رئيس بوركينافاسو يفتح جبهة جديدة بتصريحات عن «استعباد العرب للأفارقة مدة ألف عام»

رئيس بوركينافاسو يفتح جبهة جديدة بتصريحات عن «استعباد العرب للأفارقة مدة ألف عام»

عبد الله مولود / القدس العربي:

 

 

نواكشوط –«القدس العربي»: أثارت تصريحات للرئيس الانتقالي في بوركينافاسو، إبراهيم تراوري، تحدث فيها عما وصفه بـ»استعباد العرب للأفارقة لمدة ألف عام»، موجة واسعة من الجدل في عدد من الدول العربية والإفريقية، بعدما اعتبرها منتقدون تعميماً تاريخياً يهدد بإثارة حساسيات عرقية وثقافية في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تحديات أمنية وسياسية معقدة.
وفي موريتانيا، توالت ردود الفعل الرافضة لهذه التصريحات، حيث وصفها سياسيون ومثقفون وفاعلون مدنيون بأنها قراءة انتقائية للتاريخ، محذرين من تداعياتها على العلاقات العربية الإفريقية وعلى النسيج الاجتماعي في المنطقة.
ولم يكن الجدل هذه المرة مرتبطًا بالحرب التي تخوضها بوركينا فاسو ضد الجماعات المسلحة، ولا بخياراتها السياسية وتحالفاتها الإقليمية، بل انفجر بسبب قراءة تاريخية قدمها رئيس البلاد، النقيب إبراهيم تراوري، أعادت إلى الواجهة أحد أكثر ملفات الذاكرة الإفريقية حساسية وتعقيدًا وهو ملف الرق والعبودية.
وبينما أراد الرئيس البوركينابي توسيع النقاش حول تاريخ الاسترقاق في القارة، وجد نفسه في مواجهة سيل من الانتقادات، خاصة من علماء ومثقفين موريتانيين اعتبروا أن تصريحاته خلطت بين التاريخ والإسلام، ووجهت اتهامًا غير دقيق للعرب وللرسالة الإسلامية.

