يرحل المبدعون الكبار، لكنهم لا يغادرون الذاكرة. تبقى كلماتهم حيّة، وتظل أعمالهم شاهدة على ما قدموه لأوطانهم وللثقافة الإنسانية. ومن هذا الصنف من الرجال كان الراحل الشاعر والباحث والمثقف البحريني الكبير علي عبدالله خليفة، الذي شكّل على امتداد أكثر من نصف قرن واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية في البحرين والخليج العربي والعالم العربي. وبرحيله لا تفقد البحرين شاعرًا كبيرًا فحسب، بل تفقد أحد أكثر أبنائها إخلاصًا لثقافتها وتراثها وصورتها الحضارية.
كان خبر رحيله مؤلمًا لكل من عرفه عن قرب أو تابع مسيرته الأدبية والثقافية. فقد كان رجلًا استثنائيًا جمع بين الموهبة الشعرية الأصيلة والالتزام الثقافي العميق، وبين النشاط الفكري المتواصل والإنسانية الرفيعة. وقد ترك وراءه إرثًا أدبيًا وثقافيًا كبيرًا سيظل مرجعًا للأجيال المقبلة، كما ترك في نفوس أصدقائه ومحبيه ذكريات لا تُنسى.
الشاعر والمثقف والإنسان
عرفت علي عبدالله خليفة منذ أكثر من عشرين عامًا، وكان لقاؤنا الأول في مكتبة معهد العالم العربي بباريس. جاء يومها حاملاً مجموعة من مؤلفاته ليهديها إلى مكتبة المعهد، وكانت برفقته شاعرة بحرينية. وما زلت أذكر ذلك اللقاء الأول بكل تفاصيله؛ فقد كان لقاءً بسيطًا في ظاهره، لكنه سرعان ما تحول إلى بداية صداقة طويلة ومتينـة.

جلسنا نتحدث عن الثقافة العربية وعن أوضاع النشر والكتاب، وعن البحرين وتجربتها الثقافية، وعن أهمية حضور الكتاب البحريني في المؤسسات الثقافية الأوروبية. وقد شدني منذ اللحظة الأولى تواضعه الجمّ، وهدوؤه، وسعة اطلاعه، وطريقته الراقية في الحوار. كان يصغي أكثر مما يتحدث، ويمنح محاوره شعورًا بأنه شريك حقيقي في النقاش. وخلال ذلك اللقاء أحسست أنني أمام إنسان يملك ثقافة واسعة، لكنّه لا يستعرضها، وأمام شاعر كبير لا يتكئ على شهرته، بل يفضّل أن يقدّم نفسه للآخرين بصفته إنسانًا قبل أي شيء آخر.
بعد ذلك اللقاء بدأت بيننا علاقة صداقة وتعاون ثقافي استمرت سنوات طويلة. ولم تمضِ أشهر قليلة حتى تلقيت منه دعوة للمشاركة في فعالية ثقافية بمملكة البحرين، لتقديم محاضرة حول تجربة معهد العالم العربي ومكتبته. وقد كانت تلك الدعوة فرصة للتعرف عن قرب إلى الوسط الثقافي البحريني وإلى المكانة التي كان يحظى بها علي عبدالله خليفة بين المثقفين والباحثين.
وعندما وصلت إلى مطار المنامة وجدته في استقبالي بنفسه. وما زلت أتذكر دهشتي عندما أصرّ على حمل حقيبتي رغم اعتراضاتي المتكررة. كان يرى في ذلك تصرفًا طبيعيًا، بينما كنت أراه تعبيرًا عن تواضع نادر لا نجده كثيرًا لدى أصحاب المكانة الثقافية الرفيعة. ولم يكن ذلك الموقف الوحيد الذي كشف لي عن معدن الرجل؛ فقد ظل طوال فترة إقامتي في البحرين حريصًا على متابعة كل التفاصيل بنفسه، وكأنني ضيف في بيته لا في زيارة رسمية.
خلال تلك الزيارة تعرفت إلى أسرته الكريمة، وإلى عدد كبير من أصدقائه ومرافقيه. وقد لفت انتباهي منذ البداية أن الجميع كانوا يكنون له محبة صادقة واحترامًا كبيرًا. ولم يكن ذلك بسبب شهرته أو موقعه الثقافي فقط، بل بسبب شخصيته الإنسانية الدافئة. فقد كان قريبًا من الناس، متواضعًا، كريمًا، حريصًا على مساعدة الآخرين، ومؤمنًا بأن الثقافة لا قيمة لها إذا لم ترتبط بالأخلاق.
