كوزو أوكاموتو المناضل الياباني الذي كرس حياته للقضية الفلسطينية

كوزو أوكاموتو المناضل الياباني الذي كرس حياته للقضية الفلسطينية

من طالب علم نبات إلى أحد أبرز رموز النضال الأممي.

 

 

رمز للنضال الأممي

خلد التاريخ الكثير من المناضلين الأمميين، أولئك الذين يثبتون ترابط المصير الإنساني ويبذلون كل حياتهم في خدمة القضايا العادلة، فيتحولون بذلك إلى أيقونات تذكر البشرية بترابطها وضرورة نضالها لأجل السلام. من هؤلاء الياباني كوزو أوكاموتو.

تتلاقى قضايا التحرر العادلة عبر التاريخ مع قصص مناضلين من كل بقاع الأرض، ممن آمنوا بالحق والكرامة الإنسانية وتحدوا حدود الجغرافيا واللغة لأجل قضاياهم. في هذا السياق، تبرز قصة كوزو أوكاموتو، المعروف أيضًا بلقب “أحمد الياباني”، المناضل الياباني الذي نقش اسمه بحروف من نور في سجل النضال الفلسطيني، خاصة بعد مشاركته الفريدة في عملية مطار اللد عام 1972، التي كان لها أثر كبير ومكانة خاصة في تاريخ المقاومة الفلسطينية.

النشأة والتعليم والانتماء

وُلد كوزو أوكاموتو في 7 ديسمبر 1947 بمدينة كوماموتو بجنوب اليابان لعائلة متوسطة الحال، وكان الأصغر بين سبعة أشقاء. نشأ وترعرع في ظل مجتمع ياباني عاش عهودًا من التحول والتحديات، لكنه امتاز بذكائه الحاد وشغفه بالتعلم، حيث درس علم النبات وتعمق في اللغات، فأتقن العربية والعبرية والإنجليزية والصينية والروسية.

هذا التنوع اللغوي المدهش لم يكن مجرد هواية، بل أداة مكنت أوكاموتو من المساهمة بشكل فعال في بيئات مختلفة، لا سيما في العمل السياسي والثوري.

في عام 1966، انضم إلى “الجيش الأحمر الياباني”، حركة يسارية ثورية أعلنت هدفها النضال ضد الظلم العالمي والدفاع عن الشعوب المضطهدة. كان التنظيم ذا رؤية أممية، وركز بشكل خاص على دعم المقاومة الفلسطينية التي استقطبت الكثير من النشطاء حول العالم.

ربطت قيادة الجيش الأحمر الياباني علاقات وثيقة مع “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، إحدى أبرز قوى المقاومة في ذلك الوقت، وكان أوكاموتو من أبرز أعضاء الجيش الأحمر الذين جندتهم هذه العلاقات لدعم القضية الفلسطينية.

عملية مطار اللد

رغم سنوات السجن واصل دوره في دعم القضية الفلسطينية، وظل رمزا للأممية الثورية والانتماء للقضية رغم كل المعاناة

في الثلاثين من مايو 1972، قاد أوكاموتو إلى جانب رفيقيه ياسويوكي ياسودا وتسويوشي أوكودايرا عملية مسلحة في مطار اللد الإسرائيلي، آنذاك يمثل أحد المفاصل الأمنية الرئيسية للاحتلال.

جرت العملية كرد فعل على الاعتداءات التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي عام 1968 بتدمير أسطول طائرات الشرق الأوسط في مطار بيروت، وعلى اغتيال علماء فلسطينيين، نفذ الثلاثة هجومًا مسلحًا استهدفوا خلاله المسافرين والركاب في المطار، مما أدى إلى مقتل 26 شخصًا معظمهم من الأميركيين.

شهدت العملية تضحية كبيرة من منفذيها، حيث استشهد ياسويوكي ياسودا، بينما انتحر تسويوشي أوكودايرا بقنبلة يدوية كان يحملها. أما كوزو أوكاموتو فاعترف الجميع بأنه الناجي الوحيد، لكنه لم ينجُ إلا بعد إصابته واعتقاله.

حول محاكمته، قال كوزو بصراحة: “أنا جندي في الجيش الأحمر الياباني أحارب من أجل الثورة العالمية، وإذا مت فسأتحول إلى نجم في السماء.” هذه العبارة الرمز عززت صورته كرمز للنضال الأممي، يعبر عن إيمان عميق بأهمية الثورة والنضال.

حُكم على أوكاموتو بالسجن المؤبد ثلاث مرات بالإضافة إلى حكم آخر بالسجن لعشر سنوات، قضى منها حوالي 13 عامًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي. خاض فترة صعبة وشاقة تعرض خلالها لعنف نفسي وجسدي، بما في ذلك العزل الانفرادي، الذي ترك آثارًا عميقة على صحته النفسية والجسدية.

 في مقابلات لاحقة، صرح بأنه كان يُجبر على تناول الطعام وهو مكبل اليدين من الخلف، وهو تعذيب وحشي يعكس القسوة التي عانى منها.

أفرج عنه في 1985 عبر صفقة تبادل أسرى ضخمة قادتها “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، عرفت بـ”عملية الجليل”، التي نجحت في تحرير أكثر من ألف أسير فلسطيني وعربي من السجون الإسرائيلية.

أوكاموتو ترجل عن عمر 78 عامًا، بعد حياة مليئة بالكفاح والتضحية والإيمان بقضية آمن بها بكل جوارحه، ليُخلّد اسمه كرمز عالمي للثورة والنضال والتضامن اللامحدود مع الشعب الفلسطيني

الإرث والتكريم والوفاة

بعد تحريره، تنقل أوكاموتو بين دول عدة منها ليبيا، ثم سوريا، وأخيرًا استقر في لبنان حيث عاش في منطقة البقاع. في لبنان، واجه تحديات أخرى، ففي عام 1997 اعتقلته السلطات اللبنانية بتهمة دخوله البلاد بشكل غير قانوني، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. لكن بفضل الدعم والتضامن معه، حصل على حق اللجوء السياسي في لبنان عام 2000، ليتمكن من الاستقرار هناك بشكل قانوني.

وفي لبنان، واصل أوكاموتو دوره في دعم القضية الفلسطينية، وظل رمزا للأممية الثورية والانتماء للقضية رغم كل المعاناة. شارك في ذكرى العمليات الفدائية المختلفة، ولا سيما الذكرى الخمسين لعملية مطار اللد في عام 2022، حيث ظهر بمظهر المناضل المثابر والمتجدد رغم تقدم العمر.

نال كوزو أوكاموتو تكريمًا رسميًا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي نعت المناضل الأممي بعد وفاته يوم الخميس 23 يوليو 2026 في بيروت، مشيدة بمسيرته التي جسدت العمل المخلص المتواصل لنصرة الشعب الفلسطيني. كما أثنت عليه حركة حماس، مؤكدة أن مسيرته ومثابرته ستظل علامة فارقة في النضال الأممي ضد الاحتلال والظلم مهما طال الزمن.

ترجل أوكاموتو عن عمر 78 عامًا، بعد حياة مليئة بالكفاح والتضحية والإيمان بقضية آمن بها بكل جوارحه، ليُخلّد اسمه كرمز عالمي للثورة والنضال والتضامن اللامحدود مع الشعب الفلسطيني.

 

 

Image removed.

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري

المصدر: العرب