معركة إدوارد سعيد غير معركتك يا فوكو

معركة إدوارد سعيد غير معركتك يا فوكو

حَميد دباشي
 

يتذكر العالم بأسره، لا سيما في الولايات المتحدة والعالم العربي، إدوارد سعيد (1935-2003) في المقام الأول بفضل نصه الأيقوني "الاستشراق" (1978). ويحتفى بهذا النص، عن جدارة، بوصفه حجر الزاوية لما برز لاحقا كحقل لـ"دراسات ما بعد الكولونيالية". ولقد سبقه، بطبيعة الحال، مفكرون آخرون، أمثال عالم السياسة المصري أنور عبد الملك (1924-2012)، وعالمي الأنثروبولوجيا الأمريكيين برنارد س، وكوهن (1928-2003) وطلال أسد (مواليد 1932)، بل وقبلهم جميعا الباحث الفرنسي ريمون شواب (1884-1956)، ممن أشاروا، بطريقة أو بأخرى، إلى الشروط الاستعمارية لإنتاج المعرفة حول "الشرق".

بيد أن الفكرة لم تكتسب رواجا عالميا ولم تفلح في تحويل نظام إنتاج المعرفة بأسره، إلا حين صاغها إدوارد سعيد في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 (حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973).

يقرأ عادة ما اعتبره سعيد نفسه تتمة لـ"الاستشراق" (1978)، وأعني نصه الأيقوني الآخر "الثقافة والإمبريالية" (1993)، بوصفه مجلدا رديفا لذلك النص المفصلي، والذي يعكف باحثو هذا الحقل على دراسته من كثب لتكوين صورة أشمل عن فكر سعيد النقدي إزاء العلاقة بين السلطة والإنتاج الأدبي.

تنبثق أوجه الشبه في التفكير حول علاقة المعرفة بالسلطة بين إدوارد سعيد وميشيل فوكو (1926-1984) من مصدر مشترك، غير أنها تسلك مسارات متباينة. فبالنسبة لفوكو، كان هذا المشروع جزءا لا يتجزأ من يأس أوروبي، في مرحلة ما بعد الهولوكوست، من الفواجع الكامنة في حداثة التنوير. أما بالنسبة لسعيد، بوصفه فلسطينيا مهجرا وباحثا في الأدب الأوروبي، فقد شق هذا المسار عبر الأدلة المادية للاستعمار الأوروبي الوحشي لوطنه، بل وللعالم أجمع، وعبر التعبيرات المجازية الخيالية لذلك المسار في الأدب الأوروبي.

ولئن كان المشروع عند فوكو سمة متأصلة في التأملات الذاتية الأوروبية، فقد كان عند سعيد سعيا لفتح آفاق ذلك التأمل على التركات الخبيثة للاستعمار الأوروبي، والتي كان فوكو وغيره من المفكرين الأوروبيين في عصره غافلين عنها في الغالب.

السياق الأدبي

يغدو استرجاع المسار الجينالوجي لتفكير سعيد، بين حقيقة الاستعمار الأوروبي، وخيال الأدب الأوروبي الذي رافقه، أمرا حتميا اليوم أمام جيل جديد من تلامذته لإعادة رسم خرائطه وتشكيله. وكما يعلم التلامذة والزملاء المقربون من سعيد حق العلم، فإن هذين النصين، "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية"، لا يمثلان سوى قمة الجبل الجليدي، إذ يزخر إرثه بالكثير مما يتطلب اهتماما عالميا متجددا.

ولعل أحد هذه النصوص هو كتابه الأكثر تعرضا للتجاهل، ألا وهو "جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية" (1966)، والذي تحل هذا العام الذكرى الستون لنشره.

يبدو هذا النص بالغ الأهمية لسعيد، في يومنا هذا، أشبه ما يكون بسيرة ذاتية للمفكر الفلسطيني ذاته، بوصفه مهندسا رئيسيا لحقل معرفي صاغه وبات يعرف الآن باسم "دراسات ما بعد الكولونيالية".

ففي هذا النص التأسيسي، أمعن سعيد النظر في هوس جوزيف كونراد بالعالم المستعمر، وفي حماسة المستعمرين الأوروبيين لإعادة تشكيل العالم؛ كما يتجلى ذلك ربما بأبهى صوره في روايته الأشهر "قلب الظلام" (1899). وهنا، في هذا النص، نشهد البذور الأولى لمشروع سعيد النظري بأسره، الرامي إلى إجبار الأدب الأوروبي على مواجهة قواه الشيطانية.