كان علي يتابع المكالمات وهو يبتسم، ثم أعلن الخبر أمام بعض أصدقائه. طلبت منه أن يرسل أسماء من يصحبهم، وعندما عدت أرسلت له المطوية، وبدأنا في توزيعها على وسائل الإعلام، واتصلنا ببعض المثقفين العرب.
قدم علي مع مجموعة أدت أغاني شعبية، وكان مصحوبًا أيضًا بالصوت الذهبي. وجاء يوم النشاط الذي بدأناه بكلمات ترحيبية، وطلبنا من علي التقدم إلى المكان بعد أن زودناه بميكروفون على أذنيه، فراح بصوته الرائع يتنقل في المكان مرتديًا لباسًا محليًا، وكانت أمسية لطيفة جدًا.
وحسب قوله، بعد يومين كنت قد اتفقت مع الراحل الدكتور أسامة خليل الذي نظم له أمسية حضرها نخبة من الشعراء والمثقفين. كما كنت قد اتصلت بجمعية ثقافية خارج باريس نظمها شباب من أبناء المهاجرين، حيث كان علي متألقًا وسعيدًا. وبدأت بعض النساء يزغردن له، وقدموا له وللوفد المرافق أكلات مغاربية. فقدمته بكلمات مختصرة وجلست جانبًا وتركت الشباب يتصرفون. سهرنا حتى ساعة متأخرة من الليل.
وفي الغد اتصل بي وهو يضحك، وقال “أنتم لا تعملون القيلولة!”. فقلت له “نحن في انتظارك متى سمح وقتك”. وبعد نصف ساعة اتصل بي ليقول إن صحفية تريد أن تجري معه لقاءً، وإنه متعب ولا وقت لديه للقيلولة. فقلت له “نتصرف في الأمر”.
كلما كنا نلتقي كان يكلمني عن تلك الأمسيات، وكان يقول إن باريس اعترفت به شاعرًا، وإن ذلك وسام أفتخر به طوال حياتي. ولما عاد إلى أهله اتصل بي وبالكثير من المثقفين، وأبدى إعجابه الكبير بما لقيه من حفاوة وتقدير.
كان الراحل يزورني كلما مر بباريس. واتصل بي ذات صباح ليقول إنه في باريس، فقلت له إنني في انتظاره. وكلمني عن ديوانه الشعري الذي سلمه إلى منشورات لارماتان. فاتصلت بالمدير الذي أحالني على جوليان، أحد المراجعين، وهذا الأخير اتصل بي ليطلب صورة للشاعر. فقلت له “أنا قادم إليك معه”.
◄ كان يرى أن التراث ليس مجرد ماض محفوظ في الكتب، بل هو مصدر من مصادر بناء المستقبل وصناعة الهوية
دخلنا إلى مكتب يقع في الطابق الثاني تحت الأرض، وعلي يتابع الأمور، وهو كعادته لا تفارقه ابتسامته المميزة. قال لي جوليان “سنأخذ على الأقل ساعة من وقته”. فحضرنا صفحة الغلاف الرائعة وترجمناها إلى الفرنسية، ثم طلب جوليان من علي صورة شخصية ليضعها إلى جانب النص. ولم تكن معه صور، فدخلنا إلى موقعه واتفقنا على واحدة منها.
ثم طلب مني جوليان قراءة بعض النصوص للتأكد من صحتها، فطلبت المساعدة. ولما انتهينا قلت له “متى سيصدر الكتاب؟”.
اتصلت بالأخ والصديق حسن المصدق. وكان ذلك يوم جمعة، واتفقنا مع مدير النشر على المرور عليه بعد العصر. وعندما وصلنا وجدنا عشر نسخ تنتظرنا، أما الباقي فسيُسلَّم يوم الخميس أو الجمعة.
كان الشاعر والمبدع يفرح بكتابه وكأنه مولود جديد. وتزامن ذلك اليوم مع الثاني أو الثالث من رمضان. فدعوته ومن أحب للاحتفال بصدور هذا الديوان، واتفقت في ذلك مع مطعم جزائري في الحي اللاتيني. وحضر الإفطار كل من الراحل محمد بن عيسى، والصديق أحمد المديني، والأخ حسن المصدق، ومثقفة سورية.
ومن بين الذكريات الجميلة التي أحتفظ بها معه تلك المرتبطة بزيارته إلى باريس سنة 2010 للمشاركة في فعاليات عيد القراءة. جاء يومها برفقة مجموعة من الموسيقيين الشباب ومع الفنان البحريني الكبير أحمد الجميري. وقد كانت تلك الزيارة من أنجح الفعاليات الثقافية التي استضافها معهد العالم العربي خلال تلك الفترة.

