شيخنا عمر
ليست قضيتي - في جوهرها - نزاعًا بين شخصين على حسيان، وإنما هي سؤال فقهي وقانوني كبير:
هل يجوز أن ينشأ حقٌّ في أمرٍ منع وليُّ الأمر أصله؟
لقد قرر الفقهاء قاعدةً عظيمة مفادها أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، وأن لولي الأمر أن يقيّد بعض المباحات إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وهو ما نص عليه الأصوليون قديمًا، وتوسع فيه الإمام القرافي، وابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي في باب السياسة الشرعية وتحقيق مقاصد الشريعة
ولذلك، إذا أصدر وليُّ الأمر تنظيمًا عامًا يقضي بقصر نشاطٍ معين على فئة محددة، وجب الالتزام به؛ لأن طاعة ولي الأمر في غير معصية أصلٌ دل عليه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
ومن هذا الباب جاء المرسوم الرئاسي الصادر سنة 2016، الذي يمنع على الأجانب تملك الحسيان..ثم جاء القانون المنظم للتعدين الاهلي لاحقا.. رقم 026-2022 ليؤكد - بحسب نصوصه - أن التعدين الأهلي نشاط مخصص للموريتانيين، وأن الأجانب لا يباشرونه في إطاره القانوني
فإذا كان هذا هو حكم السلطة التنظيمية، وهو الإطار القانوني النافذ، فإن أول سؤال ينبغي أن يُطرح هو: هل يمكن أن ينشأ حق قانوني في نشاط حُظر أصلًا على صاحبه؟
وفي الفقه الإسلامي، يقرر العلماء أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وأن ما مُنع سداً للذريعة لا يُفتح بوسيلة تؤدي إلى المقصود نفسه. كما قرروا أن الحيل التي يُتوصل بها إلى إسقاط حكم الشارع أو النظام المشروع لا تُغيّر حقيقة الحكم.
ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين إن الحيل التي يقصد بها إبطال الحق أو استباحة الممنوع لا تغيّر الحقائق، وإنما تغيّر الصور
كما أن القاعدة المشهورة: «ما بُني على باطل فهو باطل» وإن لم تكن حديثًا نبويًا، إلا أن معناها مقرر في أبواب الفقه؛ فإذا كان الأصل غير معتبر شرعًا أو نظامًا، فإن الفروع المبنية عليه تحتاج إلى مراجعة على ضوء ذلك الأصل
أما إذا تجاوزنا كل هذا وضربناه عرض الحائط وتكلمنا فقيهيا عن من ترك العمل مختارًا قبل ظهور ثمرة الإنماء
نقول إن من القواعد التي يقررها الفقه الإسلامي أن الغنم بالغرم، وأن الخراج بالضمان؛ فمن تحمل تبعة المال، وصبر على مخاطره، واستمر في عمارته وإنمائه، كان أولى بثمرته ممن انقطع عنه باختياره.
ولهذا قرر الفقهاء أن الشريك إذا فارق الشركة على وجهٍ صحيح، وانقطعت علاقته بها، فإن ما يجدّ بعد ذلك من كسبٍ أو نماءٍ يكون تابعًا لمن بقي يتحمل المؤونة والمغارم، لا لمن خرج مختارًا ثم عاد بعد ظهور الثمرة يطلب نصيبًا فيما لم يشهد إنشاءه ولا إنماءه.
وقد نص الفقهاء على أن النماء يتبع الملك والضمان، وأن من تخلى عن سبب الاستحقاق باختياره، ثم زال ارتباطه بالمحل، فلا يثبت له حق في نماءٍ لم يسهم في إيجاده، لأن الشريعة لا تجعل مجرد التطلع إلى الثمرة سببًا لاستحقاقها، وإنما تجعل مناط الاستحقاق العمل، والضمان، وتحمل التبعة.
ومن هنا جاءت القاعدة الفقهية العظيمة: «الخراج بالضمان»، أي أن من تحمل الغرم والتبعة استحق الغلة والثمرة، أما من تنحى بإرادته عن تحمل الأعباء، فقد تنحى تبعًا لذلك عن استحقاق ما ينشأ بعدها من نماء، ما لم يكن بين الأطراف عقد صحيح يقضي بغير ذلك.
ولهذا كان الفقه الإسلامي يربط دائمًا بين الحق والتبعة، فلا يمنح الغنم لمن فر من الغرم، ولا يجعل ثمرة خمس سنوات من الكدح نصيبًا لمن غادر الميدان قبل أن تبدأ معالم الإنماء بالظهور، ثم عاد بعد اكتمال الغرس طالبًا حصادًا لم يزرعه.
وهذا المعنى تؤيده مقاصد الشريعة في حفظ الأموال، ومنع أكلها بالباطل، وتحقيق العدل بين الناس؛ إذ لا يستوي في ميزان الشرع من رابط على العمل، وبذل المال، وتحمل الخسائر، مع من انقطع عن ذلك كله ثم حضر عند ظهور المنفعة
ولهذا فإن القضية - كما أراها - لا تبدأ من السؤال: من اشترى؟ ومن باع؟ وإنما تبدأ من سؤال أسبق: هل كان محل هذا الادعاء قابلًا أصلًا لاكتساب حق على الوجه الذي يدعى؟
ثم إن ما يزيد المشهد إيلامًا أن الجهة القائمة على تنظيم القطاع هي نفسها الجهة المنوط بها حماية النظام الذي وضعه المشرع. فإذا وقع خلاف في تطبيقه، فإن الطريق الطبيعي هو الرجوع إلى النصوص وإجراءات التظلم والرقابة، حتى يطمئن المواطن إلى أن القانون هو المرجع الأعلى..
أما ما يُتداول من أن التوقيف جاء بناءً على "أوامر عليا"، فإن صح ذلك، فإن من حق كل مواطن أن يتساءل: ما هي الجهة المختصة بإصدار هذه الأوامر؟ وهل صدرت في إطار الصلاحيات التي رسمها القانون؟ لأن دولة المؤسسات لا تقوم على الأوامر المجهولة، وإنما على القرارات المعللة، القابلة للمراجعة، والخاضعة لحكم القانون
إن احترام القانون ليس انتصارًا لفرد، وإنما انتصار لهيبة الدولة نفسها؛ لأن الدولة التي يكون فيها النص هو المرجع، تبقى قوية، أما إذا شاع بين الناس أن النفوذ يستطيع تجاوز النص، فإن أول الخاسرين هو الثقة في العدالة
ولذلك فإن طلبي لا يتجاوز مبدأً واحدًا: أن يُحتكم إلى القانون الذي سنّته الدولة، وإلى القواعد التي أقامتها الشريعة في وجوب الوفاء بالنظام العام، وأن يُقاس الجميع بميزان واحد، فلا يُزاد في حق أحد، ولا يُنقص من حق أحد.
