عبد الكريم بن بلقاسم.. بين القصب واللون تُكتب حكاية الحرف العربي

عبد الكريم بن بلقاسم.. بين القصب واللون تُكتب حكاية الحرف العربي

من سوق أهراس إلى باريس.. فنان يخطّ جسورًا بين الذاكرة والحداثة والثقافات.
 
 
سفير الحرف العربي في أوروبا

كان من المفترض أن ألتقي بالخطاط والفنان التشكيلي الجزائري عبدالكريم بنبلقاسم منذ سنوات، بفضل صديقنا المشترك إبراهيم حاصي، حين كان مديرًا للمركز الثقافي الجزائري بباريس. غير أن الزمن سرعان ما مضى، وعاد صديقنا إلى وطنه، وظل اللقاء مؤجلًا، رغم أنني أقيم غير بعيد عن الفنان. وحين أتيحت الفرصة أخيرًا للقاء عبدالكريم، وجدت أمامي فنانًا لا يتعامل مع الخط العربي باعتباره مجرد كتابة أو حرفة، وإنما يراه عالمًا متكاملًا من الجمال، وفضاءً رحبًا للتعبير والتأمل والحوار.

لقد كان لقاؤنا مناسبة للتعمق في تجربة فنية تحمل في ثناياها أكثر من مهارة تقنية، فهي رحلة إنسانية تتحد فيها ذاكرة المكان بذاكرة الحرف، حيث يتحول الخط العربي إلى لغة تتجاوز حدود الكلمات، لتصبح معبرا بين الثقافات ونافذة لفهم عمق الروح والهوية.

الجذور والانفتاح

عبدالكريم بنبلقاسم هو مثال حي على أسلوب تحويل الفن التراثي إلى تجربة معاصرة نابضة بالحياة، تجمع بين الأصالة والانفتاح على الحداثة، بين الجمال الداخلي للحرف والتجريب اللامحدود في اللون والشكل. في زمن تتهافت فيه التحولات، وتهدر الكثير من قيمنا الثقافية، يقدم لنا عبدالكريم نموذجًا حيًا للفنان المبدع الذي لم يكتفِ بحفظ التراث، بل صيره عمادا للحوار العالمي بين الثقافات والفنون.

رغم تنقلاته بين الجزائر وفرنسا، ظل عبدالكريم متعلقا بأصوله التاريخية والإنسانية، محافظًا على هويته الفنية الأصيلة، لكنه في الوقت ذاته منفتح على كل ما هو جديد، لهذا، تبدو رحلته تجربة متواصلة في البحث عن الذات والهوية، ومشاركة فاعلة في المشروع الثقافي الذي يعيد للحرف العربي مكانته كفن عالمي وشكل تعبير حضاري.

◄ مسيرة عبدالكريم بنبلقاسم ليست مجرد حكاية فنانٍ مازال يزاول حرفته، بل هي قصة مشروع ثقافي وإنساني يرتبط بحذر عميق على إيصال جماليات الخط العربي عبر العصور

مدينة سوق أهراس التي نشأ فيها عبدالكريم، لم تكن مجرد مكان يعيش فيه، بل كانت فضاءً يغني معرفته بجماليات الفن والكتابة، وقد تركت فيه آثار حضارات متعددة أثرت في وعيه الفني، وتغذت تجربته منها. المدينة لها تاريخ عريق مرتبط بطاغست، مسقط رأس القديس سانت أوغستين، لقد انعكس هذا التراث الثقافي العميق في إحساسه بالانتماء وبأهمية الحرف كوسيلة تواصل بين الإنسان والماضي، بين الذكرى والهوية.

منذ طفولته، كان الخط العربي بالنسبة إليه أكثر من كتابة تقليدية. إذ رآه «صوتًا بصريًا»، لغة روحية تنقل عطر الأفكار والخوالج، مختلفة عن مجرد الكلمات المنطوقة. حفظه لبعض الأحزاب من الكريم ساعده على استيعاب العلاقة الجمالية بين الكلمة المكتوبة وجماليات الخط، مما جعل الخط عنده مخزونًا بصريًا وفنيًا متميزًا. وكان يتمرن على استخدام أدوات الخط التقليدية كقلم القصب والحبر، ويهتم بصناعة أدواته بنفسه، معتبراً القلم شريكاً في العمل الفني، لا مجرد أداة آلية.

وبعد تحصيله للتعليم، اختار عبدالكريم مهنة تدريس اللغة العربية، لكن شغفه بالفن بقي حياً ومتوقدا، خاصة بعد أن اكتشف أنه يستطيع أن يدمج بين حروف اللغة وعناصر الفن التشكيلي، كاللون والشكل والضوء، ليمنح الحرف نفسا جديدة ولغة بصرية متجددة. تأثر بأساتذته من المشرق العربي، وتعلم تقنيات الخط التقليدي والهندسي، لكنه لم يكتفِ بتقليد النماذج، بل سعى إلى خلق نمط شخصي يمزج بين جذر الخط العربي وأفاق التجديد والابتكار.