ألقى علي عبدالله خليفة قصائده بطريقة مختلفة تمامًا عما تعود عليه الجمهور. فقد كان يتحرك بين الحاضرين مرتديًا اللباس البحريني التقليدي، فيما كانت الموسيقى الشعبية البحرينية ترافق قراءاته الشعرية. وكانت النتيجة أمسية استثنائية امتزج فيها الشعر بالموسيقى والتراث والحضور الإنساني. شعر الجميع بأنهم لا يستمعون إلى قصائد فقط، بل يعيشون تجربة ثقافية بحرينية متكاملة.
وقد تركت تلك الأمسية أثرًا عميقًا لدى الحاضرين. وكان من بين الحضور الناقد الراحل أسامة خليل الذي اقترح تنظيم أمسية ثانية للشاعر في فضاء لارماتان الثقافي بباريس. وقد تم ذلك بالفعل، وكانت الأمسية الثانية ناجحة بالقدر نفسه، بل ربما أكثر، لما شهدته من حوار مباشر بين الشاعر والجمهور.
الشعر فعل وجودي
أتذكر كذلك مساءً جميلًا دعوت فيه علي عبدالله خليفة إلى نزهة طويلة في شوارع باريس. انطلقنا من أمام معهد العالم العربي وسرنا لمسافة طويلة نحو منطقة بير لاشيز. وخلال الطريق تحدثنا عن قضايا الشعر والثقافة العربية والتراث وأسئلة الهوية والانفتاح على العالم. كان حديثه عميقًا وممتعًا في آن واحد، وكان قادرًا على الانتقال من موضوع إلى آخر بسلاسة تدل على اتساع معارفه.
وعندما وصلنا إلى وجهتنا، التفت إليّ مبتسمًا وقال “لقد انتهيت منها”. سألته مستغربا “انتهيت من ماذا؟”، فأجاب “من كتابة قصيدة جديدة”. عندها أدركت أن الشاعر كان يعيش حالة إبداعية متواصلة حتى أثناء النزهة والحوار. وبينما كنت أظن أننا كنا اثنين فقط نمشي في شوارع باريس، كان هناك رفيق ثالث غير مرئي يرافقنا؛ إنه الشعر نفسه.
لقد كان الشعر جزءًا من تكوينه الإنساني، لا مجرد نشاط يمارسه في أوقات معينة. ولذلك جاءت قصائده صادقة وعميقة ومتصلة بالحياة. كان يكتب عن البحرين، وعن البحر، وعن الإنسان، وعن الحنين، وعن الأسئلة الوجودية الكبرى. لكنه كان يفعل ذلك بلغة تجمع بين البساطة والعمق، وبين الغنائية والتأمل الفكري.
ويُعد علي عبدالله خليفة واحدًا من بين أبرز شعراء البحرين المعاصرين. فقد أسهم في تطوير القصيدة البحرينية الحديثة، ونجح في بناء مشروع شعري خاص به، يقوم على استلهام التراث المحلي والانفتاح على التجارب الشعرية العربية الحديثة. وتميزت أعماله بحضور واضح للبحر والذاكرة الشعبية والبيئة الخليجية، لكنها في الوقت نفسه حملت أبعادًا إنسانية جعلتها تتجاوز حدود المكان.
◄الثقافة عنده ليست ترفا فكريا، بل رسالة أخلاقية وإنسانية ولذلك اعتبر نجاحه الشخصي وسيلة لخدمة الثقافة والإنسان
ولم يقتصر عطاؤه على الشعر وحده. فقد كان باحثًا جادًا في مجال التراث الشعبي، ومؤمنًا بأهمية حفظ الذاكرة الثقافية العربية. وقد كرّس سنوات طويلة من حياته لجمع التراث الشعبي البحريني والعربي وتوثيقه ودراسته. وكان يرى أن التراث ليس مجرد ماضٍ محفوظ في الكتب، بل هو مصدر من مصادر بناء المستقبل وصناعة الهوية.
ومن هنا جاء اهتمامه الكبير بالمؤسسات الثقافية المتخصصة في التراث الشعبي. فقد أسهم في دعم مشاريع عديدة هدفت إلى توثيق التراث وحمايته من الضياع، كما عمل على تعريف الأجيال الجديدة بأهمية هذا التراث ودوره في الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية.
