الصراع الجيوسياسي العالمي الجديد

الصراع الجيوسياسي العالمي الجديد

د. السيد ولد أباه


في سياق الأزمة الإقليمية الراهنة، والتي من مظاهرها البارزة التحكم الإيراني اللامشروع في مضيق هرمز، يتعيّن الرجوع إلى كتاب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، الصادر مؤخراً بعنوان «نقطة الصفر»، وفيه قراءة معمّقة للوضع العالمي الجديد.نقطة انطلاق المؤلف هي استيلاء روسيا على ميناء أوديسا الأوكراني، وهو الإطلالة الأساسية لأوكرانيا على البحر الأسود، وعبره يتم تصدير أهم منتجاتها من الحبوب. وقد اعتبر جيجك أن هذا الحدث يعبّر عن تحوّل جوهري في الخريطة الاستراتيجية الأوروآسيوية.
 والصراع المستقبلي، حسب جيجك، لن يدور حول التحكم في الأراضي والمواقع الجغرافية الأساسية، بل حول «التدفقات» و«التموجات» في أبعادها المختلفة، التجارية والمالية واللوجستية. ومن أهم هذه التدفقات الممرات البحرية التي هي قنوات السيطرة على العالم الجديد، وقد أصبحت بالفعل محور الصراع بين القوى الدولية الكبرى.
ومن أهم هذه الممرات مضيق ملقا الرابط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي ومنه إلى المحيط الهادئ، وهو اليوم بؤرة الصراع الصيني الأميركي الذي يوشك أن يصبح مفتاح العلاقات الدولية في المستقبل القريب.
كما أن قناة بنما الرابطة بين المحيطين الأطلسي الهادئ تُشكّل هي الأخرى رهاناً رئيسياً في صراع النفوذ والتأثير على الحدود الأميركية الآسيوية، ومن تتضح أهميتُها القصوى في خطاب الرئيس ترامب الذي لا يخفي حرصَه على تبعيتها للسيادة الأميركية.
وفي منطقتنا تشكّل ممرات باب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز، عناصر أساسية في الخريطة الجيوسياسية الإقليمية والعالمية، لارتباطها بحركية تجارة النفط وجبهات الصراع الإقليمي القائم. ومن هنا يغدو تأمين هذه الممرات من الشروط الأساسية لمقاربة الأمن الإقليمي العربي في مواجهة المخاطر والأطماع الخارجية.ما يبينه جيجك هو أن السيطرة على الممرات المائية والكابلات البحرية تكتسي أهميةً استراتيجيةً أكبر من السيطرة على مدينة كبرى أو حدود مشتركة بين بلدين، ومن ثم فإن مفهوم السيادة قد تغيّر من المفهوم الإقليمي إلى دلالة التحكم في التموجات الحيوية التي ترتبط بها التبادلات التجارية وإمدادات الطاقة والمسارات المالية وحركية الهجرة.
لقد غدت بالفعل التموجاتُ هي الأدوات القاهرة للسلطة، على غرار القلاع المحصّنة في العصور الوسطى، ولذا لم يَعُد بالإمكان النظر إلى الجيوبولتيكا بصفتها التعبير عن صراع الموارد والثروة، بل إن دلالاتها الحالية هي المنافسة على قنوات ومسارات التبادل والتنقل على المستويات المختلفة.
ولهذه المعادلة الجديدة تأثيرٌ مباشرٌ على مفهوم الحرب التي لم تعد تَعني - كما كان في السابق - تدميرَ الخصم والقضاء على قدراته، بل التشويش على التموجات من خلال العقوبات الاقتصادية والهجمات الإلكترونية والحصار التكنولوجي وسد الموانئ.
وكما لاحظ جيجك فإن حركية العولمة، وإن أدت إلى توحيد الاقتصاد العالمي، إلا أنها قوّضت مفهومَ الكونية الإنسانية المشتركة، بحيث يظهر أن الصراعات الراهنة الكثيفة مصدرها الحقيقي هو تصادم الآفاق السياسية والرمزية للمجتمعات البشرية العاجزة عن توليد قيم وسرديات جامعة.
ومن المعروف أن النظريات الاستراتيجية التقليدية تمحورت حول ثنائية السيطرة البحرية والسيطرة البرية، فشكّلت الأطروحةُ الأولى العقيدةَ العسكريةَ الأميركيةَ، كما صاغها في بداية القرن العشرين «الفريد ثاير ماهان» الذي اعتبر أن القوة العالمية مرهونة بالتحكم في المحيطات، بما يقتضي تشكيلَ قوة بحرية ضاربة والتمتع بقواعد عسكرية في الخارج وتأمين مضايق وقنوات التجارة الخارجية.
أما الأطروحة الثانية، فترجع إلى عالم السياسة البريطاني هالفورد ماكيندر، صاحب نظرية «قلب العالم» heartland، والتي اعتبر فيها أن الهيمنة العالمية مرهونة بالسيطرة على أوروبا الشرقية التي هي قلب المجال الأوروآسيوي. وتُشكّل هذه الأطروحةُ أساسَ الرؤية الأمنية الروسية الثابتة، باعتبار أن هذه المنطقة تتميز بسمات خاصةٍ من بينها: شساعتها الجغرافية، واحتواؤها على ثروات طبيعية واسعة، وصعوبة اختراقها عسكرياً.
 بيد أن المعادلة الجيوسياسية الراهنة فرضت على القوى الدولية المتنافسة الانتقال من ثنائية الأرض والمحيطات، إلى محورية المعابر والتموجات، بما يفسر الهاجس الروسي فيما يتعلق بمسالك البحر الأسود والمحيط المتجمد الشمالي، وسعي الولايات المتحدة للسيطرة على المحيط الهادئ والبحر الكاريبي.
هذا الصراع الدولي على المعابر البحرية الأساسية، لا ينحصر في الأهداف العسكرية والاستراتيجية، ولا في المسارات الاقتصادية والتجارية وحدها، بل يفسر بكونه مظهراً لمعادلة جيوسياسية جديدة، هي ما عبّر عنه جيجك بحقبة التموجات في النظام الدولي.


*أكاديمي موريتاني