الردود تنهال عليه من موريتانيا

وقال تراوري إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من العبودية على يد العرب، مضيفًا أن «آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962».
وجاءت هذه التصريحات في سياق حديثه عن تاريخ الرق في إفريقيا، حيث دعا إلى قراءة شاملة لمختلف مراحل هذه الظاهرة، مؤكدًا أن القارة عانت من أشكال متعددة من الاسترقاق عبر تاريخها.
وسرعان ما انتشرت تصريحات الرئيس البوركينابي على منصات التواصل الاجتماعي، لتثير نقاشًا واسعًا بين مؤيدين رأوا فيها دعوة لإعادة قراءة التاريخ، ومنتقدين اعتبروا أنها تتضمن تعميمات تاريخية تفتقر إلى الدقة، وتربط الإسلام بممارسات لا تمثل جوهر تعاليمه.
وفي موريتانيا، جاءت الردود من شخصيات علمية بارزة، ركزت على تصحيح ما وصفته بالأخطاء التاريخية التي تضمنها خطاب تراوري.
وقال الشيخ سيدي إن الرئيس البوركينابي «ليس له إلمام بالتاريخ»، موضحًا أن العرب لم يدخلوا بوركينا فاسو فاتحين حتى يستعبدوا سكانها، وأن الإسلام وصل إلى البلاد عبر القوافل التجارية في القرن الخامس الهجري، قبل أن ينتشر تدريجيًا بين مجموعات الديولا والفولان ثم بقية المكونات السكانية.
وأضاف أن مكونة الموسي، وهي أكبر المجموعات العرقية في بوركينا فاسو، ظل الإسلام فيها في بداياته مقتصرًا على الملوك والنخب، قبل أن يتوسع لاحقًا داخل المجتمع، معتبراً أن الإسلام نقل إلى تلك المنطقة قيمًا دينية وحضارية، ولم يكن مشروعًا للاستعباد.
ورأى الشيخ سيدي أن تصريحات تراوري تأتي في سياق محاولة صرف الأنظار عن التحديات الداخلية التي تواجهها بلاده، محذرًا من أن الشعب البوركينابي، الذي يشكل المسلمون غالبيته، لن يقبل ما اعتبره إساءة إلى الإسلام، داعيًا الرئيس إلى التمييز بين التاريخ العربي والإسلامي وبين النزاعات العرقية والسياسية المعاصرة داخل بوركينا فاسو.
ومن جهته، وصف العلامة الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الإمام، الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وإفريقيا، تصريحات تراوري بأنها «مغالطة خطيرة»، معتبراً أنها توحي بأن الإسلام دين استعباد، وهو ما يناقض الحقائق التاريخية.
الرق لم يكن اختراعًا إسلاميًا
وأوضح أن الرق لم يكن اختراعًا إسلاميًا، بل كان نظامًا عالميًا عرفته مختلف الحضارات القديمة، بما فيها المجتمعات الإفريقية نفسها قبل وصول الإسلام إليها، مؤكدًا أن الرسالة الإسلامية جاءت في بيئة كان الرق جزءًا من بنيتها الاجتماعية، لكنها عملت على تضييق مصادره وتوسيع أبواب العتق، وربط تحرير العبيد بالكفارات والقربات، وإرساء مبادئ المساواة بين البشر.
وأشار إلى أن الإسلام نقل المجتمعات من الانتماءات العرقية والطبقية إلى معيار التقوى، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، مؤكداً أن التاريخ الإسلامي شهد بروز علماء وقضاة ومحدثين وسلاطين من أصول إفريقية، دون أن يكون لون البشرة أو الأصل العرقي عائقًا أمام تولي أعلى المناصب الدينية والسياسية.
وأضاف أن بقاء بعض صور الرق في بعض المجتمعات الإسلامية لا يمكن اعتباره نتيجة للتشريع الإسلامي، وإنما هو امتداد لأنظمة اجتماعية سابقة أو نتيجة ممارسات بشرية خالفت مقاصد الدين، داعيًا إلى التفريق بين المبادئ التي جاء بها الإسلام وبين تصرفات بعض المسلمين عبر التاريخ.
وتعيد هذه السجالات إحياء نقاش قديم يتجدد بين الحين والآخر حول تاريخ العبودية في إفريقيا، وهو تاريخ معقد تشارك في صناعته عوامل محلية وإقليمية ودولية، بدءًا من أنظمة الرق التقليدية داخل المجتمعات الإفريقية، مرورًا بتجارة الرقيق عبر الصحراء، ووصولًا إلى تجارة العبيد عبر الأطلسي والاستعمار الأوروبي، وهو ما يدفع العديد من المؤرخين إلى التحذير من اختزال هذه الظاهرة في طرف واحد أو مرحلة واحدة.
ويبدو أن تصريحات الرئيس إبراهيم تراوري، التي جاءت في سياق حديث تاريخي، تحولت إلى قضية فكرية ودينية وسياسية، تجاوزت حدود بوركينا فاسو، لتفتح نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين التاريخ والهوية والدين، وحول مسؤولية القادة في التعامل مع الملفات التاريخية الحساسة بلغة دقيقة تستند إلى الوقائع بعيدًا عن التعميمات التي قد تثير الانقسام وتغذي الاستقطاب داخل المجتمعات الإفريقية.
ويرى متابعون أن الجدل الذي أثارته تصريحات تراوري يتجاوز مضمونها التاريخي، ليرتبط أيضًا بما يعتبره منتقدوه تناقضًا في مواقفه الخارجية. فبينما يوجه انتقادات حادة للعرب وللإرث الإسلامي في إفريقيا، لم يقدم على قطع العلاقات الدبلوماسية بين بوركينا فاسو وإسرائيل، بل واصل العمل بالإطار الدبلوماسي القائم، حيث استقبل خلال فترة حكمه السفير الإسرائيلي غير المقيم لتقديم أوراق اعتماده، كما وافق مؤخرًا على اعتماد سفير جديد، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تعكس استمرار العلاقات الرسمية بين البلدين رغم الخطاب الثوري الذي يرفعه في ملفات أخرى.
ويبدو أن تصريحات الرئيس البوركينابي، بدلاً من أن تفتح نقاشًا أكاديميًا هادئًا حول تاريخ الرق في إفريقيا، أدخلته في مواجهة مع علماء ومؤرخين رأوا فيها قراءة انتقائية للتاريخ، كما أنها أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول اتساق خطابه السياسي؛ إذ بينما يصعّد في مواجهة بعض الرموز التاريخية والحضارية للعالم الإسلامي، يواصل الإبقاء على العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع إسرائيل، وهو ما دفع منتقديه إلى اتهامه بازدواجية المعايير وانتقاء الملفات التي تخدم أجندته السياسية الداخلية والخارجية.