نشر سعيد، بعد ما ينيف على عقد من الزمان، وبعيد نشره لـ"الاستشراق"، مجموعة من المقالات الرصينة في كتابه "العالم والنص والناقد" (1983)، والذي ربما يعد عمله الأكثر تأثيرا في حقل النظرية الأدبية. ولقد وضع سعيد، في هذه المقالات، عدسة تصحيحية على الحقل الأكاديمي للنظرية الأدبية برمته، من خلال إدماج فكرة "العالم" في إطار الجهاز النقدي للقارئ.

فعلى امتداد أجيال من النقد الأدبي، تبلور نوع خاص من الانفصال المفاهيمي بين النص والعالم الذي صيغ فيه، وهو الفصام الذي رمى سعيد إلى جسره. وقد برهن سعيد في هذا الكتاب على أن النص ليس شيئا مُصنّما مجردا من دنيويته. بل إن حركيات النص هي ما تفصل هذه الدنيوية والعالمية. وفي هذا الثالوث المكون من العالم، والنص، والناقد، تعلن الحياة الاجتماعية للفعل الأدبي عن نفسها وتتجسد.

الغاية ما بعد الكولونيالية

يتحتم اليوم أن تقرأ أفكار إدوارد سعيد وكتاباته ذات الطابع الأكثر سياسية في سياق أفكاره النظرية الأدبية، نظرا لكونهما مترابطين، بل إن انصهارهما معا هو ما مكنه من صياغة نهج جديد للغة النقدية. فتنبثق كتاباته السياسية من رحم أفكاره النظرية الأدبية، كما تتجذر أفكاره الأدبية في مساءلته واستجوابه السياسي لتلك النصوص. وسوف يتضرر إرثه الخالد، لا سيما في العالم العربي والإسلامي، ويتعرض لتقويض خطير إن تم اختزاله في تأويل نمطي مبتذل لأفكاره السياسية.

أرسى إدوارد سعيد دعائم توجه حاسم في تفكيرنا النقدي، غالبا ما يفهم على أنه ما بعد كولونيالي. ولا يجانب هذا الفهم الصواب تماما، غير أنه قاصر إلى حد بعيد؛ فقد اتسع حقل الفكر ما بعد الكولونيالي ومساعي إنهاء الاستعمار اتساعا كبيرا ليشمل مفكرين آخرين في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولئن كان من الضروري والمهم إضفاء الطابع المحلي عليه وربطه بأصوله الفلسطينية، فلا يجب أن يكون هذا الإفراط في التبيئة على حساب تقليص أهميته العالمية الأوسع نطاقا، والتي تتجاوز في حقيقة الأمر اهتماماته الأدبية والنقدية ذاتها.

كان سعيد، في المقام الأول، باحثا في الأدب الإنجليزي، بيد أن رؤاه قابلة للتطبيق على نطاق واسع على لغات أدبية أخرى، شريطة إجراء التعديلات النقدية اللازمة. ولقد أعمل فكره وقلمه في الأوبرا، بل وفي التصوير الفوتوغرافي، وبشكل أكثر أهمية في الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية.

بيد أن التداعيات الأوسع لأسلوبه في التفكير تمتد لتشمل دراسات السينما والفن الحديث والمعاصر. ويعكس أحد أعمالي الخاصة، وتحديدا "حب الفرس: الثقافة الفارسية في المشهد العالمي" (2015)، دمجا لاثنين من أبرز أعمال سعيد، "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية"، ولكن بلمسة مختلفة تماما لا تنطلق من فوكو بل من هابرماس، والذي اضطررت أيضا إلى تطويعه ليصبح قابلا للتطبيق على العوالم غير الأوروبية. فإرث سعيد يكمن في "كيف نفكر؟" وليس "فيم نفكر؟".

تبرز الحاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، لقراءة سعيد وإعادة قراءته، لا لتمكين جيل جديد من المفكرين النقديين فحسب، بل وأيضا لاستشراف الجيل القادم من المعارك- الفكرية والأخلاقية والسياسية- التي نواجهها مع همجية متجددة ومبتذلة وسافرة، تتجلى بأوضح صورها في الصهيونية الإبادية التي تسعى للانتشار الخبيث في قلب العالم العربي عبر حصان طروادة المتمثل في "الاتفاقيات الأبراهامية". ويجدر بنا أن نسرب إرث إدوارد سعيد إلى عقول وأرواح الأمم التي تقارع كافة الأصنام الزائفة والمتهاوية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

  • حَميد دباشي

    أستاذ الدراسات الإيرانيّة والأدب المقارن بجامعة كولومبيا في نيويورك