شارك في معارض محلية مثل مهرجان الفنون التشكيلية في سوق أهراس، ولاحظ تشجيع الجمهور الذي دفعه للمزيد من العطاء. ثم أتاحت له مرحلة خدمته الوطنية في قسنطينة مناسبة تعلم مهارات إضافية خاصة في مجال النحت والخط الكبير، والتعامل مع فضاءات واسعة، أملاً في توظيف الخط العربي في العمارة والزخرفة الإسلامية، كما حدث في مشروع تزيين مسجد جامعة الأمير عبد القادر، حيث خلق توازنًا بين الخط العربي والنحت والزخرفة، مبينا قدرة الحرف على التفاعل مع الفضاء المعماري.

الحرف هندسة حية

مع بداية التسعينيات، انتقل عبدالكريم إلى باريس، ليجد نفسه في فضاء فني وثقافي جديد مختلف عن بيئته الأصلية. بم يكن هذا الانتقال تنازلا عن أصوله، بل كان ذريعة لتوسيع مجالاته وخبرات فنه. ارتبط اسم باريس بفترة جديدة من التلاقي بين الخط العربي والفن التشكيلي المعاصر، سيما في استخدام اللون كعامل حيوي مستقل يصاحب الحرف ويبرز جماليته.

تعمق عبدالكريم في دراسة نظريات اللون وتنسيقه، مستلهماً من نظام "ابن مقلة" لضبط قياسات الحروف وتقنياته الهندسية، ومتعرفاً على نظرية "مونسيل" العلمية التي تنظم الألوان. هذا التلاقي بين القواعد الهندسية للحرف ونظم الألوان الحديثة، أتاح له إبداع أعمال مشحونة بالحيوية، حيث يتحرك اللون في تدرجات تضفي على الحروف إيقاعًا وشعوراً بالعمق والتجدد.

◄ تجربته تُظهر لنا أن الفن قادر على تشييد جسور ثقافية، وأن الحرف العربي يمكن أن ينقلب إلى رمز عالمي يعبر عن التلاقح بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب

يُعد عبد الكريم بنبلقاسم الخط تجربة فنية وفكرية وروحية، ويصور الحرف العربي بأنه «هندسة حية» تراكم بين الدقة والهندسة، وبين الإحساس والوضوح. وبالنسبة له، القراءة لا تقتصر على العين، بل تتم أيضاً بالشعور والقلب، لأن الخط يحمل ذاكرة وروحاً ثقافية مجسدة في انحناءات الحروف ونقاطها.

الكتابة عنده ليست تكراراً للنص، لكنها إعادة خلق داخل مجال بصري جديد، حيث يتحول الحرف إلى عنصر تشكيلي متكامل، وتصبح الكلمة صورة بلون وشكل. ولذلك يبقى القلم شريكاً أساسياً في الحوار الفني، فهو ليس مجرد واسطة لنقل الحبر، بل أداة تعبر عن حركة وارتجاج الفنان، لتترك بصمة فردية في كل حرف.

يمتلك اللون عند عبدالكريم بُعدًا تعبيرياً وروحياً حيث يعبر عن مواقف إنسانية متغيرة كالفرح أو الحزن، السكينة أو القلق، ويكمل الحرف في خلق عمل فني حي ينبض بالجمال والإيقاع. علاوة على ذلك، يشكل اللون مع الحرف خبرة حسية بصرية تُدخل المتلقي في عالم تأملي يعبر عما هو أبعد من مجرد النص المكتوب.

يتميز عمله بأن اللون والحرف كلاهما يحتفظ بهويته، ويتفاعل مع الآخر مشكلاً تكوينًا متوافقا. وهكذا، لا يُحجم التراث بل يُجدد، مما يفتح الخط العربي على مجالات جديدة في الفن الحديث.

إنجازات ومسيرة بارزة

شارك بأعماله في مشاريع معمارية مثل تزيين مسجد جامعة الأمير عبدالقادر بقسنطينة، وإلى جانب مشاركاته في معارض عدة في الجزائر وفرنسا، فله حضور فني وثقافي قوي في فعاليات ثقافية خاصة بمناسبات تاريخية كاحتفال المسجد الكبير في باريس. وفي منظمة اليونسكو، واللقاءات الثقافية المختلفة في باريس وخارجها، وذلك لأن هدفه لم يكن فقط عرض اللوحات، بل نقل الخط العربي كفن إنساني يربط الثقافات ويعبر عن التفاعل بين الثقافات والحضارات.

