من ذكريات الباكلوريا / المختار گاگيه

من ذكريات الباكلوريا / المختار گاگيه

المختار گاگيه

 

الباكلوريا الفنية الرياضية 1989 :

من لطيف ذكريات الباكلوريا الأولى التي حصلت عليها سنة 1989 أن حضرنا بمباني الثانوية الفنية لسماع النداء بأسماء الناجحين في الشعبة الفنية الرياضية.

ومع هبة الحضور لسماع الأسماء، فاتتني مقدمة النداء.

تتابع النداء، وأنا استبطئ اسمي، واستغرب في أعماق نفسي من ضعف رتبتي؛ لكن كان من المطَمئن أنه يكفيني مجرد النجاح للحفاظ على استحقاقي للمنحة إلى ألمانيا.

لكن النداء ما لبث أن انتهى بذكر أسماء بضع وعشرين من الناجحين.

وأنا في حيرة من ذلك؛ إذا بالزملاء يقبلون علي مباركين؛ لقد فاتني سماع الاسم الأول. والحمد لله.

ويوم توزيع كشوف الدرجات، تأملت النتائج فإذا لدي نتيجة 0 في الانكليزية، ولم تكن نتائجي فيها قبل ذلك ألا فوق المتوسط. وحين أخبرت زميلي محمد الأمين ولد عالي بذلك مستنصحا؛ أجابني بأريحيته الآدرارية: لو كنت مكانك لما اشتغلت بتصحيح ذلك؛ فأنت أول الناجحين، وقد ضمنت المنحة؛ فأعجبتني منه تلك الحكمة وعملت بمقتضاها. 

وتذكرني أريحية زميلي محمد الأمين هذه بموقف شبيه حكاه لي الأستاذ لولي (ول الناس) ولد جمال رحمه الله. قال:

ترشحت لمسابقة، فلما حضرت للقاعة وجدت أني المترشح الوحيد لها، وكان يراقب علي الأستاذ جمال ولد الحسن رحمه الله. وبعد هنهية التفت إلي الأستاذ جمال، وقال لي: أبشرك يا أستاذ لولي بأن ستنجح، وستكون الأول إن شاء الله.

الباكلوريا الأصلية سنة 2012 :

1- من عيوب الأنظمة التعليمية في كثير من البلدان النامية عدم مراعاة المواهب والميول الفطرية للتلاميذ عند توجيههم إلى المرحلة الثانوية؛ لذلك كنت مثل كثيرين ممن وجهتهم معدلاتهم الجيدة إلى الشعبة الرياضية، وتحديدا إلى الشعبة الفنية الرياضية إثر النجاح في مسابقة شاركت فيها في نهاية المرحلة الإعدادية لدخول هذه الشعبة الخاصة. 

كانت ميولي إلى الآداب أكثر منها إلى العلوم التجريبية، وهو ما انتبه إليه أستاذي للغة العربية في الإعدادية العربية السالك ولد محمد المصطفى جزاه الله خيرا.

لكن قيم ذلك العهد وتلك المرحلة العمرية كانت تملي بأن المتميز في الرياضيات لا يدرس الآداب.

وبعد التحاقي بالشعبة الفنية الرياضية كما ذكرت؛ حصلت على الباكلوريا سنة 1989.

2- في سنة 2012، وبعد أكثر من عشرين سنة من تاريخ الباكلوريا الأولى، وبعد الرجوع إلى البلاد والاستقرار الوظيفي فيها، بدا لي أن أترشح لباكلوريا جديدة، هي الباكلوريا الأصلية؛ لتكون فاتحة لمسار جديد توج بعد ذلك بالمتريز في الفقه وأصوله، والماستر في الاقتصاد الإسلامي، والتسجيل حديثا للدكتوراه، والحمد لله.

3- من لطيف ذكريات هذه الباكلوريا الأصلية سنة 2012 :

حضرت لقاعة الامتحان بأحد مراكز الباكلوريا بمقاطعة عرفات، حاملا استدعائي وبطاقة تعريفي، وقد كان ذلك ضروريا على كل حال؛ لأن الشيبات التي بدأت تظهر في اللحية والرأس تجعل أي مراقب يشك في وضعي كتلميذ.

دخلت إلى قاعة الامتحان قبل حضور المراقبين، وقد تلقاني بالترحاب الزملاء، خاصة في الصفوف الخلفية في القاعة، وبادرني بعضهم قائلا: "أستاذ، حكل حاول تتعاطف امعان".

وقد فاجأ جميع الحضور أن تقدمت إلى وسط التلاميذ واتخذت لي مكانا بينهم.

حينها سمعت خلفي زميلة تهمس إلى زميلتها قائلة: "خليه عنك، هذا امسيكين تلميدي".

وأحدثكم كشاهد من عين المكان، خلال مواد الامتحان المختلفة التي شاركت فيها حدث من تداول الأوراق والكتيبات من فوقي وعن يميني وعن شمالي ما لا يعلمه إلا الله.

وقد كنت محرجا بما يقع حولي؛ فقد يدور في ذهن المراقب أنني جزء من عملية التبادل تلك، وسيجد في "عجزي" عن الباكلوريا في كلما مضى من عمري قرينة لذلك، لكنني عولت على أن الإقبال الظاهر على شأني وهيبة الشيبات في ذقني ستدفع عني الاتهام الصريح.

وبالطبع لم يكن الموقف يسمح بالحسبة على الجماعة التي مارست منكر الغش؛ إذ يسقط تغيير المنكر حين يؤدي إلى منكر أشد منه؛ كما سأعلم فيما بعد ويسري عني.

ومن الطريف، أن من بين الأدوات الرئيسية المستعملة في الغش كتيبات عملية على حجم قبضة اليد، تلخص بخط دقيق لكنه مقروء مختلف المواد الأساسية، وكنت أرى أعدادا منها متداولة من حولي أيام الامتحان ومصادرة أحيانا من طرف بعض المراقبين في القاعات. وعلمت بعد ذلك أنها تسمى "المفخخات" أو ما شابه ذلك.

هذه الكتيبات كنت ممن أقتناها وواظب في إطار التحضير للامتحان على حملها في جيب قميصي، ممتنا، ومشيدا بمستوى "الوعي" و"الحس العملي" عند أصحاب الوراقات؛ ليعدوا لنا، نحن المشغولين، مثل هذه الأدوات العملية الفريدة.

أدام الله علي وعليكم ستره الجميل.

وحفظني وإياكم من كل مكروه.