍ للتطبيق لبلوغ هذه الغاية.

وما تجده بدلا من ذلك هو عقلية "دورنا لنأكل"، كما يُقال في أفريقيا، حيث تتبخر الأموال في غياهب الفساد المستشري. وأعتقد أن الحكومة الحالية، تحت قيادة تينوبو، تضم شخصيات جادة.

وحين كان تينوبو حاكما لولاية لاغوس في تسعينيات القرن الماضي، أنجز الكثير من الخطوات الإيجابية، إذ استثمر في المرافق العامة والبنية التحتية، ونظف المدينة، وعزز الأمن.

غير أن إدارة لاغوس تختلف جذريا عن حكم نيجيريا بأسرها، وقد واجه صعوبات جمة في تعميم تجربته الناجحة عبر البلاد، نظرا لكونها معضلة سياسية أشد تعقيدا. وللأسف، لا أرى في الوقت الراهن إستراتيجية اقتصادية أو سياسية واضحة كفيلة بإحداث التغيير المنشود في نيجيريا.

ويتجلى الإحباط الأكبر بالنسبة لي في أنك إذا عدت بذاكرتك إلى خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي، في بدايات تشكل عالم ما بعد الاستعمار، فستجد وفرة في الأفكار الرامية لبناء الدول والأمم والمؤسسات الشرعية.

فقد امتلك قادة من أمثال يوليوس نيريري، وكوامي نكروما، وليوبولد سنغور رؤى واضحة، وكانت "الاشتراكية الأفريقية" إحدى تلك الأفكار.

وفي مختلف أنحاء عالم ما بعد الاستعمار، تبنى القادة فلسفات لبناء الدولة، ففي إندونيسيا مثلا، اعتنق الرئيس سوكارنو فلسفة "بانكاسيلا" (Pancasila)، أي "الوحدة في التنوع"، لبناء دولة ضمن مجتمع شديد التباين. وحذا نهرو حذوه في الهند.

وبالنسبة لي، فإن أكثر ما تحتاجه أفريقيا اليوم هو أفكار من هذا القبيل؛ أفكار تبلور شكلا لمشروع سياسي قابل للتطبيق وطنيا، وتحدد عناصره، وإستراتيجية التواصل الخاصة به، وآليات تنفيذه.

وعوضا عن ذلك، انحدرت السياسة النيجيرية نحو نهج زبائني مقيت يتلخص في مقولة: "ماذا سأستفيد من ذلك، وماذا ستعطيني؟"، ومن المستحيل بناء دولة على هذا الأساس.

ربما لا يمتلك البنك الدولي رؤية واضحة عما ينبغي اتخاذه في أفريقيا؛ إذ يعتمد على مقاربة اقتصادية تقليدية للغاية في تفسير مشكلاتها، دون أن يدرك بعمق طبيعة المعضلات المؤسسية أو الحلول الناجعة لها

التباين المؤسسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

أما فيما يخص الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فعند إسقاط النظريات الاقتصادية عليها، تتكشف أمامنا خريطة معقدة من التناقضات.

فبينما تغرق بعض الدول في أزمات أنظمة استبدادية تعيق عجلة التنمية، تبرز نماذج أخرى أفلحت في توظيف بنيتها التقليدية لصناعة نهضة مؤسسية حديثة. وإلى حد ما، أرى أن الشرق الأوسط يمثل منطقة بالغة الأهمية والإثارة.

ففيه تجد بلدانا، كالعراق وسوريا، تبدو شديدة الشبه بالدول الأفريقية من حيث معاناتها من أنظمة استبدادية أعقبت حقبة الاستعمار، كدكتاتورية الأسد أو نظام صدام حسين؛ وهي أنظمة اختطفت الدولة لصالح فئة ضيقة جدا من السكان، مما أسفر عن تداعيات مشابهة تماما على صعيد التردي الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، والقمع. وأعتقد أن هذا هو الواقع الذي كان الربيع العربي ينتفض ضده.

وفي المقابل، تجد أجزاء أخرى من الشرق الأوسط تبدو مختلفة كليا.

وتُعد منطقة الخليج حالة مثيرة للاهتمام بشكل استثنائي؛ فإذا تأملت التحديث الذي تشهده الإمارات العربية المتحدة أو قطر في ظل هذه الأنظمة التحديثية، فستجد واقعا لا نظير له في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث نجحت النخب هناك، في مرحلة ما بعد الاستعمار، في توظيف هياكل السلطة والشرعية التقليدية لبناء مؤسسات بالغة الفاعلية.

وهو أمر يثير الإعجاب ويغيب تماما عن المشهد الأفريقي، مما يجعل الصورة متباينة إلى حد بعيد.

ولا سيما أن العالم يعيش اليوم مخاضا جيوسياسيا عميقا يتمثل في تراجع الأحادية القطبية وصعود قوى تكنولوجية واقتصادية كبرى كالصين؛ مما يعيد رسم خريطة النفوذ في مناطق حيوية كأفريقيا والشرق الأوسط، وفق منطق المصالح والبراغماتية.