الإيمان بالإنسان
لعل من أهم ما يميز تجربة علي عبدالله خليفة إيمانه العميق بالحوار بين الثقافات. فقد كان يرى أن الثقافة جسر بين الشعوب، وأن المعرفة المتبادلة هي السبيل الأفضل لبناء عالم أكثر تفاهمًا وتسامحًا. ولذلك شارك في عدد كبير من المؤتمرات والملتقيات الدولية، وكان دائم الحرص على تقديم صورة مشرقة عن الثقافة العربية والبحرينية.
وقد لعب دورًا مهمًا في التعريف بالأدب البحريني خارج العالم العربي. وكان من أوائل الذين أدركوا أهمية الترجمة بوصفها وسيلة للوصول إلى القارئ العالمي. ولهذا السبب شجع ترجمة أعماله وأعمال عدد من الشعراء البحرينيين إلى اللغات الأجنبية، وخاصة الفرنسية.

وأذكر جيدًا فرحته عندما صدرت إحدى مجموعاته الشعرية باللغة الفرنسية عن دار لارماتان للنشر. يومها رافقته إلى مقر الدار، وعملنا معًا على مراجعة الصفحة التعريفية بالكتاب، واختيار الصورة المناسبة، واستكمال التفاصيل الأخيرة قبل الطباعة. وعندما تسلم النسخ الأولى من الكتاب بدا سعيدًا كما لو أنه يحتضن مولودًا جديدًا.
وفي تلك الفترة اجتمعنا في أمسية رمضانية جميلة ضمت عددًا من الأصدقاء والمثقفين العرب، من بينهم المرحوم محمد بنعيسى وأحمد المديني وحسن المصدق. كانت سهرة مليئة بالذكريات والضحك والحديث عن الأدب والثقافة. وقد أهدانا الشاعر نسخًا موقعة من كتابه الجديد، وكانت فرحته بذلك الإنجاز تملأ المكان.
لكن ما كان يثير إعجابي فيه أكثر من أي شيء آخر هو وفاؤه لأصدقائه. فقد ظل حريصًا على التواصل مع من عرفهم، مهما باعدت بينهم المسافات أو مرت السنوات. وكان يتابع أخبارهم ويسأل عنهم باستمرار، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم. وقد رأيت بأم عيني كيف تحولت كثير من علاقاته الثقافية إلى صداقات إنسانية عميقة استمرت لعقود.
كان علي عبدالله خليفة يؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا فكريًا، بل رسالة أخلاقية وإنسانية. ولذلك لم يكن ينظر إلى نجاحه الشخصي باعتباره هدفًا في حد ذاته، بل باعتباره وسيلة لخدمة الثقافة والإنسان. وكان سعيدًا بنجاح الآخرين بقدر سعادته بنجاحه الشخصي، وربما أكثر.
واليوم، ونحن نستعيد مسيرته الطويلة، ندرك أننا أمام شخصية ثقافية استثنائية جمعت بين الإبداع والعمل المؤسسي والالتزام الإنساني. فقد كان شاعرًا كبيرًا، وباحثًا جادًا، ومدافعًا عن التراث، ومروجًا للحوار بين الثقافات، وصديقًا وفيًا، وإنسانًا نادر الخلق.
لقد فقدت البحرين برحيله واحدًا من بين أبرز سفرائها الثقافيين، وفقد الأدب العربي أحد أصواته المخلصة، وفقدت الثقافة العربية شخصية كرّست حياتها لخدمة المعرفة والجمال والإنسان. غير أن عزاءنا الكبير يتمثل في الإرث الذي تركه خلفه؛ إرث من الكتب والدواوين والأبحاث والمؤسسات والمبادرات والعلاقات الإنسانية النبيلة.
وإذا كانت حياة الإنسان تُقاس بما يتركه من أثر في نفوس الآخرين، فإن علي عبدالله خليفة قد ترك أثرًا كبيرًا سيبقى حاضرًا طويلًا. وستظل قصائده تُقرأ، وأبحاثه تُدرس، ومبادراته تُذكر، وذكراه حية في قلوب أصدقائه ومحبيه وتلامذته.
ستبقى سيرته شاهدًا على أن الثقافة الحقيقية ليست مجرد معرفة، بل هي أيضًا أخلاق ومحبة وعطاء وإيمان عميق بقيمة الإنسان. فذلك هو الدرس الأجمل الذي تركه لنا، وذلك هو الإرث الذي سيظل حيًا ما بقيت الكلمة الجميلة قادرة على مقاومة النسيان.

كاتب جزائري
المصدر: العرب