كما أسس عبدالكريم نشاطًا تعليميًا متميزًا، حيث يدرّس الخط العربي في المركز الثقافي الجزائري بباريس، مقدماً خبراته لطلاب من مختلف الجنسيات والخلفيات. ويدعو طلابه إلى التمكن من الأسس الفنية أولاً، ثم التشجيع على اكتشاف أساليبهم الخاصة، لأن المحافظة على التراث لا تعني الجمود بل التجدد والابتكار.

كما صدر لعبدالكريم بنبلقاسم كتاب جمع فيه مأثورات وأقوالاً عن الحب من عدة عصور وثقافات، ابتداء من حافظ الشيرازي، والقديس أوغسطين، إلى جبران خليل جبران، وأفلاطون وغيرهم، مع إضفاء بعد فني بصري من خلال الخط العربي، بحيث تتحول الكلمات إلى لوحات فنية تشجع القارئ على التأمل في معاني الحب الإنسانية التي تتخطى الثقافات والحدود.

بين سوق أهراس وباريس: رحلة مستمرة

عبّر عبد الكريم عن الخط العربي كفن يحمل رسائل إنسانية كالحب والسلام والبحث عن الهوية والانتماء. ومن هذا المنطلق، تتخطى أعماله حدود اللغة لتحاور الإحساس بالجمال، فتُصبح لغة بصرية عالمية قادرة على بناء جسور بين الشعوب دون حاجز اللغة.

لقد أكد عبدالكريم أن فن الخط العربي قادر على المزج بين الأصالة والتجديد، وأن الحرف العربي يبقى محفورًا في الذاكرة الثقافية، لكنه قادر على الحيوية والتجدد، خصوصاً حين يقدمه فنان يحافظ على جذوره ويطلق العنان لإبداعه.

◄ عبدالكريم بنبلقاسم هو مثال حي على أسلوب تحويل الفن التراثي إلى تجربة معاصرة نابضة بالحياة، تجمع بين الأصالة والانفتاح على الحداثة

مسيرة عبدالكريم بنبلقاسم هي رحلة حقيقية بين بيئتين ثقافيتين متباينتين، لكنها في عمقها رحلة داخل الحرف والفن، بحثًا عن سؤال: كيف يدوم الحرف العربي حياً وأصيلًا وسط عالم سريع التغير؟ وجدت الإجابة لديه في التفاعل بين الهندسة واللون، وبين التقليد والابتكار بين الماضي والحاضر. لقد صاغ عبدالكريم عالماً خاصًا يتقاطع فيه الشعر والبناء الهندسي، بين التشكيل والكتابة، ولم يعد الحرف مجرد ذريعة لنسخ الكلمات بل فضاء للخبرة الشخصية والتاريخية والإنسانية.

إن مسيرة عبدالكريم بنبلقاسم ليست مجرد حكاية فنانٍ مازال يزاول حرفته، بل هي قصة مشروع ثقافي وإنساني يرتبط بحذر عميق على إيصال جماليات الخط العربي عبر العصور، مع تدعيم حضوره في فضاءات العالم المعاصر. وهو لا يعيد إنتاج الخط العربي فقط، بل يعيد خلقه بلغة فنية جديدة تتلاقى فيها الهندسة بالشعر، والتقليد بالتجديد، والذاكرة بالحداثة. من خلال مزجه بين الحرف واللون، تمكن أن يفتح أفقًا جديدًا أمام هذا الفن الذي طالما اعتُبر مأخوذًا ضمن تقاليد جامدة، فحوّله إلى تجربة حسية وفكرية متجددة قادره على مخاطبة الإنسان أينما كان.

بهذه الطريقة، أصبح عبد الكريم بنبلقاسم ليس فقط فنانًا وخطاطًا، بل سفيرًا للحرف العربي في أوروبا، منبهاً على أن التراث الثقافي لا يُحفظ فقط بالتكرار، وإنما بالتواصل مع حيوية العصر وروحه. فقد شكل من الخط العربي لغة مرئية تتعامل مع المشاهد بطريقة تتجاوز الكلمات، لغة بصرية تنقل مشاعر الروح والانتماء والإنسانية. وبهذا المعنى، يحمل خط عبد الكريم رسالة السلام، والحب، والحرية، والتواصل بين البشر، متجاوزًا الحواجز الثقافية واللغوية.

إن تجربته تُظهر لنا أن الفن قادر على تشييد جسور ثقافية، وأن الحرف العربي يمكن أن ينقلب إلى رمز عالمي يعبر عن التلاقح بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب، بين الأصالة والابتكار. واليوم، بين سوق أهراس وباريس، وبين القصب واللون، يستمر عبد الكريم في تسطير حكاية فنية وإنسانية تُلهم الكثيرين بأن الجمال والروح معا لغتان تتحدثان بصمت ولكن بقوة لا تقاوم، وأن الفن هو الملاذ الذي نجد فيه الإنسان كليًا.