غزة: شهادة على الفشل العالمي

غزة: شهادة على الفشل العالمي

الطيب ولد العروسي

الاثنين، 24 أغسطس، 2026

Image removed.

ضد نسيان مشاهد المحو

يناقش كتاب "غزة، إبادة استعمارية"، والذي جاء تحت إشراف الباحثة كوليت براكمان، القضية الإنسانية المأساوية التي تعيشها غزة اليوم. يوضح الكتاب من خلال التحاليل والشهادات المختلفة أن ما تعانيه غزة لا يقتصر على مأساة محلية، بل هو "ذروة المستحيل المقبول"، كما تصف الكاتبة اللبنانية دومينيك إدّي، وهي صيغة تعبر عن تقوض مبادئ الإنسانية أمام موجات البطش والظلم المستمرة.

يركز الكتاب، الصادر حديثا عن منشورات éditions standard في باريس، بشكل خاص على تداعيات ومآسي ما بعد أحداث السابع من أكتوبر، حيث يثبت الظلم الكبير الذي لحق بغزة، لكنه في الوقت نفسه يشكك في رد الفعل الإسرائيلي الذي "اتسم بالقسوة المفرطة، متجاوزاً حدود مفهوم الدفاع المشروع القانوني والدولي."

يتناول الكتاب أيضًا الرد الدولي على الأزمة، مسلطاً الضوء على التناقض الصارخ بين التعاطف الشعبي العارم في الشوارع، وبين الدعم الرسمي وغير المشروط الذي تقدمّه القيادة الغربية لإسرائيل. يعتبر هذا الدعم انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية وقيم حقوق الإنسان، ويصفه المؤلفون "بخيانة للعالم وللمبادئ الأخلاقية التي يُفترض أن تحكم العلاقات الدولية".

الكتاب يتبنّى استراتيجيات لمناهضة النسيان، مؤكدًا على أهمية حفظ الذاكرة الجماعية لما حدث وما يزال يحدث، وتحفيز التفكير النقدي المستقبلي، مع التأكيد على ضرورة وقف الإفلات من العقاب الذي يسمح باستمرار الانتهاكات.

إدانة الغرب والفشل الأخلاقي

يشير محتوى الكتاب إلى أن مأساة غزة تمثل في ذات الوقت إدانة قاسية للغرب ومجتمعه الدولي، الذي فشل في التحقق من مصداقية خطاباته حول العدالة وحقوق الإنسان. غزة ليست مجرد مكان دمار بشري ولكنه رمز للفشل الأخلاقي العالمي في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة.

◄ الكتاب يتبنّى استراتيجيات لمناهضة النسيان، مؤكدًا على أهمية حفظ الذاكرة الجماعية لما حدث وما يزال يحدث

يُبرز روني براومان، الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود في فرنسا، أن نتائج تقرير الأمم المتحدة لعام 2020، الذي أشار إلى الخسائر الاقتصادية الضخمة التي تكبدتها غزة جراء الحصار والهجمات المتكررة منذ 2007، والتي تجاوزت 16 مليار دولار، فضلاً عن الآلاف من القتلى والجرحى. يرفض براومان فكرة أن للاحتلال الإسرائيلي حق الدفاع المشروع، باعتبار هذه الفكرة تنكر واقع الاحتلال نفسه وتكرس السجن الجغرافي والسياسي لسكان غزة.

شهادات إنسانية وتأملات عميقة

يضم الكتاب عدة شهادات مؤثرة تجسد الواقع المأساوي في غزة، منها شهادة حسام المدون التي تحكي تفاصيل العنف اليومي الذي يعيشه السكان تحت الحصار والقصف المستمر. كما تقدم مديرة مركز الصليب الأحمر في أندرلخت (بلجيكا) شهادتها التي تعبر عن القسوة والظلم المتكرر تجاه غزة.

كما يحلل مارك شميتس قضية الجوع في غزة باعتباره سلاحاً فتاكاً بطيء المفعول، يؤثر بشكل كبير على حياة السكان المدنيين. كما تروي ماريان بلوم، التي كانت مدرسة في غزة، النكبات المستمرة التي تعصف بالفلسطينيين، من فقدان بنيتهم التحتية الحيوية كالمنازل والمحاصيل والمياه إلى القصف الذي لا يستثني حتى الرُضع.

تشهد المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيسي، على ما تسميه "محو استعماري عبر الإبادة الجماعية"، بينما تدين الصحفية كوليت براكمان الصمت الإعلامي الغربي، الذي يغفل هجومًا دامياً شمل أكثر من 200 صحفي فلسطيني وعربي، مع قلة من الذين تجرأوا على نقل الحقيقة بشجاعة، ما يُعد هزيمة أخلاقية جماعية عميقة.

التحليل السياسي والاجتماعي

يُحلل هنري جولدمان، المتحدث باسم الاتحاد اليهودي التقدمي في بلجيكا، الانقسامات العميقة داخل المجتمع اليهودي حول الصراع، "مشيرًا إلى التوتر بين من يدعم إسرائيل دون قيد أو شرط ومن يدين سياسات الفصل العنصري والمذابح في فلسطين". ويشير إلى أن هذه الخلافات تنعكس على الخريطة السياسية البلجيكية، مؤكداً أن السلام الحقيقي لا يُبنى إلا عبر مواجهة الصراعات الداخلية.

يركز بيير غالاند، الناشط من أجل السلام ورئيس الجمعية البلجيكية الفلسطينية، على أهمية القانون الدولي كآلية للحماية، ويذكر تقديم ملف في نوفمبر 2023 إلى المحكمة الجنائية الدولية يتهم الحكومة الإسرائيلية بالإبادة الجماعية، بدعم من تحالف منظمات ومحامين عالميين.

كما يضيف أن دعم بلجيكا السياسي والمالي للفلسطينيين، الذي أوقفته إسرائيل مؤخرًا، كان جزءًا من جهود مواجهة هذه الانتهاكات، لكن إسرائيل تستمر في تصعيد المعاناة، ما يعزز وصف الأمر بـ "الفعل الإبادي".

ردود فعل دولية وحقوقية

في ديسمبر 2023، قدمت جنوب أفريقيا شكوى أمام محكمة العدل الدولية تطالب بوقف الهجمات الإسرائيلية فورًا، محذرة من خطر إبادة الشعب الفلسطيني، لكن دون نتائج تنفيذية حتى الآن. وقد خلص تقرير الأمم المتحدة في أكتوبر 2025، بقيادة نافي بيلي، إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية واضحة في غزة.

تدعو كارين تيبو، مديرة منظمة العفو الدولية لبلجيكا الناطقة بالفرنسية، إلى ضرورة عدم السماح بالإفلات من العقاب، وتطالب السلطات البلجيكية بمحاكمة المسؤولين المرتكبين للانتهاكات إذا تواجدوا في أراضيها، وتقديم الدعم القانوني للضحايا الفلسطينيين.

يختتم الكتاب بنص مؤثر للباحثة كوليت براكمان بعنوان "الموت الثاني لآني فرانك"، الذي يحمل رسالة أمل وتحدي نقلها البروفيسور بشارة خضر. يرى أن بناء المستقبل لا يكون من خلال القبور، سواء كانت قبور ضحايا الهولوكوست أو الفلسطينيين المهددين بالاقتلاع من أرضهم. ويؤكد على ضرورة تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني من خلال إعادة أراضيهم استنادًا إلى قرارات الأمم المتحدة، والاعتراف بحق العودة لملايين اللاجئين المطرودين من وطنهم.

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري